السّيرة الذّاتيّة لكتاب دلائل الإمامة ومؤلّفه الوهميّ!! الحلقة الثّالثة

12 سبتمبر 2018
108
ميثاق العسر

#أوضحنا في الحلقات السّابقة السّيرة الذّاتيّة الكاملة للنّسخ الموجودة بين أيدينا للكتاب المُسمّى بـ “دلائل الإمامة”، وبيّنا هناك على إنّ المتوافر منها حسب تصريح شيوخ الببلوغرافيا الإثني عشريّة المعاصرين ليس سوى نسختين لا تتجاوز أعمار مجموعهما المُدّعى ثلاثة قرون ونصف، وهي نسخ ناقصة وغير مسندة ولا تحمل أي إجازات وطُرق يمكن من خلالهن الاطمئنان بصدورها، […]


#أوضحنا في الحلقات السّابقة السّيرة الذّاتيّة الكاملة للنّسخ الموجودة بين أيدينا للكتاب المُسمّى بـ “دلائل الإمامة”، وبيّنا هناك على إنّ المتوافر منها حسب تصريح شيوخ الببلوغرافيا الإثني عشريّة المعاصرين ليس سوى نسختين لا تتجاوز أعمار مجموعهما المُدّعى ثلاثة قرون ونصف، وهي نسخ ناقصة وغير مسندة ولا تحمل أي إجازات وطُرق يمكن من خلالهن الاطمئنان بصدورها، وإنّ مهمّ الدّليل الّذي قاد الباحثين المعاصرين إلى نسبة هذا الكتاب إلى مصنّفه هو: نسبة السيّد عليّ بن طاووس له بالإضافة إلى تفحّص أسانيده، لكن السّؤال الأهمّ الّذي لم نجب عنه لحدّ الآن هو: من هو مؤلّف هذا الكتاب؟!
#وقع علماء الببلوغرافيا الإثنا عشريّة المعاصرون في حيص بيص شديد في سبيل تحديد مؤلّف هذا الكتاب بعد خلوّ النّسخ الواصلة من ذلك؛ فهم من جانب: يرون إن متتبّعاً خبيراً ـ حسب وصفهم ـ كالسيّد ابن طاووس ينسبه إلى الطّبريّ الشّيعي صاحب المسترشد ويقلّده في ذلك جملة من محدّثي الدّولة الصّفويّة الكبار، ومن جانب آخر: يرون إنّ جملة من أسانيد النّسختين الواصلتين من هذا الكتاب بما في ذلك أسانيد النّصوص الّتي نقلها ابن طاووس عنه لا تنسجم مع طبقة صاحب المسترشد على الإطلاق بل هي متأخّرة عنه بطبقتين، وبين هذا وذاك: لا توجد أيّ إشارة لا من قريب ولا من بعيد إلى هذا الكتاب في كتب معاصري تلك المرحلة الّتي يُنسب الكتاب إليها ولا إلى مصنّفه أيضاً، فهل هناك شدّة وعسر وغموض أشدّ ممّا نحن فيه؟!
#من هنا بدأت المحاولات المذهبيّة في سبيل تصحيح نسبة هذا الكتاب ومنحه الاعتبار؛ فاضطروا إثر ذلك إلى افتراض وجود طبريٍّ شيعيٍّ آخر يشترك مع ابن رستم الطّبري صاحب المسترشد في الاسم واسم الأب واسم الجدّ والّلقب أيضاً، وبدأوا يقدّمون الشّواهد على ذلك، والّتي تعتمد في حقيقتها على أسانيد نفس النّصوص الرّوائيّة المنسوبة إليه، وهذا من إغرب الغرائب، فقالوا: إنّ جملة من هؤلاء المشايخ الّذين يروي عنهم صاحب هذا الكتاب محلّ البحث هم في طبقة مشايخ النّجاشي والطّوسي وبعضهم متقدّم بطبقة عنهم؛ لذا فالصّحيح أن يُقال: إنّ الطّبريّ صاحب الدّلائل معاصر للنّجاشي والطّوسي أو هو متقدّم عليهما بعض الشّيء!!بل ذهبوا إلى ما هو أبعد من هذا بكثير لينصّوا على وثاقته أيضاً، ولا أدري كيف يوثّق شخص لا يوجد دليل ولا حتّى ضعيف على وجوده بهذه المواصفات، وكلّ ما يُقدّم ـ كما سنرى ـ مجرّد احتمالات وتوقّعات لم تستند إلى ركن وثيق.
#ولعلّ أوّل من تفطّن إلى ضرورة افتراض طبريّ آخر استناداً إلى قراءة بعض المرويّات الواردة في هذا الكتاب هو: المرحوم عبد الله المامقاني المتوفّى سنة: “1351هـ” في كتابه “تنقيح المقال”، ومن الواضح إنّ المامقاني لم يكن مطّلعاً على أيّ نسخة من هاتين النّسختين الواصلتين على الإطلاق وهو يقرّر مثل هذا الافتراض، وإنّما اعتمد في تقريره على ما نقله عنه التّوبلي البحراني في مدينة المعاجز كما هو جليٌّ لمن قرأ كلماته في كتابه التنقيح؛ حيث قال هناك بعد استعراض مجموعة من الشّواهد على مدّعاه: «فتحقّق ممّا ذكرنا كلّه: إنّ محمّد بن جرير بن رستم الطّبرى من أصحابنا إثنان: كبير وهو السّابق، وصغير وهو هذا، وكلاهما ثقتان عدلان مرضيّان [!!]، ولكلّ منهما كتاب فى الأمامة؛ فللأوّل كتاب: “المسترشد”، وللثّاني كتاب: “دلائل الأمامة” الّذى يعبّر عنه السيّد هاشم البحرانى بكتاب الأمامة، فاغتنم ذلك؛ فإنّه من خواصّ كتابنا هذا لم أقف على من تنبّه له من أصحابنا في الكتب الرّجاليّة، والحمد لله سبحانه على نعمه الّتي لا تُحصى» [تنقيح المقال: ط الحجريّة: ج2، ق2، ص91].
#لكنّ الأغا برزك الطّهراني ادّعى في أحد حواشي الجزء الثّامن من ذريعته المطبوع عام: “1369هـ” ـ أي بعد وفاة المامقاني بسبعة عشر عاماً ـ إنّه أوّل من تفطّن إلى ذلك فأخبر به المامقاني شفويّاً فأدرجه الأخير في كتابه دون إشارة إلى صاحبه الأصلي!! وقال: «لمّا تفطّنت إلى تعدّد المسمّين بمحمّد بن جرير بن رستم الطّبري، ألقيت إلى الفاضل المامقاني عند اشتغاله بطبع كتابه تنقيح المقال في علم الرّجال، فأوردها فيه: “ج3، ص91″، وزاد عليه دعوى رواية مؤلّف الدّلائل عن مؤلّف المسترشد، وقد ظهر لك بطلان هذه الدّعوى ممّا ذكرناه في المتن» [الذّريعة: ج8، ص244].
#وكيف كان، فإنّ المامقاني والطّهراني يشتركان في لبس النّظارات المذهبيّة المغالية في علاج أمثال هذه الأمور، وهو أمر يؤثّر بطبيعة الحال على نتائج ما توصّلوا إليه ويبعدهم عن الحقيقة في بعض الأحيان، ويبدو لي إنّ ادّعاء الطّهراني إنّه هو صاحب الفكرة أقرب من ادّعاء المامقاني لها، والله العالم بحقائق الأمور. [يُتبع].
#ميثاق_العسر
#مصادر_التّخريف_المنبري


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...