الصّادق “ع”: الإخصاب من الخصية اليسرى فقط!!

2 مارس 2020
319
ميثاق العسر

#من الواضح والمسلّم به طبيّاً: إنّ البيضتين المعروفتين عند الرّجل تمارسان الدّور نفسه في توليد الملايين من الحيوانات المنويّة، ولا تفرق يسراها عن يُمناها من حيث الإخصاب البتّة، هذه مسلّمة طبيّة يعرفها المختصّون، لكنّ المفارقة: أنّ الصّادق “ع” على ما روى عنه أصحابنا صحيحاً عندهم يحدّثنا عمّا يُغاير ذلك؛ حيث سأله عبد الله بن سنان […]


#من الواضح والمسلّم به طبيّاً: إنّ البيضتين المعروفتين عند الرّجل تمارسان الدّور نفسه في توليد الملايين من الحيوانات المنويّة، ولا تفرق يسراها عن يُمناها من حيث الإخصاب البتّة، هذه مسلّمة طبيّة يعرفها المختصّون، لكنّ المفارقة: أنّ الصّادق “ع” على ما روى عنه أصحابنا صحيحاً عندهم يحدّثنا عمّا يُغاير ذلك؛ حيث سأله عبد الله بن سنان عن مقدار ديّة «رجل ذهبت إحدى بيضتيه»، فأجابه قائلاً: «إن كان اليسار ففيها ثلثا الدّية»، فقال له: ولِمَ؟! أ ليس قلت: ما كان في الجسد منه إثنان ففيه نصف الدّية؟!»، فأجابه قائلاً: «الولد من البيضة اليسرى» [تهذيب الأحكام: ج10، ص250؛ الكافي:ج7، ص315].
#كما أكّد الصّادق “ع” هذا المعنى في رواية أخرى صحيحة عند المرحوم الصّدوق ومرفوعة عند غيره، حيث قال: «الولد يكون من البيضة اليسرى، فإذا قُطعت ففيها ثلثا الدّية، وفي اليمنى ثلث الدّية». [من لا يحضره الفقيه: ج4 ،ص152].
#وحينما جاء الفقهاء الإثنا عشريّة إلى مقام الإفتاء ذهب جملة منهم إلى ذلك بل ادّعى شيخ الطّائفة الإثني عشريّة الطّوسي المتوفّى سنة: “460هـ” الإجماع على ذلك أيضاً في بعض مصنّفاته [الخلاف: ج5، ص259]، ولهذا نصّ المرحوم اليزدي المتوفّى سنة: “1337هـ”: في العروة الوثقى: «في الخصيتين الدّية كاملة، وفي قطع اليسرى ثلثا الدية، وفي اليمنى ثلث الدية لو قطعت أيّ منهما منفردة»، وقالوا: إنّ هذا لا يُعارضه ما روي عن عليّ “ع” من التّنصيص على أنّ في خصية الرّجل خمسمائة درهم، لأنّ الثّابت عندهم في علم أصول الفقه: إنّ الرّواية المعلّلة مقدّمة على غيرها.
#لكن مشهور الفقهاء الإثني عشريّة استشكلوا في ذلك، وقالوا: بالتّنصيف من دون فرق بين اليسرى واليمنى، ولهذا قال المرحوم الخوئي المتوفّى سنة: “1413هـ” في رسالته العمليّة منهاج الصّالحين: «في قطع الخصيتين الدّية كاملة، وقيل: في قطع اليسرى ثلثا الدّية، وفي اليمنى ثلث الدّية، وفيه إشكال، والأظهر ما هو المشهور من التّساوي». [منهاج الصّالحين]؛ وذلك لأنّه ادّعى المعارضة بين نصوص فرضيّة أنّ الإخصاب من اليسرى وبالتّالي فلها ثلثا الدّيّة، وبين ما يقرّر خلاف ذلك، «وبعد المعارضة وعدم الترجيح فالمرجع هو العمومات المتقدّمة الدالّة على أنّ كلّ ما في الإنسان منه إثنان ففيهما الدّية وفي أحدهما نصف الدية»، وأردف ذلك بقوله: «إنّ التّعليل المذكور في ذيل صحيحة عبد الله بن سنان على ما نقل من الأطبّاء غير مطابق للواقع». [مباني تكملة المنهاج، موسوعة الخوئي: ج42، ص390 ].
#أقول: لا يهمّنا كثيراً الحكم الفقهيّ لمثل هذه الفرضيّة وإن كنّا نؤمن بالتّساوي جزماً، ولا يهمّنا تحييث الفقهاء الإثني عشريّة لهذه النّصوص وقتل الحيثيّة الكلاميّة الأوضح فيها من خلال إجراء مناورة صناعيّة مؤسفة، ولكنّ من حقّنا أن نعلّق: أ ليس من الصّحيح أن تُجعل أمثال هذه النّصوص ـ وهي وافرة وكثيرة في عموم الأبواب الفقهيّة تقريباً ـ خير منبّه على بطلان مقولة الإمامة الإلهيّة الإثني عشريّة وعصمة أصحابها المعروفين من دون الحاجة لإجراء فلاتر كلاميّة وأصوليّة مذهبيّة متولّدة من ذات نصوص من تُدّعى هذه المواصفات لهم لا غير؟!
#أ ليس هذا أولى من أن يأتي شخص ويُعمي عينه وبصره وعقله ويقول: حتّى لو ثبت علميّاً خلاف ذلك فإنّي أؤمن بما يقوله أئمّتي؛ وما أقوم به هو المصداق الأتمّ للإيمان والولاء، وتبّاً للمستحيل؟!
#المؤسف أنّ الطّريقة الثّانية هي المتداولة في واقعنا الإثني عشريّ قديماً وحديثاً، ولهذا نصّ الشّهيد الأوّل المستشهد سنة: “786هـ” قائلاً: «قد تضمّنت هذه الأخبار أنّ الولد يكون من اليسرى، وربما أنكره بعض الأطبّاء، ونسبه الجاحظ في كتاب الحيوان إلى العامّة، ولا عبرة بذلك مع صحّة النقل عن المعصومين “ع” الّذين هم أعرف [!!]». [غاية المراد في شرح نكت الإرشاد: ج4، ص541].
#وأضاف المرحوم الأردبيلي المتوفّى سنة: “933هـ” وجهاً للجمع بين ما ورد في رواياتهم وما نُقل عن الأطبّاء قائلاً: «ويمكن أن يكون ذلك أكثريّاً كما في أكثر علل الشّرع ونكت أحكامه، فلا منافاة بين كلامهم وكلام الأطبّاء [!!!]». [مجمع الفائدة والبرهان: ج14، ص415].
#وفي الحقيقة: إنّ الأئمّة “ع” بعرضهم العريض ليسوا من أهل الاختصاص في الميدان الطّبيّ البتّة، وعليهم أن يرجعوا إلى أهل الاختصاص في هذا الشّأن لاستقاء معلوماتهم كما هو شأن الفقهاء الّلاحقين لهم بل والمعاصرين لهم أيضاً، ومع ثبوت خطأ ما قرّروه طبّياً فسيكون الحكم الّذي رتّبوه خاطئاً كذلك، وهذا ما تنبّه له مشهور الفقهاء الإثني عشريّة، لكنّهم لم يُسوّقوا هذا الأمر بهذا الوضوح والصّراحة الّتي بيّناها، وإنّما حاولوا الالتفات عليه من خلال إسقاط هذه النّصوص الصّحيحة والمعتبرة بمقاييسهم من خلال نصوص أخرى صادرة من إمام متقدّم أيضاً، من دون أن يجعلوا ذلك خير منبّه لضرورة إعادة النّظر في قبليّاتهم الكلاميّة الأصوليّة المذهبيّة، وأنت بالخيار: أن تكون من هذا الصّنف أو تفكّر بطريقة عقلانيّة مختلفة، فتأمّل كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...