الغرباء وقدر العراق!!

2 أبريل 2019
49

#الحزن والعزاء الضّارب في العمق قدر العراقيّين منذ قرون طويلة، وهو جزء أساس دخل في تكوين طبيعة نسيجهم الاجتماعيّ فطغى ثمّ طغى ثمّ طغى ليصبح جداراً سميكاً يقف أمام تطوّر أبنائه واتّساع آفاقهم، وأصبحوا حاضنة جاهزة لطموحات الغرباء ومآربهم ومشاريعهم خصوصاً المتلبّسين بلباس الدّين، ولا غرو: فلتُعطّل الوزارات والمدارس والمؤسّسات، ولتُغلق الشّوارع والأسواق، ولنبكِ ونلطم ليل نهار؛ لأنّ هذه هي مصلحة المذهب؛ فالعراق بلد المقدّسات!! وبذلك نزيد حطباً لنار جهلنا، والرّابح الوحيد هم الغرباء ممّن وضع يده على ناصيتنا، وهذا هو قدر العراق!!
#كانت هذه السّطور مقدّمة عاجلة لسرد قصّة محزنة تلامس الواقع العراقيّ المعاصر، نقلها المصلح الّلبناني المرحوم محسن الأمين المتوفّى سنة: “1371هـ”في كتابه الرّحلة العراقيّة، تحدّث فيها عن يوميّاته وتجاربه الّتي حصلت معه في الرّحلة الّتي قام بها في ثلاثينات القرن المنصرم في أيّام مرجعيّة المرحوم أبو الحسن الأصفهانيّ، وقد جاء هناك:
#ومن شجون الحديث أيضاً، والحديث شجون: أنّني جئت يوماً عند الفجر لزيارة الحضرة [العلويّة] الشّريفة، فصلّيت الصّبح هناك وزرت ودعوت، وخرجت فإذا جمع من العوام مجتمعون في الطّارمة الّتي أمام باب الحضرة الشّريفة الشّرقي، وهناك سيّد مكفوف البصر قد جلس على منبر يعظهم بمواعظ مناسبة يجب أن يوعظ العوامّ بمثلها، ويذكر لهم مسائل دينيّة ممّا يجب أن يتعلّموها، فسُررت كثيراً لذلك؛ لأنّ مثل هذا الواعظ يندر وجوده في النّجف أو لا وجود له مع أنّه من الّلازم المؤكّد وجوده دائماً. ولشدّة سروري جلست في بعض الأواوين الشّرقيّة بحيث أسمع كلامه، وأخّرت الذّهاب إلى المنزل مع اشتغالي بما لا أريد أن اتعطّل عنه دقيقة، وكان تحت الطّارمة في أرض الصّحن نساء من العوامّ مجتمعات لسماع موعظته، مستترات أتمّ السّتر، ويفصل بينهنّ وبين الرّجال حاجز حجريّ، فسرّني ذلك أيضاً؛ لأنّ مثل هؤلاء النّساء يجب أن يسمعن المواعظ ويتعلّمن الأحكام، ولكن:
#لمّا فرغ الخطيب من موعظته وتعليمه، وشرع في ذكر مصيبة الحسين “ع” صرخ النّساء بأجمعهنّ صرخة واحدة، وتتابع صراخهنّ بين فترة وأخرى، فاشمأزّت نفسي عند ذلك، وقمت وذهبت، وقلت: سبحان الله، إنّ هذه العبادة لم يدعها الشّيطان حتّى أفسدها بصياح هؤلاء النّساء الّذي هو مستبشع مستهجن مستنكر، وهبه ليس محرّماً، أ فليس هو مستهجن مستنكر مستبشع، وأيّ فائدة دينيّة أو دنيويّة أو اجتماعيّة تترتّب عليه، وأيّ نفع يجرّه إلينا هذا العمل، ولكنّ القوم اعتادوه فلم يستقبحوه، ولكلّ أمرئ من دهره ما تعوّدا، ومن ذا الّذي يجسر على أن ينهاهم عنه أو يطمع في أن يسمعوا منه. وسمعت بعد ذلك أنّ هذا السيّد طلبه أهل بغداد إليهم ليكون واعظاً لهم». [الرّحلة العراقيّة، محسن الأمين: ص73].
#أقول: لن تنتهي هذه المآسي ما لم يتحلّ الجيل الجديد والنّابه بالوعي؛ فالرّهان على الغرباء في حلّ مشاكلنا وأزماتنا الدّينيّة رهان خاسر، فليُتأمّل كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...