السّيرة الذّاتيّة لكتاب دلائل الإمامة ومؤلّفه الوهميّ!! الحلقة الخامسة

13 سبتمبر 2018
125
ميثاق العسر

#لعلّ أهمّ دليل استند إليه الأعلام الإثنا عشريّة في نسبة الكتاب الّذي يُصطلح عليه بـ “دلائل الإمامة” إلى محمّد بن جرير بن رستم الطّبري وافترضوا اختلافه عن محمّد بن جرير بن رستم الطّبريّ المعبّر عنه بالكبير هو: نسبة السيّد ابن طاووس المتوفّى سنة: “664هـ” له، إذ أفادوا إنّ طريق إثبات جملة من الكتب المفقودة يمرّ […]


#لعلّ أهمّ دليل استند إليه الأعلام الإثنا عشريّة في نسبة الكتاب الّذي يُصطلح عليه بـ “دلائل الإمامة” إلى محمّد بن جرير بن رستم الطّبري وافترضوا اختلافه عن محمّد بن جرير بن رستم الطّبريّ المعبّر عنه بالكبير هو: نسبة السيّد ابن طاووس المتوفّى سنة: “664هـ” له، إذ أفادوا إنّ طريق إثبات جملة من الكتب المفقودة يمرّ من خلال «وجود مضامينها في تصانيف ابن طاووس خريّت صناعة معرفة الكتب». [الذّريعة: ج8، ص247].
#ولكنّنا حتّى لو سلّمنا بوجود طريق معتبر لدى ابن طاووس إلى مؤلّف الكتاب محلّ البحث ـ ولا نسلّم بذلك لعدم ذكر ابن طاووس له ـ إلّا إنّ هذا لا يحتّم علينا الإيمان بوصول نسخة معتبرة من هذا الكتاب إليه خصوصاً وإنّ معظم الطّرق والإجازات الصّادرة من الفقهاء والمحدّثين بعد مرحلة الطّوسي خالية من المناولة، بل الأدلّة والشّواهد فيما نحن فيه تشير إلى خلاف ذلك تماماً؛ وذلك لخلوّ المصنَّفات الّتي تقدّمت على ابن طاووس عن ذكر اسم أو رسم لهذا الكتاب بالمطلق فضلاً عن مؤلّفه الحقيقيّ، فكيف يمكن أن نصدّق باعتبار نسخة الكتاب الواصلة أو الّتي أشار لها ابن طاووس مثلاً؟! ولو تنزّلنا عن جميع ذلك: فكيف يمكن أن نصدّق باعتبار النّسخة النّاقصة الّتي وصلت إلى أمثال المجلسي والتّوبلي البحراني وأضرابهم مثلاً؟! ولو قبلنا هذا من باب المزاح فكيف يمكن أن نقبل باعتبار النّسخة الواصلة إلى المحدّث النّوري الّذي كان بنفسه غير واثق منها ويعدّها خلاصة من الكتاب الأصليّ كما وثّقنا لذلك سلفاً؟!
لكن من حقّك أن تعترض وتقول: هل كان ابن طاووس خبيراً في نسبته هذا الكتاب إلى ابن جرير الطّبريّ الشّيعي الّذي هو في طبقة الطّبريّ السُنّي ليكون قوله حجّة في هذا المجال ويجعلنا نفتّش عن تفسير معقول للتّناقض الموجود في أسانيد هذه النّسخة فنذهب صوب افتراض طبريّ شيعيّ آخر متأخّر عن طبقة هذين الطّبريّين بغية الحفاظ على نسبة ابن طاووس، أمّ إنّه كان متساهلاً في البين أو وقع ـ في أحسن الأحوال ـ ضحيّة مآرب غيره؟!
#والجواب: حينما نراجع إرجاعات ابن طاووس إلى هذا الكتاب نراها متساهلة لا يمكن أن تصدر من خبير في الأسانيد دون أن يسجّل ملاحظة عليها، فمثلاً: بعد أن نقل ابن طاووس رواية ادّعى وجودها في كتاب “دلائل الإمامة” ناصّاً على رواية أبي جعفر الطّبريّ لها عن محمّد بن يعقوب الكليني موظّفاً مفردة “حدّثنا”، أورد بعدها مباشرة رواية لأبي جعفر الطّبريّ عن محمّد بن هارون بن موسى التّلعكبري وبمفردة “حدّثنا” أيضاً [فرج المهموم: ص245]، ومن الواضح إنّ أيّ دارس متواضع في الأسانيد والطّبقات يعرف إنّ من يروي عن محمّد بن يعقوب الكليني مباشرة لا يمكن أن يروي عن محمّد بن هارون بن موسى التّلعكبري في نفس الوقت؛ وذلك لأنّ الكليني متوفّى سنة: “329هـ”، بينما محمّد بن هارون بن موسى التّلعكبري متوفّى سنة: “387هـ”.
#وحينما نرجع إلى النّسخ المطبوعة من هذا الكتاب سواء أ كانت النّجفيّة أم القميّة نجد إنّ ما هو موجود فيها لا يدلّ على رواية مصنّف هذا الكتاب المفترض عن محمّد بن يعقوب الكليني مباشرة، بل أضيف إلى مطلع الرّواية مفردة: “وعنه”، والظّاهر إنّه ـ بقرينة معظم الرّوايات الّتي قبلها ـ أبو المفضّل الشّيباني، بمعنى إنّ رواية صاحب هذا الكتاب المفترض عن الكليني هي بواسطة الشّيباني وليس مباشرة، مع إنّنا أوضحنا إنّ ما هو موجود في نسخة كتاب فرج المهموم المطبوعة خال من مفردة عنه، وهذا الأمر يضع علامة استفهام كبيرة أمام خبرويّة ابن طاووس في نسبة النّسخ إلى أصحابها.
#والغريب إنّ الفريق المحقِّق لطبعة الكافي الأخيرة الّتي نشرتها دار الحديث في مدينة قم الإيرانيّة اعتمد على نفس هذه الرّواية بصيغتها الّتي وردت في كتاب “دلائل الإمامة” المطبوع مُرجعاً ضمير “عنه” الّذي صُدّرت الرّواية به إلى أبي المفضّل الشّيباني، لكنّه عاد بعد صفحات قليلة ليجعل من نفس هذه الرّواية بصيغتها الّتي نقلها ابن طاووس في كتابه “فرج المهموم” شاهداً على رواية محمّد بن جرير بن رستم الطّبريّ المعبّر عنه بالكبير عن محمّد بن يعقوب الكليني [مقدّمة التّحقيق لكتاب الكافي طبعة دار الحديث: ص62؛ 73]، مع إنّ المفروض وفقاً لمقدار الوسائط الّتي يروي النّجاشي والطّوسي كتب هذين الإثنين بتوسّطها معاصرتهما ـ أيّ الطّبريّ مع الكليني ـ إن لم نقل إنّ الطّبريّ الشّيعي المعبّر عنه بالكبير أقدم طبقة من الكليني، وهذا يعني إنّ اكتشاف مثل هذه الأخطاء ليس عملاً سهلاً ما لم يتخلّص الإنسان من نظّارته المذهبيّة.
#على إنّ اشتباهات ابن طاووس في نسبة الكتب غير عزيزة أيضاً؛ فها هو يصرّ على نسبة كتاب “مناقب أهل البيت” إلى الطّبريّ السُنّي صاحب التّاريخ والتّفسير الشّهيرين، مع إنّ الأغا برزك الطّهراني نفسه لم يقبل ذلك ونسبه للطّبريّ الشّيعي [الذّريعة: ج22، ص325]؛ لذا فما هو المانع أن يكون ابن طاووس قد أخطأ في نسبة هذا الكتاب أو غُرّر به مثلاً بل هذا هو الصّحيح دون شكّ وريب. [يُتبع].
#ميثاق_العسر
#مصادر_التّخريف_المنبري


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...