الدرن المذهبي وبيعة السجّاد “ع” ليزيد!!

21 سبتمبر 2018
1004
ميثاق العسر

#ثمّة إجماع مركّب بين مشهور المؤرّخين المحايدين وعموم المحدّثين الإثني عشريّة المتقدّمين على حصول البيعة من قبل علي بن الحسين بن عليّ المعروف بالسجّاد “ع” ليزيد بن معاوية بعد واقعة كربلاء، لكنّ وقع الخلاف في صيغتها وطريقتها وإنّها كانت بالمباشرة أم عن طريق الوسيط، والرّاجح المنقول إنّها حصلت عن طريق مسلم بن عقبة وإليك شرح […]


#ثمّة إجماع مركّب بين مشهور المؤرّخين المحايدين وعموم المحدّثين الإثني عشريّة المتقدّمين على حصول البيعة من قبل علي بن الحسين بن عليّ المعروف بالسجّاد “ع” ليزيد بن معاوية بعد واقعة كربلاء، لكنّ وقع الخلاف في صيغتها وطريقتها وإنّها كانت بالمباشرة أم عن طريق الوسيط، والرّاجح المنقول إنّها حصلت عن طريق مسلم بن عقبة وإليك شرح الموقف باختصار:
#أجمل ابن ابي الحديد الموقف التّاريخي في شرحه لنهج البلاغة فقال: «لمّا قدم جيش الحرّة إلى المدينة وعلى الجيش: مسلم بن عقبة المرّي، أباح المدينة ثلاثاً واستعرض أهلها بالسيف جزراً كما يجزر القصّاب الغنم، حتى ساخت الأقدام في الدم، وقُتل أبناء المهاجرين والأنصار وذرية أهل بدر، وأخذ البيعة ليزيد بن معاوية على كلّ من استبقاه من الصحابة والتابعين على أنّه عبدٌ قنٌّ لأمير المؤمنين يزيد بن معاوية، هكذا كانت صورة المبايعة يوم الحرّة إلّا علي بن الحسين بن علي [السجّاد] “ع”؛ فإنّه أعظمه وأجلسه معه على سريره وأخذ بيعته على أنه أخو أمير المؤمنين يزيد بن معاوية وابن عمّه؛ دفعاً له عمّا بايع عليه غيره، وكان ذلك بوصاة من يزيد بن معاوية…» [شرح نهج البلاغة لأبن أبي الحديد: ج3، ص259].
#وتداول مفهوم أبناء العمومة في أمثال هذه المواطن الحرجة ليس جديداً بالمرّة؛ فهذا السّيد المرتضى المتوفّى سنة: “436هـ”، يتحدّث عن طرح مثل هذا المفهوم من قبل الحسين بن عليّ “ع” أثناء مفاوضاته الأخيرة مع عمر بن سعد من أجل تجنّب القتال أيضاً فقال: «وقد روي أنّه “صلوات الله وسلامه عليه وآله” قال: لعمر بن سعد الّلعين: اختاروا منّي إمّا الرجوع إلى المكان الذي أقبلت منه؛ أو أن أضع يدي في يد يزيد فهو ابن عمي ليرى في رأيه؛ و إما أن تسيروني إلى ثغر من ثغور المسلمين فأكون رجلاّ من أهله لي ما له وعلي ما عليه. وأن عمر كتب إلى عبيد الله بن زياد الّلعين بما سئل فأبى عليه…» [تنزيه الأنبياء: ص177].
#أمّا الكليني صاحب أهمّ كتاب حديثيّ إثني عشريّ معتبر فقد روى بإسناده الصّحيح عندهم عن برير بن معاوية إنّه قال: «سمعت أبا جعفر [الباقر] “ع” يقول: إنّ يزيد بن معاوية دخل المدينة وهو يريد الحجّ، فبعث إلى رجلٍ من قريش فأتاه فقال له يزيد: أ تقرّ لي أنّك عبد لي، إن شئت بعتك وإن شئت استرققتك؟! فقال له الرّجل: والله يا يزيد ما أنت بأكرم منّي في قريش حسباً ولا كان أبوك‌ أفضل من أبي في الجاهلية والإسلام، ولا أنت بأفضل منّي في الدين، ولا بخير مني، فكيف أقرّ لك بما سألت؟! فقال له يزيد: إن لم تقرّ لي والله قتلتك، فقال له الرجل: ليس قتلك إيّاي بأعظم من قتلك الحسين بن علي ابن رسول اللّه “ص”، فأمر به فُقتل. ثمّ أرسل الى علي بن الحسين “ع”، فقال له مثل مقالته للقرشي، فقال له علي بن الحسين “ع”: أ رأيت إن لم أقرّ لك أ ليس تقتلني كما قتلت الرجل بالأمس؟ فقال له يزيد “لعنه الله”: بلى، فقال له علي بن الحسين “ع”: قد أقررت لك بما سألت، أنا عبد مكره فإن شئت فأمسك وإن شئت فبعْ، فقال له يزيد “لعنه الله”: أولى لك؛ حقنت دمك، ولم ينقصك ذلك من شرفك» [الكافي: ج8، ص235].
#وقد واجهت هذه الرّواية إشكالاً تاريخيّاً مفاده: إنّ الثّابت بين أهل السّير إنّ يزيد بن معاوية لم يخرج من الشّام من حين تسنّمه الخلافة إلى حين موته؛ فكيف تفترض الرّواية دخوله إلى المدينة بقصد الحجّ؟!
#وقد أجاب شيخ المحدّثين الإثني عشريّة المجلسي عن هذا الإشكال بطرح احتمال وجود الاشتباه من قبل الرّواة؛ إذ «لعل هذا كان من مسلم بن عقبة، وإلى هذا الملعون حيث بعثه لقتل أهل المدينة فجرى منه في قتل الحرّة ما جرى، و قد نقل أنّه أجرى بينه وبين علي بن الحسين “ع” قريب من ذلك، فاشتبه على بعض الرواة» [مرآة العقول: ج26، ص178].
#وبغضّ الطّرف عن سلامة واستقامة مثل هذا التّوجيه للرّواية وعن عدم انسجامه مع نسب ابن عقبة، إلّا إنّ نفس تلقّي المحدّثين الإثني عشريّة لهذا الخبر وإيداعه في إمهّات كتبهم المعتبرة كالكافي لهو دليل جازم وقاطع على إيمانهم بأصل تحقّق حادثة البيعة، وإنّ اختلفت التّفاسير في طريقتها؛ بل نجد إنّ محدّثاً إثني عشريّاً شهيراً كالحرّ العاملي يفتي على أساسها ويعقد باباً في وسائله حمل عنوان: «باب جواز إقرار الحرّ بالرقّيّة مع التّقيّة وإن كان سيّداً». [وسائل الشّيعة: ج16، ص253].
#كلّ هذا وغيره من الإثارات الكثيرة الّتي حملتها الصّفحة يؤكّد بوضوح على ضرورة إعادة النّظر لا في القراءة الرّسميّة المتداولة والمعروفة لحركة الحسين بن عليّ “ع” ومقتله الدّمويّ في كربلاء فحسب، بل في منظومة الإمامة والمهدويّة الإلهيّة الإثني عشريّة وعرضها العريض أيضاً، والابتعاد عن لبس أيّ نظارة مذهبيّة في قراءة الأحداث التّاريخيّة وتفسيرها، لكن يبدو إنّ من ران على قلوبهم ما كانوا يتكسّبون به لا يُريدون ذلك، ولا خيار لنا لإزالة هذا الدرن إلّا أن نوجعهم بالنّقد العلميّ الموضوعيّ الهادف حتّى حين، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...