السّيرة الذّاتيّة لكتاب دلائل الإمامة ومؤلّفه الوهميّ!! الحلقة الأولى

12 سبتمبر 2018
37
ميثاق العسر

#ثمّة طبريان معروفان مشهوران في مصادرنا الرّجاليّة الإثني عشريّة ـ وأتمنّى التّركيز على جميع هذه القيود ـ يشتركان في الاسم واسم الأب والّلقب لكنّهما يختلفان في اسم الجدّ، الأوّل هو: محمّد بن جرير بن يزيد الطّبريّ “224ـ310 هـ” المؤرّخ والمفسّر السّنّي الشّهير الّذي يُعرف من خلال تاريخه وتفسيره الّذي نقل عنه شيخ الطّائفة الإثني عشريّة […]


#ثمّة طبريان معروفان مشهوران في مصادرنا الرّجاليّة الإثني عشريّة ـ وأتمنّى التّركيز على جميع هذه القيود ـ يشتركان في الاسم واسم الأب والّلقب لكنّهما يختلفان في اسم الجدّ، الأوّل هو: محمّد بن جرير بن يزيد الطّبريّ “224ـ310 هـ” المؤرّخ والمفسّر السّنّي الشّهير الّذي يُعرف من خلال تاريخه وتفسيره الّذي نقل عنه شيخ الطّائفة الإثني عشريّة الطّوسي كثيراً بعنوان “قال” أبو جعفر” فأوهم الّلاحقين، والثّاني هو: محمد بن جرير بن رستم الطبري الآملي‏، المكنّى بأبي جعفر أيضاً، والّذي ترجمه النّجاشي المتوفّى كما هو المشهور في سنة: “450هـ” بقوله: «جليل، من أصحابنا، كثير العلم، حسن الكلام، ثقة في الحديث، له كتاب: المسترشد في الإمامة…»، وقد نقل الذّهبي قولاً لعبد العزيز الكتّاني ادرجه في ترجمة الأخير جاء فيه: «هو من الرّوافض، صنّف كتباً كثيرة في ضلالتهم، له كتاب: الرّواة عن أهل البيت، وكتاب المسترشد في الإمامة». [سير أعلام النّبلاء: ج14، ص282].
#ولم تكن هناك أيّ مشكلة في تلك الأعصار بعد التّنصيص على هذه الخصائص المميّزة لكلّ واحد منهما، ومعرفة مصنّفاتهم ومناهجهم وأصول مذاهبهم أيضاً، لكن المشكلة العويصة بدأت حينما أورد السيّد عليّ بن طاووس المتوفّى سنة: “664هـ” في جملة من تراثه نصوصاً روائيّة مدّعياً إسنادها إلى كتاب سمّاه بـ “الدّلائل” أو “دلائل الأئمّة” أو “دلائل الإمامة” ناسباً إيّاه إلى الطّبريّ الإمامي آنف الذّكر؛ غير أنّ من يراجع أسانيد بعض هذه النّصوص الرّوائيّة الّتي ينسبها ابن طاووس إلى ابن رستم الطّبريّ يلاحظ عدم انسجامها مع لحظته الزّمانيّة؛ إذ هو متقدّم على النّجاشي والطّوسي بطبقتين حسب روايتهما، مع إنّ هذه النّصوص المنقولة تكشف عن معاصرته لهما بل واستفادته من بعض مشايخهما أيضاً، وهنا يتعقّد المشهد وتعتّم الرّؤية!!
#ولكن التّعقيد والعتمة لم يتوقّف إلى هذا الحدّ، بل ذهب إلى مسافات بعيدة جدّاً؛ وذلك حينما ضاعت النّسخة الّتي نقل منها ابن طاووس مرويّاته، ولم تصل إلى أحد ممّن جاء بعده حتّى لحظة ازدهار الدّولة الصّفويّة في القرن الحادي عشر، فعثر شيخ المحدّثين الإثني عشريّة المجلسي المتوفّى سنة: “1111هـ” وكذا السيّد هاشم التّوبلي البحراني المتوفّى سنة: “1107هـ” على نسخة ناقصة من هذا الكتاب تبدأ من بعض القسم المخصّص لفاطمة بنت محمّد “ع”، فنسبوا الكتاب إلى الطّبريّ الشّيعي أيضاً، وأرسلوا ذلك إرسال المسلّمات، بل أكثر الأخير في نقله من هذا الكتاب في كتابه “مدينة المعاجز”، وسمّاه باسماء مختلفة من قبيل: كتاب الإمامة، أو مسند فاطمة، أو مناقب فاطمة.
#ويبدو لي إنّ هذه النّسخة النّاقصة قد ضاعت أيضاً أو لم تلق اهتماماً في تراث من لحق معاصري تلك المرحلة حتّى تمّ اكتشافها مرّة أخرى ناقصة أيضاً في أيّام خاتمة المحدّثين النّوري المتوفّى سنة: “1320هـ” وسنعرض لتفاصيل ذلك لاحقاً.
#وبغية أن نضع يد القارئ الكريم على السجلّ التّام للسّيرة الذّاتيّة لنسخ كتاب “دلائل الإمامة” المتداول بيننا اليوم سنترك المجال لشيخ الببلوغرافيا الإثني عشريّة المعاصر أعني تلميذ المحدّث النّوري المبرَّز المعروف بـ: “اغا برزك الطّهراني” ليحدّثنا عن عدد النّسخ الواصلة إلى أعصارنا وتاريخ كتابتها أيضاً، وسنعطف الكلام بعد ذلك لإكمال الحديث عن الطّبعات الحروفيّة لهذا الكتاب وما هي النّسخ الّتي اعتمدت عليها بل وطبيعة العمل المنجز فيها.
#نصّ الطّهراني في كتابه الذّريعة على وجود نسختين لهذا الكتاب فقط:
#الأولى: هي النّسخة الموجودة في الخزانة الغرويّة في النّجف، والمكتوبة عام: “1092هـ” في قطع رحلي ضمن مجموعة رسائل، ويبدو إنّ الطّهراني لم يرها مباشرة وإنّما رآها كمصدر من مصادر الجزء الثّالث من كتاب “وقائع الأيّام” الفارسي للمرحوم ملا علي الواعظ عبد الرّحيم الخياباني والّذي طُبع حجريّاً في عام: “1351هـ” [وقائع الأيّام الحجري: ص649]، فراسل الطّهراني صاحب الوقائع وطلب منه تفاصيل هذه النّسخة فأرسل له فهرستها مفصّلاً. [الذّريعة: ج8، ص246].
#والثّانية: هي النّسخة الّتي توجد في المكتبة الرّضويّة في مدينة مشهد الإيرانيّة، وتاريخ كتابتها يعود إلى عام: “1262هـ”، وقد اعتمد الطّهراني في طرح هذه المعلومة على الكتاب المخصّص لجرد تفاصيل المخطوطات في هذه المكتبة أيضاً.
ومن الواضح: إنّ عمر كلا هاتين النّسختين لا يتجاوز الثّلاثة قرون ونصف تقريباً، ومن البيّن أيضاً إنّ هذه النّسخ لا قيمة علميّة لها على الإطلاق؛ إذ لم تُرفق لا بأسانيد ولا بإجازات ولا يوجد أيّ دليل يورث الاطمئنان على اتّصالها بمصنّفها الأصلي بل ولا دليل على تطابقها مع النّسخة المفترضة الوصول إلى السيّد عليّ بن طاووس أيضاً.
#ولكن من حقّك أن تسأل: كيف تحوّلت هاتان النّسختان النّاقصتان وغير معلومتي الانتساب إلى مؤلّفها بل ولم تحدّد شخصيّته بشكل حاسم حتّى الّلحظة إلى مصدرٍ راسخٍ ومستحكمٍ ومعتبرٍ في الواقع الشّيعيّ الإثني عشريّ المعاصر حتّى وصل الحال بالمطبعة الحيدريّة في النّجف أيّام ما كانت تحفل بالفقهاء والمراجع والمحقّقين الكبار أن تطبع الكتاب لأوّل مرّة اعتماداً على النّسخة الثّانية الواصلة منه وتكذب كذباً بواحاً في مقدّمتها التّجارية الّتي صدّرتها باسم مجهول لتقول: إنّ هذا الكتاب «لم يزل مصدراً من مصادر الشّيعة في الإمامة والحديث، تركن إليه وتعتمد عليه في أجيالها المتعاقبة منذ تأليفه إلى وقتنا الحاضر[!!]» [دلائل الإمامة، ط1، النّجف: المقدّمة]، وهل يوجد كذب وجهل وتغرير أكثر من هذه السّطور؟! [يُتبع].
#ميثاق_العسر
#مصادر_التّخريف_المنبري


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...