الطّّبرسي في مجمع البيان وتحريف القرآن!!

18 يونيو 2019
36
ميثاق العسر

#المعروف والمشهور في الأوساط الإثني عشريّة إنّ الطّبرسي صاحب تفسير مجمع البيان المتوفّى سنة: “548هـ” يُنكر تحريف القرآن بأيّ معنى من المعاني، وهذا ما صرّح به في مقدّمة تفسيره الّذي قلّد فيه شيخ الطّائفة الإثني عشريّة الطّوسي كثيراً؛ حيث قال هناك وهو يتحدّث عن زيادة القرآن أو نقصانه: «فأمّا الزّيادة فيه فمجمع على بطلانه، وأمّا […]


#المعروف والمشهور في الأوساط الإثني عشريّة إنّ الطّبرسي صاحب تفسير مجمع البيان المتوفّى سنة: “548هـ” يُنكر تحريف القرآن بأيّ معنى من المعاني، وهذا ما صرّح به في مقدّمة تفسيره الّذي قلّد فيه شيخ الطّائفة الإثني عشريّة الطّوسي كثيراً؛ حيث قال هناك وهو يتحدّث عن زيادة القرآن أو نقصانه: «فأمّا الزّيادة فيه فمجمع على بطلانه، وأمّا النّقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامّة أنّ في القرآن تغييراً ونقصاناً، والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه، وهو الّذي نصره المرتضى قده، واستوفى الكلام فيه غاية الاستيفاء في جواب المسائل الطرابلسيّات». [‏مجمع البيان: ج1، ص15، ط صيدا].
#لكنّ ما لا يُشار إليه أيضاً: إنّ الطّبرسي لم يكن في مقدّمته التّفسيريّة سوى مقلّداً لشيخ الطّائفة الطّوسي الّذي لم يكن له خيار في تفسيره غير تقليد أهل السُنّة ومجاراتهم، ومطبّقاً لرؤية المعتزلة في تحريف القرآن والّتي كانت حاكمة على السيّد المرتضى بقوّة أيضاً، ومن هنا يُلاحظ: إنّ الطّبرسي ينسى ما ذكره في مقدّمته التّفسيريّة من نفي التّحريف بأيّ معنى من المعاني وينقل ما يخالف ذلك تماماً بطريقة احترافيّة هادئة؛ وذلك بأن يعمد إلى ادراج روايات تحريف القرآن بطريقة الأقوال في أثناء تفسيره للآيات المذهبيّة المعروفة، وبغية إيضاح ذلك سنستعين بمثال:
#حينما وصل صاحب مجمع البيان إلى تفسير آية المتعة الشّهيرة الّتي يتمسّك بها المذهب الجعفري لشرعنة المتعة وهي قوله تعالى في سورة النّساء : “فما استمتعتم به منهنّ فآتوهنّ أجورهنّ فريضة”، قرّر: إنّ المراد منها هو نكاح المتعة وإنّ ذلك مذهب أصحابنا الإماميّة وهو الواضح من لفظ الاستمتاع والتّمتّع، وهنا بدأت العمليّات المذهبيّة الّتي تهدف إلى نسف ما أشار له في المقدّمة من النّفي القاطع بوقوع النّقيصة في القرآن، فشرع بتمرير القول بالتّحريف على طريقة الأقوال فقال: «وقد روي عن جماعة من الصّحابة منهم أُبي بن كعب وعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود أنّهم قرأوا: “فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فأتوهن أجورهن”»، وأفاد أنّ «في ذلك تصريح بأن المراد به عقد المتعة»، ولم يكتف بذلك، بل نصّ على إيراد الثّعلبي في تفسيره عن حبيب بن أبي ثابت إنّه قال: «أعطاني ابن عباس مصحفاً فقال: هذا على قراءة أُبي [بن كعب]، فرأيت في المصحف: “فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى”، وبإسناده عن أبي نضرة قال: سألت ابن عباس عن المتعة؟ فقال: أ ما تقرأ سورة النّساء؟ فقلت: بلى، فقال: فما تقرأ: “فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمى”؟ قلت: لا أقرؤها هكذا، قال ابن عباس: والله هكذا أنزلها الله تعالى ثلاث مرات. وبإسناده عن سعيد بن جبير أنّه قرأ: “فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمى». [مجمع البيان: ج3، ص32].
#وهنا نسأل الطّبرسي صاحب مجمع البيان: إذا كنتم تذهبون إلى أنّ الصّحيح في مذهبنا هو عدم وجود النّقيصة فضلاً عن الزّيادة في القرآن، فما بالك تُكثر من نقل أقوال تنصّ على وجود النّقيصة فيه أثناء تفسيرك لهذه الآية وغيرها من الآيات المذهبيّة؟! إذا كان غرضك محاججة الطّرف الآخر فقد ذكرت أنّ مشهور أهل السُنّة لا يقولون بالنّقصان على الإطلاق وحصرت ذلك فيمن وصفتهم بحشويّتهم ومن ثمّ فمثل هذا النّقل إن كان لهذا الغرض فلا صحّة له أصلاً، وإذا كان غرضك نصرة مذهبك في المتعة وغيرها فما بالك تقرّر إنّ الصّحيح في مذهبنا عدم النّقيصة فضلاً عن الزّيادة؟!
#اعتقد إنّ المشكلة العميقة لأمثال هؤلاء المفسّرين هي التّقيّة، وإذا ما أردنا أن نُحسن الظّن بهم فهم مقلّدون أشرّ تقليد لشيخ الطّائفة الإثني عشريّة الطّوسي وليس لهم الاطّلاع التّفصيلي والشّامل على تراثهم الرّوائي بالمرّة، أقول ذلك: لأنّ من يراجع تراثنا الرّوائيّ الإثني عشريّ يجد ما يخالف ذلك تماماً، وعلى سبيل المثال:
#روى الكلينيّ المتوفّى سنة: “329هـ” بإسناد معتبر عند جملة منهم، عن ابن أبي عمير، عمن ذكره، عن الصّادق “ع” إنّه قال: «إنما نزلت “فما استمتعتم به منهنّ‏ إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة”». [الكافي: ج5، ص449]، كما نصّ الصّدوق المتوفّى سنة: “381هـ” وهو «وأحلّ رسول الله “ص” المتعة ولم يحرّمها حتّى قُبض، وقرأ ابن عباس: “فما استمتعتم به منهن‏ّ إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة من الله» [ج3، ص459]، وقال شيخ الطّائفة الإثني عشريّة الطّوسي المتوفّى سنة: “460هـ” في كتابه الخلاف: «وفي قراءة ابن مسعود: “فما استمتعتم به منهنّ‏ إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن”، وهذا نصّ»؛ وأفاد الفيض الكاشاني المتوفّى سنة: “1091هـ” وهو يُريد التّعليق وإيضاح رواية الكليني آنفة الذّكر قائلاً: «هذا ممّا رواه العامّة أيضاً عن ابن عباس وابن جبير واُبي بن كعب وابن مسعود و جماعة كثيرة…». [الوافي: ج21، ص336].
#أقول: بعد هذه الحقائق النّاصعة والواضحة والّتي تمّ نقلها عن كلمات مشهور المتقدّمين الإثني عشريّة وجملة من أعلام محقّقيهم المعاصرين فهل يُمكن أن نصدّق بقول من يقول: «المشهور بين أوساط جلّ علماء المسلمين شيعة وسنة: أنّ القرآن لم يتعرّض لأيّ نوع من التّحريف، وأنّ الّذي بين أيدينا هو عين القرآن الّذي نزل على صدر الحبيب محمّد النّبي “ص”، فلا زيادة أو نقصان، حتّى ولو بكلمة واحدة، أو قل بحرف واحد» [تفسير الأمثل: ج8، ص20]؟!
#أعلم إنّ رائحة التّقيّة والعناوين الثّانويّة ومصلحة المذهب تفوح من السّطور الأخيرة أعلاه، ولكن ما ينبغي على أصحابها معرفته هو ما قلناه وصرّحنا به مراراً: لا يمكن الالتزام بالإمامة الإلهيّة الإثني عشريّة وعرضها العريض وفي الوقت نفسه إنكار وقوع تحريف في القرآن ولو بمعنى النّقيصة والتّصحيف فضلاً عن دعوى عدم وجود زيادة أو نقصان فيه ولو بكلمة، وهذا ما عرفه المؤسّسون الإثنا عشريّة وجملة كبيرة من المحقّقين المعاصرين، أمّا الانتقائيّة والتّبعيض فلا محلّ لهما في ساحة العلم، فليُتأمّل كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر
#تحريف_القرآن


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...