الطّاعون بلاء وابتلاء، مذهبيّات عميقة!!

4 مارس 2020
275
ميثاق العسر

#مشكلة أصحابنا المذهبيّين وهم يشاهدون الأوبئة والأمراض المنتشرة في عموم العالم عميقة جدّاً؛ إذ سرعان ما يوظّفونها كانتقام وعذاب للآخرين، ورحمة وابتلاء لهم!! هذه مشكلة لا مخلص منها ما دامت المنطلقات مذهبيّة تضع الإنسانيّة في آخر اهتماماتها فضلاً عن العلم الصّحيح. #وفي سياق البرهنة على هذا المدّعى يحسن بي استعراض النّصوص الّلافتة الّتي كتبها المحدّث […]


#مشكلة أصحابنا المذهبيّين وهم يشاهدون الأوبئة والأمراض المنتشرة في عموم العالم عميقة جدّاً؛ إذ سرعان ما يوظّفونها كانتقام وعذاب للآخرين، ورحمة وابتلاء لهم!! هذه مشكلة لا مخلص منها ما دامت المنطلقات مذهبيّة تضع الإنسانيّة في آخر اهتماماتها فضلاً عن العلم الصّحيح.
#وفي سياق البرهنة على هذا المدّعى يحسن بي استعراض النّصوص الّلافتة الّتي كتبها المحدّث الإثنا عشريّ نعمة الله الجزائريّ المتوفّى سنة: “1112هـ” وهو يتحدّث عن فلسفة الطّاعون الّذي حلّ ببلاد الشّام والعراق وجنوب إيران في وقته حيث قال:
#قد عرفت أنّ الطّاعون عذاب قوم وهم: الكفّار والفسّاق، ورحمة لآخرين وهم: المؤمنون، ولذلك أكثر ما يقع الطّاعون في الشّام وما والاها؛ لأنّ سببه: إن كان الهوى وتغيّره عن حاله، فالشّام أقرب إلى ذلك؛ للطافة هوائها، والهواء الّلطيف يسرع إليه التّعفّن والصّرف عن حاله، وإن قلنا: إنّه الفسوق والفجور، فالشّام أيضاً محلّ هذا، مع ما فيها من مقابر بني أميّة وعظامهم الخبيثة وترابهم النجس، وإنّ أهلها قديماً وحديثاً أعداء أهل البيت “ع”. وأمّا بغداد وكثرة الوباء والطّاعون فيها فلو لم يكن السّبب فيه سوى قبري أبي حنيفة وعبد القادر لكفى فيه…».
#وحينما وصل إلى كربلاء والنّجف صمت صمتاً عجيباً وكأنّ على رأسه الطّير ولم يفلسف لنا سبب حصول الطّاعون فيهما مع أنّ المفترض به أن يذكر أنّ ذلك رحمة لهم ويذكر شواهده على ذلك، لكنّه حينما وصل إلى محلّ ولادته ـ وهو ما يُسمّى قديماً بلاد الجزائر ـ حاول أن يطرح تعليلاً مذهبيّاً عميقاً أيضاً، فقال:
#ومن جملة ما أصابه الوباء والطّاعون هذه السّنة بلاد الجزائر وهي ما بين البصرة وبغداد، وتُسمّى في الأخبار الجزيرة؛ لأنّه يحيط بها دجلة والفرات… وهذه البلاد إلى الآن ما سمعنا وقوع الوباء والطّاعون بها، وهي: مولدي ومحلّ نشوئي، وما يسكنها إلّا شيعة عليّ بن أبي طالب “ع” مع تقلّب الدّول والسّلاطين عليها، والغالب على أهلها العبادة والزّهادة والطّهارة وأكل الحلال من مزارعهم وبساتينهم واجتناب الشّبهات، ومع ذلك فلهم حظّ وافر من الفتوّة والشّجاعة، ولهم وقائع متعدّدة مع عسكر السّلطان وجنود آل عثمان، والغلبة لهم في تلك الوقائع، مع قلّة عددهم بالنّسبة إلى جنود الرّوم، وانقيادهم لعلمائهم وسماع كلامهم ممّا لا يوصف».
#وبعد أن عرض الجزائري لهذا المديح لسكّان تلك المناطق نصّ قائلاً: «ووقوع الطّاعون في مثل هذه البلدان الّتي لم يعهد وقوعه فيها، من الملاحم الّتي وردت الأحاديث بأنّها من جملة علامات ظهور صاحب الأمر “ع”، نسأل الله أن يعجّل لنا ظهوره، وأن يُشرّفنا بحضور ذلك العصر، ويرزقنا الشّهادة فيه؛ إنّه على كلّ شيء قدير». [مسكّن الشّجون، نسخة خطيّة].
#وفي الحقيقة: إنّ هذا الّلون من التّعليلات المذهبيّة المضحكة سائد حتّى اليوم، بل هو ما قامت عليه سيرة المتشرّعة للأسف الشّديد ويحسبون ذلك دليل الإيمان، من غير أن يجعلوا من انتشار الأوبئة في كلّ مكان حتّى في داخل الأضرحة الدّينيّة الرّاسخة دليلاً على بطلان أصل المدّعيات الّتي ادّعوها وافترضوها في هذا الخصوص؛ فها قد مرّ أكثر من ثلاثة قرون على مدّعى الجزائري القائل: إنّ حصول وباء في منطقة الچبايش مثلاً يُعدّ علامة من علامات الظّهور كما يُسمّونها دون أن نشهد ظهوراً ولا غير ذلك، ومع هذا كلّه تبقى الزّعامات الدّينيّة تُلقّن أتباعها بهذه المكرّرات المذهبيّة يوماً بعد يوم، ويبقى العلم الحديث وأوبئة الطّبيعة المفجعة تلقّنهم دروساً أعمق أيضاً، فليُتأمّل كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...