الصّادق “ع” ومهنة طبّ الأبدان!!

16 مارس 2020
169
ميثاق العسر

#روى الكلينيّ المتوفّى سنة: “329هـ”، بإسناده الصّحيح عنده، عن عبد الله بن صالح الخثعمي إنّه قال: «شكوت إلى أبي عبد الله [الصّادق] “ع” وجع الخاصرة. فقال: عليك بما يسقط من الخوان فكله. قال [الخثعمي]: ففعلت ذلك، فذهب عني. قال إبراهيم [وهو من روى الحديث عن الخثعمي]: قد كنت وجدت ذلك في الجانب الأيمن والأيسر، فأخذت […]


#روى الكلينيّ المتوفّى سنة: “329هـ”، بإسناده الصّحيح عنده، عن عبد الله بن صالح الخثعمي إنّه قال: «شكوت إلى أبي عبد الله [الصّادق] “ع” وجع الخاصرة. فقال: عليك بما يسقط من الخوان فكله. قال [الخثعمي]: ففعلت ذلك، فذهب عني. قال إبراهيم [وهو من روى الحديث عن الخثعمي]: قد كنت وجدت ذلك في الجانب الأيمن والأيسر، فأخذت ذلك، فانتفعت به». [الكافي: ج6، ص300، الخوان: المكان الّذي يوضع فوقه الأكل].
كما روى بإسناده الصّحيح عنده أيضاً، عن إبراهيم بن مهزم، عن الكاظم “ع” قوله: «شكا رجل إلى أبي عبد الله [الصّادق] “ع” ما يلقى من وجع الخاصرة، فقال: ما يمنعك من أكل ما يقع من الخوان». [المصدر السّابق نفسه].
#وفي الحقيقة إنّ هذا الّلون من الإرشادات غريب جدّاً؛ إذ ما معنى أن يبادر الصّادق “ع” وهو رجل دين إلى تقديم إرشادات طبيّة خارجة عن دائرة تخصّصه؟! وكان المتوقّع منه “ع” أن يُرشد سائله إلى الطّبيب مباشرة، وفي الوقت نفسه يحثّه ـ وهذه هي الجهة المعنيّ بها ـ على أكل ما سقط من الخوان باعتبار أنّ ذلك من أبرز مصاديق التّواضع وعدم التّبذير وشكر النّعمة مثلاً، ولهذا حينما تذهب إلى مرجع إثني عشريّ معاصر وتشكو له وجع خاصرتك فسوف يبادر فوراً إلى إرشادك إلى أقرب مركز طبّي؛ لأنّه معنيّ بإجابة الأسئلة الدّينيّة وليس له علاقة بتقديم وصفات طبيّة.
#لكنّ المؤسف: أنّ أصحابنا بدل أن يناقشوا هذه النّصوص الوافرة بهذه الطّريقة، ويميّزوا بين الصّادق “ع” كرجل دين، وبين الصّادق “ع” كطبيب، وبدل أن يجعلوا إغفالهم العمليّ لها خير منبّه على خطلها، بدأوا بتوليد تخريجات لتصحيحها انسياقاً مع الغطاء الكلاميّ المذهبيّ الفاسد الّذي غطّوا نصوصه وشخصه به؛ فقالوا: إنّ الدّعاء لا يمنع من العمل بالأسباب الطّبيعيّة، وإنّ الصّادق “ع” لا يُريد من سائليه أن يغفلوا الأسباب الطّبيعيّة والذّهاب إلى الطّبيب، مع أنّ هذه النّصوص صريحة وواضحة في أنّ الصّادق “ع” مارس مهمّة الطبّيب الجسماني، ووصف له العلاج المناسب لذلك دون غيره، ولم تحمل نصوص الصادق “ع” إرشاداً إلى الطّبيب بقدر ما حصرت العلاج في أمثال هذه التّوصيات والزّيارات والأدعية وأكل الطّين وما سقط من الخوان وما شابه ذلك؛ لذا فمحاولة الهروب إلى الأمام وإعادة التّموضع مفضوحة وغير مجدية ما لم نذهب إلى ذلك الأساس الكلاميّ المذهبيّ الفاسد فنعرّيه، فليُتأمل كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...