الصّادق “ع” وتجويزه المفضي لفجائع!!

6 سبتمبر 2020
58
ميثاق العسر

#من المسلّمات الدّينيّة والمذهبيّة المعروفة: عدم جواز التّصرّف بمال الآخر إلّا بإذنه، ومن المسلّمات الإسلاميّة أيضاً: أنّ شراء المرأة للمملوكة يعني دخولها في ملكيّتها التّامّة الّتي لا تسمح بأيّ نوع من أنواع التّصرّفات فيها ـ بما في ذلك منفعة البضع ـ إلّا بإذنها، ولهذا قال القرآن: “فانكحوهنّ بإذن أهلهنّ”، لكنّ المروي عن الصّادق “ع” صحيحاً […]


#من المسلّمات الدّينيّة والمذهبيّة المعروفة: عدم جواز التّصرّف بمال الآخر إلّا بإذنه، ومن المسلّمات الإسلاميّة أيضاً: أنّ شراء المرأة للمملوكة يعني دخولها في ملكيّتها التّامّة الّتي لا تسمح بأيّ نوع من أنواع التّصرّفات فيها ـ بما في ذلك منفعة البضع ـ إلّا بإذنها، ولهذا قال القرآن: “فانكحوهنّ بإذن أهلهنّ”، لكنّ المروي عن الصّادق “ع” صحيحاً ومعتبراً عند أصحابنا خلاف ذلك؛ حيث أفتى بجواز التمتّع بمملوكة المرأة دون إذنها، بخلاف مملوكة الرّجل الّتي يُشترط إذنه في جوازه، وإليك تفصيل ذلك:
#النصّ الأول: روى الكليني المتوفّى سنة: “329هـ” بإسناده الصّحيح عنده وعند غيره، عن سيف بن عميرة، عن الصّادق “ع” قوله: «لا بأس بأن يتمتّع الرّجل بأمة المرأة، فأمّا أمة الرّجل فلا يتمتّع بها إلّا بأمره». [الكافي: ج5، ص464].
#النصّ الثّاني: روى شيخ الطّائفة الاثني عشريّة الطّوسي المتوفّى سنة: “460هـ” بإسناده الصّحيح عنده، عن عليّ بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن علي بن المغيرة، إنّه سأل الصّادق “ع”: «عن الرّجل يتمتّع بأمة امرأة بغير إذنها؟ قال: لا بأس به». [تهذيب الأحكام: ج7، ص257].
#النصّ الثّالث: روى الطّوسي أيضاً، بإسناده الصّحيح عنده وعند غيره، عن عليّ بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن داود بن فرقد، إنّه سأل الصّادق “ع” «عن الرجل يتزوج بأمة بغير إذن مواليها؟ فقال: إن كانت لامرأة فنعم، وإن كانت لرجل فلا». [المصدر السّابق: ص258].
#وبعد هذا الاستعراض للنّصوص الواردة عن الصّادق “ع” في المقام يحسن بنا أن نعطف الحديث إلى طريقة تعامل أصحابنا الاثني عشرية معها، وسنضع ذلك في نقاط:
#الأوّلى: أفتى شيخ الطّائفة الاثني عشريّة الطّوسي في تهذيب الأحكام والاستبصار والنّهاية بجواز التّمتّع بأمة المرأة دون إذنها استناداً إلى هذه الأخبار، ورأى أن لا تنافي بينها وبين الأخبار الّتي قد يُستظهر منها عدم جواز ذلك، قائلاً: «لأنّ هذه الأخبار الأصل فيها واحد وهو سيف بن عميرة، فتارة يرويه عن علي بن المغيرة عن أبي عبد الله “ع”، وتارة عن داود بن فرقد، وتارة عن أبي عبد الله “ع” بلا واسطة، ومع ذلك فالأخبار الأوّلة مطابقة لقول الله تعالى: فانكحوهن بإذن أهلهن، وذلك عامّ في النّساء والرّجال، وهذه الأخبار مخالفة لذلك، فينبغي أن يكون العمل بها أولى، ويمكن مع تسليمها أن نخصّ الأخبار الأوّلة بهذه الأخبار، فنحمل هذه الأخبار على جواز ذلك في عقد المتعة دون الدوام، والأخبار الأوّلة نخصّها بذلك؛ لئلا تتناقض الأخبار». [الاستبصار: ج3، ص270ـ271، تحقيق: الغفّاري، تهذيب الأحكام، المصدر السّابق نفسه؛ النّهاية في مجرّد الفقه والفتاوى: ص490، ط دار الكتاب العربي].
#الثّانية: بعد أن نصّ ابن إدريس الحلّي المتوفّى سنة: “598هـ” على أنّ الطّوسي قد ذهب في كتابه النّهاية إلى جواز متعة الرّجل من مملوكة المرأة من غير استئذان اعتماداً على رواية سيف بن عمرة، حكى رجوعه عن ذلك في جواب المسائل الحائريّات واعتمد على الآية، وأردف ابن إدريس بعدها قائلاً: «وهذا هو الصّحيح الحقّ اليقين؛ لأنّه لا يجوز العدول عن كتاب الله تعالى بأخبار الآحاد، وأيضاً فالتصرّف في ملك الغير قبيح عقلاً وسمعا إلاّ بإذنه». [السّرائر: ج2، ص595]، وقد عرفت في التّعليق الأوّل: أنّ الطّوسي كان قد اختار هذا الرّأي لا في كتابه النّهاية فقط، بل ذكره ودافع عنه صناعيّاً في التّهذيب والاستبصار، وبالتّالي: فما ذكره ابن إدريس من بيانات غير سديد.
#الثّالثة: حكى ابن إدريس نفسه عن رئيس الطّائفة الاثني عشريّة المفيد المتوفّى سنة: “413هـ”، إنّه سُئل «عن الرجل يتمتّع بجارية غيره بغير علم منه، هل يجوز له ذلك أم لا؟فأجاب: لا يجوز له ذلك، وإن فعله كان عاصياً آثماً، ووجب عليه بذلك الحدّ، وقد ظنّ قوم لا بصيرة لهم ممن يعتزّى إلى الشّيعة، ويميل إلى الإماميّة، أنّ ذلك جائز بحديث رووه: “ولا بأس أن يستمتّع الرّجل من جارية امرأة بغير إذنها”، وهذا حديث شاذ، والوجه: أنّه يطؤها بعد العقد عليها بغير إذنها، من غير أن يستأذنها في الوطء، لموضع الاستبراء لها، فأمّا جارية الرّجل فلم يأت فيه حديث، ومن جوّزه فقد خالف حكم الشّرع، وفارق الحقّ، وقال ما يردّه عليه كافّة العلماء، ويضلّله جماعة الفقهاء». [السّرائر، المصدر السّابق نفسه]، وقد عرفت موقف شيخ الطّائفة الطّوسي من هذا الكلام، وتأويل المفيد له لا شاهد عليه، بل هو ردّ لنصّ الخبر أيضاً.
#الرّابعة: نصّ الشّهيد الأوّل المستشهد سنة: “768هـ” بعد تشديده النّكير على مناقشي هذه الرّواية ومسقطيها قائلاً: «اعلم أنّه لامعارض‌ لهذه الرواية‌ في الحقيقة إلّا الدليل العقليّ الدالّ‌ على تحريم التصرّف‌ في مال‌ الغير بدون‌ إذنه، ولكن الأحكام الشرعيّة‌ أخرجت كثيراً من الأصول‌ العقليّة عن الدلالة، كجواز أخذ مال الممتنع عن الأداء مقاصّة بشروطه بغير إذنه، وجواز أكل المارّ على النّخل والشّجر على المشهور ونحو ذلك، فحينئذ لا يمتنع جواز مثل هذه المسألة من غير إذن المرأة، إمّا لعلّة خفيّة لا نعلمها، أو لما يلحق الأمة من المشقّة بترك الوطء عند المرأة الّذي هو إضرار، ولا يزول إلّا بالوطء، ولا سبيل إلى الزّنى ولا إلى العقد الدّائم؛ لما فيه من شدّة السّلطة والإضرار بمولاتها مع إمكان زوال الضّرر بدونه، فتعيّن جواز عقد المتعة». [غاية المراد في شرح الإرشاد: ج3، ص57، ط مركز الأبحاث والدّراسات الإسلاميّة].
#الخامسة: علّق الشهيد الثّاني المستشهد سنة: “966هـ” على الرّواية محلّ البحث بعد أن حكم بصحّتها سنداً بقوله: «وهذه الرواية ـ مع مخالفتها لأصول المذهب، ولظاهر القرآن ـ مضطربة السند؛ فإنّ سيف بن عميرة تارة يرويها عن الصادق “ع”بغير واسطة، وتارة بواسطة علي بن المغيرة، وتارة بواسطة داود بن فرقد، واضطراب السّند يضعّف الرواية إن كانت صحيحة فكيف بمثل هذه الرواية؟!». [مسالك الأفهام: ج7، ص174]، وقد تنظّر سبطه المتوفّى سنة: “1009هـ” في كلامه الّذي وصف الرّواية بالاضطراب استناداً إلى الاختلاف الواقع في سندها فراجع. [نهاية المرام في شرح مختصر شرائع الإسلام: ج1، ص87].
#السّادسة: قال شيخ المحدّثين الاثني عشريّة المجلسي المتوفّى سنة: “1110هـ” في مرآة العقول بعد وصفه لأحد الأخبار محلّ البحث بالصحّة: «ويدلّ على جواز التّمتع بأمة المرأة بغير إذنها، وعمل به الشّيخ [الطّوسي] في النّهاية وجماعة، والمشهور عدم الجواز لمخالفته لظاهر الآية، حيث قال تعالى: “فانكحوهن بإذن أهلهن”، والأخبار الكثيرة، مع أنّ الأصل في الأخبار الواردة بذلك واحد، وهو سيف بن عميرة ويمكن حمله على التّمتع الّلغوي، ويكون المراد عدم الاستبراء». [مرآة العقول: ج20، ص252]، وقد عرفت من المناقشات السّابقة ما يرد على هذه التأويلات من ملاحظات.
#السّابعة: بعد أن أوضح صاحب الحدائق المتوفّى سنة: “1186هـ” سيرة الأصحاب القائمة على تخصيص الآيات بالأخبار في مواطن كثيرة وتقييدهم إيّاها بتلك القواعد المتّفق عليها بينهم وأنّ الكلام في المقام ليكن من هذا القبيل أيضاً، حكى عن بعض المشايخ المحقّقين من متأخّري المتأخّرين تأويلاً لهذه النّصوص يتعكّز على أنّ الإذن العادي المفيد للعلم بالقرائن دون الصّريح كافٍ في المقام وهذه النّصوص ناظرة إليه في تسويغها، وهذا الإذن يترشّح من سيرة عمليّة كانت لدى نساء تلك الفترة الّلاتي يقتنين الإماء؛ وذلك لأنّ نساء ذلك الوقت كنّ يتّخذن الإماء يمتهنّ المتعة للانتفاع بأجورهنّ، وهذه العادة المستقرّة كافية في إفادة العلم بإذنهنّ، ولا حاجة للإذن الصّريح، لكنّ صاحب الحدائق رغم استحسانه الاستدلال بهذه السّيرة المدّعاة لإثبات الإذن، إلّا أنّه أفاد بأنّ عهدة إثبات مثل هذه السّيرة على مدّعيها، ولم يجد من ذكرها غيره ولا دليلاً يدلّ عليها. [الحدائق النّاضرة: ج23، ص281ـ282، ط جامعة المدرّسين].
#الثّامنة: على طريقته المعروفة في التّأويل وإخفاء الحقائق دون تقديم دليل واضح نصّ صاحب الجواهر المتوفّى سنة: “1266هـ” على ضرورة عدم الالتفات إلى مثل هذه النّصوص، وعدّها من القسم الّذي أُمرنا بطرحه والإعراض عنه، بل ترقّى في بياناته محتملاً أن تكون هذه النّصوص «ممّا دُسّ في كتب الشّيعة لإرادة إفساد مذهبهم»، واستغرب من إطناب بعض النّاس على حدّ تعبيره فيها، وأغرب منه ميله إلى القول بمضمونها، وفسّر ذلك بالآفة الّتي نعوذ بالله منها، «ولو أنّ مثل هذه الأخبار تزلزل ما استقر عليه المذهب ممّا كان مثل ذلك لم يبق شيء منه مستقر، وقد قال الله تعالى: إنّا نحن نزّلنا الذّكر وإنّا له لحافظون، فلا بد من إذنها حينئذ». [جواهر الكلام: ج29، ص215ـ216]، ولا يخفى أنّ هذا الكلام أقرب للشّعر منه إلى غير ذلك، خصوصاً بعد ما عرفت كلمات الفقهاء المتقدّمين فيه.
#التّاسعة: رجّح المرحوم مرتضى الأنصاري المتوفّى سنة: “1281هـ” جواز التمّتع بأمة المرأة دون إذنها، وقرّر على طريقته المعروفة في المناقشة بداية أنّ ذلك ناتج من «بعض الأخبار الصّحيحة الغير المقاومة للأدلّة العقليّة والنّقلية ، وبعض الاعتبارات، مثل: أنّ‌ أمة المرأة محرومة عن الوطء، وربّما لم تأذن لها مولاتها في التزوّج، فجعلها الشارع في هذا الأمر بخصوصه مستقلّة غير محجورة، ولا يلزم من ذلك منافاة للعقل والنقل إلاّ بملاحظة أدلّة الحجر على المملوكة، وأنّ‌ نفسها ومنافعها وبضعها مال المولى ، ولا يبعد تخصيص تلك الأدلّة بالصّحيحة الواردة في الباب». [كتاب النّكاح: ص180].
#وأخيراً وبعد أن عرفت الموقف الرّسمي للفقهاء الاثني عشريّة من هذه النّصوص الرّوائيّة وترجيح كبارهم لها نسأل: ماذا يعني أن يجوّز الصّادق “ع” مثل هذا الحكم المخالف للقرآن والقواعد الصّحيحة عندهم؟!
#والجواب: أمّا أن ترفض الإفتاء بهذه النّصوص وتئوّلها تأويلاً تعسّفيّاً شديداً وتتنكّر لقواعدك وأساساتك المذهبيّة، وإمّا أن تقبلها وتفتي بموجبها أيضاً وترضخ لقواعدك وأساساتك المذهبيّة، ولكن: القائل بالقول الأخير سيؤمن بوضوح أنّ هذا الحكم لعلّة خافيّة علينا، أو يبتدع وجوهاً تأويليّة حتّى لو كانت غريبة كما رأينا في سبيل تبريرها، وعلينا الصّمت وعدم الاعتراض، ولكن ماذا عن القائل بالقول الأوّل، فهل يكفي منه عدم الإفتاء على أساسها ورميها بالشّذوذ السّندي، أم عليه أن يُراجع المقولات الكلاميّة البعديّة الفاسدة الّتي طوّق بها صاحبها ونصوصه ليعيد النّظر فيها؟! أعرف أنّ مثل هذه الخطوة متعذّرة ومتعسّرة في الوقت الحاضر حتّى على مستوى التّصوّر، ولكن مسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة، فتأمّل كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر
#العصمة_العلميّة


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...