السيد الفشاركي وزهده بالمرجعيّة

7 أكتوبر 2016
968
ميثاق العسر

هل تصدّق أن تأتي المرجعيّة إلى فقيه في الحوزة ويزهد بها، أم سيستحدث آلاف العناوين الشرعيّة للتشبّث فيها؟! بل سيبذل قصارى جهده في سبيل التوصّل إليها، ويحرق الأخضر واليابس لتحصيلها؟! لكن تاريخ حوزة سامراء يكشف لنا عن قصّة ملفتة تجعل الإنسان ناقماً على ما آلت إليه الأمور مؤخّراً في حوزاتنا؛ فبعد وفاة المجدّد الشيرازي الكبير […]


هل تصدّق أن تأتي المرجعيّة إلى فقيه في الحوزة ويزهد بها، أم سيستحدث آلاف العناوين الشرعيّة للتشبّث فيها؟! بل سيبذل قصارى جهده في سبيل التوصّل إليها، ويحرق الأخضر واليابس لتحصيلها؟! لكن تاريخ حوزة سامراء يكشف لنا عن قصّة ملفتة تجعل الإنسان ناقماً على ما آلت إليه الأمور مؤخّراً في حوزاتنا؛ فبعد وفاة المجدّد الشيرازي الكبير في عام: (1895م)، توجّه جمع من الفقهاء والفضلاء إلى خيرة طلّابه ممّن رأوا فيه الأعلميّة وصلاحيّة تسنّم منصب المرجعيّة، أعني: أستاذ الفقهاء والمراجع حينها المرحوم السيّد محمد الفشاركي الأصفهاني المتوفّى في النجف سنة: (1899م)، وحينما عرضوا عليه الأمر صدمهم حينما سمعوا منه هذا الجواب: “أنا أعلم أنّي لست أهلاً لذلك؛ لأن الرئاسة تحتاج إلى أمور غير العلم بالفقه والأحكام من السياسات، ومعرفة مواقع الأمور، وأنا رجل وسواسيّ في هذه الأمور، فإذا دخلت أفسدت ولم أصلح، ولا يسوّغ لي غير التدريس…” [حسن الصدر، تكملة أمل الآمل، ج5، ص82].
#أجل؛ “كان ‘سقى الله رمسه’ قد فرّغ نفسه الشريفة للعلم والعبادة، وتحامى الرئاسة، ولو شاء أن يكون مرجعاً للتقليد لرميت إليه منها المقاليد، ولكنّه لفظ الدنيا لفظ النواة، ورماها رمي الحجيج الحصاة، ورأى الاجتناب عنها أولى، وأنّ الآخرة خير له من الأولى، فسلك مسلك أجداده الأمجاد، وعاش فيها عيش الزهّاد، ما بنى فيها داراً، ولم يخلّف عقاراً، حتى أنّه لم يكن له… [حتّى فترة قريبة من وفاته] خادم يخدمه، بل كان يذهب إلى السوق بنفسه لشراء حوائجه، والطلبة حافّون به يسألونه عمّا أشكل عليهم من درسه وهو واقف على باب بعض الحوانيت”. [أبو المجد، وقاية الأذهان، ص144].
#أقول: متى عرضت علينا مرجعيّة الفشاركي ورفضناها، ونحن نعلم بنواقصنا وسلبياتنا وعدم صلاحيّتنا، ولا أدري: إلى متى تساهم الأجندات الحوزويّة الرسميّة وغير الرسميّة في تركيز ثقافة خاطئة عند الشيعة تفيد: إن من يكون أعلم في القضايا الفقهيّة أو التفسيريّة أو العقائديّة هو الذي يصلح للمرجعيّة والتقليد، من دون أن يسأل هؤلاء المساكين عن كفاءته وقدرته على إدارة بيته فضلاً شؤون العباد والبلاد، وعن تقواه وورعه وتدينه وتصرّفاته في الأموال الجزئيّة اليسيرة ناهيك عن الأموال العامّة… وكأنّهم افترضوا إن من يكون أعلم في تلك الأمور فهو ورع تقيّ كفوء عادل جزماً، ولا ملازمة بين الأمرين كما أثبتت ذلك التجارب ونصت عليه كلمات العلماء الأطايب، نعم على الناس أن يفقهوا هذا الأمر جيّداً؛ فإذا سألوا أهل الخبرة وأشاروا إليهم بأعلميّة فلان، فعليهم أن يسألوا أهل الخبرة عن تقواه، وكفاءته، وورعه، وصلاحيّته لتسنّم منصب المرجعيّة في هذه الظروف والأحوال، فقد يكون الفقيه صالحاً للتقليد في الأمور الفقهيّة، أو مدرساً ناجحاً للأمور التفسيريّة والعقائديّة، لكنّه لا يصلح للقيادة والمرجعيّة.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...