الغدير المكان والافتراءات المذهبيّة!!

5 سبتمبر 2018
81
ميثاق العسر

#يدّعي الشّيخ محمّد السّند نزيل النّجف “حفظه الله” إنّه قد زار برفقة مجموعة من رفاقه المكان الجغرافي للغدير، فوجده عبارة عن صالة: [studio atico] حسب تعبيره، بحيث إنّ من يهمس همساً خفيفاً في أُذن صاحبه سيسمعه الطّرف الآخر الّذي يبتعد عنهم بمسافة نصف كيلو بوضوح، وأفاد إنّه جرّب ذلك مراراً مع أصحابه الّذين زاروا المكان […]


#يدّعي الشّيخ محمّد السّند نزيل النّجف “حفظه الله” إنّه قد زار برفقة مجموعة من رفاقه المكان الجغرافي للغدير، فوجده عبارة عن صالة: [studio atico] حسب تعبيره، بحيث إنّ من يهمس همساً خفيفاً في أُذن صاحبه سيسمعه الطّرف الآخر الّذي يبتعد عنهم بمسافة نصف كيلو بوضوح، وأفاد إنّه جرّب ذلك مراراً مع أصحابه الّذين زاروا المكان معه فكان كما ذكر، وعدّ هذا الأمر من المعاجز الملكوتيّة النّبويّة الّتي تلزم جميع الحضور في تلك الّلحظة وتنجّز التّكليف عليهم كي لا يتعذّروا بعدم سماعهم لكلمات الرّسول “ص” النّاصّة على ولاية عليّ “ع”!!
#لكنّنا حينما نقرأ رواية أخرى عن طبيعة المكان الجغرافي للغدير والّتي رواها المرحوم الشّيخ عبد الهادي الفضلي لا نجد فيها أيّ إشارة إلى هذه المعجزة الّتي تحدّث عنها السّند على الإطلاق؛ إذ قام “رحمه الله” بزيارتين ميدانيّتين إلى هذا المكان، كانت الأولى في عام: “1982م” وبرفقة أربعة أشخاص سمّاهم بالاسم؛ والثّانية في عام: “1989م” برفقة ستّة أشخاص سمّاهم بالاسم أيضاً، وأفاد قائلاً: «بعد أن استقر بنا‌ الجلوس‌ تناولنا مـن القـهوة والشـاي، ثمّ قمنا،‌ وتجوّلنا بالوادي الفسيح، والتقطنا‌ له‌ الصور من مختلف جهاته، كان‌ الوادي‌ فسيحاً جدّاً، تـتخلّله أشجار السَّمُر منتشرة في أبعاده جميعها، ويقع بين سلسلة جبال‌ من‌ جنوبه وشماله… وقريباً من منعطف الوادي إلى جهة الغرب غيضة، وسطها‌ عين‌ جارية، قد تكون هي عين الغدير‌ التاريخية، أمّا‌ الغدير‌ فلم‌ نر له آثاراً،‌ وكذلك‌ المسجد، ولعلهما عـفيا بـفعل تأثير عوامل التّعرية والإبادة من أمطار وسيول ورياح وما إليها». هذا في الرّحلة الميدانيّة الأولى الّتي كانت في سنة: “1982م”، أمّا الثّانية الّتي كانت في سنة: “1989م” فأفاد فيها: «عندما وصلنا إلى الغدير‌ رأينا‌ السّيل قد فـعل مـفعوله في تغيير شيء غير قليل من المعالم التي رأيناها سابقاً…» [مجلّة تراثنا، العدد: 25]، ولو كان ما ذكره السّند موجوداً بالفعل لكان ظاهرة واضحة بيّنة، ولشعر بها الفضلي ورفاقه الّذين زاروا المكان مرّتين وتحدّثوا فيما بينهم والتقطوا الصّور أيضاً.
#ومن الواضح: إنّ الّذي يدعو السّند إلى ذكر أمثال هذه المرويّات التّخيليّة ـ ولا أقول غير ذلك ـ هو المشكلة العويصة الّتي تواجه القائلين بوجود أعداد هائلة كانت في غدير خمٍّ أوصلتهم بعض الأقوال إلى ما يربو على مئة وعشرين ألف؛ إذ كيف يمكن تعقّل وصول الصّوت النّبويّ إلى مثل هذا الرّقم المهول؟! وهنا بادر السّند إلى طرح مثل هذه المبادرة الإعجازيّة!!
#وقد تسأل وتقول ومن حقّك ذلك: تُرى لماذا هذا التّركيز على نشر مقاطع من غرابات الشّيخ محمّد السّند “حفظه الله” ومرويّاته الّتي لا يُعرف لها أصل ولا فصل بل أحرجت جملة من مقرّري بحوثه في كيفيّة تخريج مصادرها؟!
#والجواب: إنّنا لا نريد استهداف شخصه “حفظه الله” ولا يعنينا هذا الأمر بالمطلق، لكنّنا نريد أن نقرّب للمتابعين فكرة جديرة بالالتفات ومهمّة جدّاً قد لا يسع البيان الّلفظي إيصالها، وهي: إنّ جملة من متقدّمي المحدّثين الإثني عشريّة أمثال الصّدوق وأضرابه كانوا يمارسون نفس الدّور الّذي يمارسه السّند عيناً ولا يتورّعون عمليّاً عن نقل الغرائب والهلوسات وكتابتها في مدوّناتهم إمّا لسذاجتهم الدّينيّة والمذهبيّة العالية، وإمّا لولائيّاتهم المغالية، وإمّا لأغراض إثباتيّة أخرى، وحينما نطعن فيهم من هذا الجانب فلا نريد أن نشكّك في صلاتهم ولا في صيامهم ولا في حجّهم وبقيّة عباداتهم، لكنّنا لا نتحمّل مسؤوليّة سذاجة وعي محدّث أو تسطيح عقله، ومن يريد أن يكون ولائيّاً ويصدّق بكلّ شيء عادّاً ذلك تديّناً وورعاً فهذا شأنه، ولا ملزم لنا بتصديق هلوساته على الإطلاق.
#وعلى هذا الأساس أقول: لو أعطينا السّند ومجموعة ما نشرناه عنه من مقاطع وتخريفات إلى الرّجاليّ الشّيعيّ الإثني عشريّ الخبير والضّابط أعني: الغضائريّ الأبن وطلبنا منه تقييمه، لما تردّد في وصفه بمفرداته الشّهيرة المتكرّرة: «ليس حديثه بالنّقي، أكثره تخليط؛ يضطرب تارة ويصلح أخرى، كان لا يبالي عمّن يأخذ الأخبار؛ ضعيف؛ متهالك؛ غال؛ مرتفع القول؛ لا يلتفت إلى ما رواه؛ كثير التّفرّد بالغرائب؛ له كتاب يدل على خبث عظيم ومذهب متهافت؛ يروي الغرائب؛ ويعتمد المجاهيل؛ وأمره مظلم؛ متروك الحديث جملة؛ في مذهبه ارتفاع؛ ويروي عن الضّعفاء والمجاهيل؛ وكلّ عيوب الضعفاء مجتمعة فيه»، فتفطّن إلى ما نروم ولا تكن صدى لغيرك، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...