الخطبة الفدكيّة والافتراء على أبي مخنف!!

29 يناير 2019
708
ميثاق العسر

#في سياق المساعي المذهبيّة العميقة لتصحيح فرية الخطبة الفدكيّة وقِدمها الزّماني على لحظة واضعيها بادر جملة من الأعلام الإثني عشريّة إلى ممارسة التّحريف من دون قصد لنسبة كتاب سمّوه بـ “بخطبة الزّهراء “ع” “إلى لوط بن يحيى المعروف بأبي مخنف والمعاصر للصّادق”ع”؛ بادروا لذلك لأنّهم مسكونون بهاجس مذهبي قبلي يقرّر لهم واقعيّة هذه الخطبة وحقّانيّتها، […]


#في سياق المساعي المذهبيّة العميقة لتصحيح فرية الخطبة الفدكيّة وقِدمها الزّماني على لحظة واضعيها بادر جملة من الأعلام الإثني عشريّة إلى ممارسة التّحريف من دون قصد لنسبة كتاب سمّوه بـ “بخطبة الزّهراء “ع” “إلى لوط بن يحيى المعروف بأبي مخنف والمعاصر للصّادق”ع”؛ بادروا لذلك لأنّهم مسكونون بهاجس مذهبي قبلي يقرّر لهم واقعيّة هذه الخطبة وحقّانيّتها، ولم يلتفتوا إلى إنّ أدنى إلتفات بحثيّ سيوصلهم لخلاف ذلك ببساطة، ولم يشعروا: إنّهم من خلال هذه النّسبة الخاطئة قد نقّحوا موضوعاً خاطئاً لمقلِّديهم ليدّعوا: إنّ خطبة الزّهراء “ع” المسمّاة بالفدكيّة كانت معروفة ومتداولة قبل ولادة الجاحظ وأبي العيناء، فكيف يمكن نسبة وضعها إليهما؟!
#لكنّ الحقيقة ليست كذلك؛ بداهة إنّ الكتاب المنسوب إلى أبي مخنف يُسمّى بـ “الخطبة الزّهراء” لا خطبة الزّهراء، وهي خطبة توصف بالزّهراء تُنسب إلى عليّ بن أبي طالب “ع”، لا إنّها خطبة لعقيلته السيّدة فاطمة بنت محمّد “ع” كما يُشاع في بعض الأوساط المذهبيّة خطأً، أمّا بيان ذلك فيمكن إيجازه في نقاط:
#الأولى: نصّ شيخ الطّائفة الإثني عشريّة الطّوسي المتوفّى سنة: “460هـ” في كتابه الفهرست وهو يترجم لأبي مخنف لوط بن يحيى الأزدي قائلاً: «… وله كتاب الخطبة الزّهراء، أخبرنا أحمد بن محمّد بن موسى، عن ابن عقدة، عن يحيى بن زكريا بن شيبان، عن نصر بن مزاحم، عن لوط بن يحيى [أبي مخنف]، عن‏ عبد الرحمن بن جندب، عن أبيه، قال: خطب أمير المؤمنين “ع”… وذكر الخطبة بطولها». [الفهرست، تحقيق: المرحوم عبد العزيز الطّباطبائي: ص381].
#الثّانية: نقل ابن عبد ربّه الأندلسي المتوفّى سنة: “328هـ” خطبة لعليّ بن أبي طالب ع سمّاها: “الزّهراء” مطلعها: «الحمد لله الّذي هو أوّل كلّ شيء ووليّه، وكلّ شيء خاشع له، وكلّ شيء قائم به، وكلّ شيء ضارع إليه، وكلّ شيء مستكين له…» كما ورد ذلك في النّسخة المطبوعة من كتابه العقد الفريد. [ج4، ص166].
#الثّالثة: جاء في كتاب شرح أنوار اليقين للحسن بن بدر الزّيدي المتوفّى سنة: “608هـ” قوله: «الخطبة الزّهراء هي: الخطبة الكبرى الّتي خطب بها أمير المؤمنين عليّ “ع” قبل موته البعيد والقريب، وأسمعها البغيض والحبيب، ممّن كان في عصره ممّن يبلغه ذلك عنه، وهي: آخر خطبة خطبها ولقي الله عليها…إلخ»، وقد ذكر فيها مضامين لم يرد ذكرها في العقد الفريد أيضاً. [المصابيح السّاطعة الأنوار: ص57].
#وبعد هذا الإيضاح علينا أن نبرهن على التّحريف الّذي مارسه بعض السّادة الّذين حقّقوا تراث الطّوسي وابن شهر آشوب، وكيف وقع الكبار المعاصرون في فخاخ هذه التّحريفات سواء منهم أم من نسخ أخرى كانت بأيديهم، وسنضعه في نقاط أيضاً:
#الأولى: جاء في الطّبعة النّجفيّة لكتاب الفهرست لشيخ الطّائفة الإثني عشريّة الطّوسي والّتي كتب على جلده: “صحّحه وعلّق عليه: العلّامة السيّد محمّد صادق بحر العلوم”: «وله كتاب خطبة الزّهراء عليها السّلام [!!]» [ص155]، مع إنّنا لحظنا كيف إنّ الطّبعة الّتي حقّقها المرحوم عبد العزيز الطّباطبائي نصّت على إنّ اسمها: “الخطبة الزّهراء” لا خطبة الزّهراء “ع” كما حُرّف ذلك في الطّبعات النّجفيّة.
#الثّانية: جاء في الطّبعة النّجفيّة لكتاب معالم العلماء لإبن شهر آشوب المتوفّى سنة: 588هـ” والمطبوعة سنة: “1380هـ” والّتي كتب لها: السيّد محمّد صادق بحر العلوم نفسه مقدّمة: «أبو مخنف لوط بن يحيى الأزدي… له كتب كثيرة:.. خطبة الزّهراء». [ص93ـ94]، مع إنّنا لحظنا عدّة نسخ خطيّة لهذا الكتاب، ولحظنا طبعة حروفيّة تقدّمت على سنة هذه الطّبعة النّجفيّة أيضاً، فوجدنا إنّ ما فيها هو: “الخطبة الزّهراء” لا كما نُقل في هذه الطّبعة، وهذا يؤكّد ما قلناه فيما سبق من ابتلاء الطّبعات النّجفيّة للتّراث بتحريفات كثيرة تُسقطها عن الاعتبار.
#الثّالثة: جاء في تنقيح المقال للمرحوم المامقاني المتوفّى سنة: “1351هـ” قوله وهو ينقل ما في الفهرست للطّوسي: «وله كتاب خطبة الزّهراء “ع”…». [ج2، ق2، ص43]، وقد عرفت ما في كلامه من تحريف كما نبّه لذلك المرحوم الشّوشتري بهذا الوصف أيضاً. [قاموس الرّجال: ج8، ص618].
#الرّابعة: جاء في معجم رجال الحديث للمرحوم الخوئي المتوفّى سنة: “1413هـ” بعد أن كرّر نفس الخطأ في نسبة التّحريف المتقدّم إلى الطّوسي قوله: «بقي هنا شي‏ء: وهو أنّ لوط بن يحيى لم يثبت دركه أمير المؤمنين “ع”، بل إنّ روايته لخطبة الزهراء عنه “ع” بواسطتين ـ على ما مرّ ـ يدلّ على عدم دركه إياه “ع”، وكذلك روايته خطب أمير المؤمنين “ع” بواسطتين على ما تقدّم…». [ج15، ص142]، ومن الواضح إنّ تنكيره لخطبة الزّهراء يكشف عن اعتقاده بكون الخطبة لها خصوصاً مع قرينة تنصيصه على تغاير النّقل بين خطبة الزّهراء وخطب أمير المؤمنين “ع”، وقد عرفت إنّ ذلك تحريف لم يكن ينبغي صدوره منه أو من الّلجنة الّتي كتبت المعجم تحت إشرافه.
#على إن من المناسب التّذكير: بأنّ هناك جملة من الكتب نقلت العبارة الصّحيحة للكتاب لكنّها أضافت لها عبارة “عليها السّلام”، وبعضها ـ ومنها الذّريعة ـ جعلتها خطبة الزّهراء وإن نسبتها إلى عليّ ع أيضاً. [الذّريعة: ج7، ص203]، وقد رأيت بعض المعاصرين ممّن تنبّه إلى هذه المشكلة وسجّل تحفّظه الإجماليّ عليها. [مصادر نهج البلاغة: ج1، ص71].
#فتحصّل ممّا تقدّم: إنّ دعوى وجود كتاب لأبي مخنف تحت مسمّى: “خطبة الزّهراء” ممّا لا أساس له من الصّحة، وإنّما هو من تحريفات المحقّقين والنّاشرين المعاصرين والّتي أوقعت الكبار في فخاخها، فكيف يمكن أن نستدلّ بمثل هذه التّحريفات على حقّانيّة الخطبة الفدكيّة وتقدّم لحظتها؟! فتأمّل كثيراً لتعرف عمق المشكلة ومن هو المساهم في تعميقها، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...