الحسين المذهبيّ بين العِبرة والعَبرة!!

25 سبتمبر 2019
346
ميثاق العسر

#روى صاحب كامل الزّيارات المنسوب لإبن قولويه المتوفّى سنة: “368هـ” بأسانيده عن أبي بصير؛ وإسماعيل بن جابر؛ وهارون بن خارجة، وكذا الصّدوق المتوفّى سنة: “381هـ” بإسناده عن هارون بن خارجة؛ وأبي بصير، جميعاً عن الصّادق “ع” إنّه قال ـ والّلفظ لمعظم نصوصهم ـ : «قال الحسين بن عليّ “ع”: أنا قتيل العَبرة، لا يذكرني مؤمن […]


#روى صاحب كامل الزّيارات المنسوب لإبن قولويه المتوفّى سنة: “368هـ” بأسانيده عن أبي بصير؛ وإسماعيل بن جابر؛ وهارون بن خارجة، وكذا الصّدوق المتوفّى سنة: “381هـ” بإسناده عن هارون بن خارجة؛ وأبي بصير، جميعاً عن الصّادق “ع” إنّه قال ـ والّلفظ لمعظم نصوصهم ـ : «قال الحسين بن عليّ “ع”: أنا قتيل العَبرة، لا يذكرني مؤمن إلّا استعبر». [كامل الزّيارات: ص108، 109؛ الأمالي: ص137؛ ثواب الأعمال: ص98].
#ومن حقّ الباحث المحايد أن يسأل: ما معنى قتيل العبرة في النّصوص الرّوائيّة أعلاه؟! وفي أيّ لحظة زمانيّة قال الحسين بن عليّ “ع” مثل هذا الكلام تحديداً؟! وهل يُمكن أن نتقبل صدور هذا الكلام منه “ع” وهو الّذي خرج إلى العراق بسبب بيعة أهل الكوفة له ورسائلهم الّتي تطلب منه القدوم؟! أ يعقل أن يكون الحسين بن عليّ “ع” واعياً ومُدركاً بأنّه سيقتل في نهاية سفره إلى العراق الّذي هو فيه ويعلم بأنّه سيكون قتيل العَبرة وهو داخل في مفاوضات مارثونيّة طويلة من أجل الحيلولة دون سفك قطرة دم واحدة منه وممّن كان معه حتّى آخر لحظات المعركة وخطاباته الّتي نقلها ابو مخنف شاهدة على ذلك؟! وهل ينسجم هذا الكلام مع ما تُكرّره المنابر ذات المسحة الإصلاحيّة من فرضيّة أنّ الحسين “ع” هو عِبرة لا عَبرة؟!
#لنؤجّل الحديث عن إجابة هذه الأسئلة مؤقّتاً ونقرأ تفسير هذه النّصوص على لسان شيخ المحدّثين الإثني عشريّة المجلسي المتوفّى سنة: “1110هـ”، حيث قال في موسوعته البحار: «أنا قتيل العبرة، أي: قتيل منسوب إلى العَبرة والبكاء وسبب لها، أو أُقتل مع العَبرة والحزن وشدّة الحال، والأول أظهر». [بحار الأنوار: ج44، ص279]، كما قال في موضع آخر: «قوله: “قتيل العبرات” العَبرة بالفتح: الدّمعة أو تردّد البكاء في الصدر، أي: القتيل الّذي تُسكب عليه العبرات، كما قال “صلوات الله عليه”: أنا قتيل العبرة؛ لا يذكرني مؤمن إلا استعبر». [المصدر السّابق: ج101، ص356].
#لكنّ هذه الاحتمالات والاستظهارات للنّصوص من قبل المجلسي لا معنى معقول لها إلّا في سياق من يؤمن بالإمامة الإلهيّة وعرضها العريض للحسين بن عليّ “ع” أوّلاً ولحفيده الصّادق “ع” ثانياً، ومن غير ذلك تضحى عمليّة تفسيرها بهذه الاحتمالات حشواً زائداً من الكلام ولو من خلال الاقتصار على بشريّة الممارسات الّتي أقدم الحسين بن عليّ “ع” عليها منذ دخوله مكّة وحتّى مقتله؛ كما لم يُخبرنا الصّادق “ع” المولود سنة: “80هـ” ـ أي بعد شهادة الحسين “ع” بما يقرب من عشرين سنة ـ عن الطّريقة الّتي وصلت إليه هذه المقولة من خلالها بناءً على صحّة صدور مثل هذه النّصوص الرّوائيّة عنه؛ لأنّنا من غير ذلك لا يمكننا تجاوز معضلة الإرسال؟! ولا ندري: هل قال الحسين بن عليّ “ع” هذا الكلام في يوم شهادته وسمعه منه أحد الحضّار وقام بنقله؟! أم طرحه قبل هذه الفترة ونُقل إلى الصّادق “ع” عن طريق والده وجدّه مثلاً؟!
#ومن الواضح: إنّ احتمال أن يكون الحسين بن عليّ “ع” يعلم بمقتله الحقيقي قبل قرار القتال الحقيقيّ الّذي أغلق باب التّفاوض مع معسكر عمر بن سعد بحيث يقول بصريح العبارة إنّه قتيل العبرة لا صحّة له؛ لأنّ النّقل التّاريخي والرّوائيّ المؤكّد يكّذب ذلك، ويقرّر: أنّه “ع” لم يكن عالماً بمقتله حين خروجه إلى العراق فضلاً عن علمه بكونه قتيل العَبرة، أمّا احتمال صدور هذا النصّ من الحسين بن عليّ “ع” بعد محاصرته النّهائيّة وعلمه الجزمي بمقتله فهو أمر محتمل، لكنّ
#المشكلة تكمن في شخص سامع هذا الكلام منه وناقله إلى الطّبقة الّلاحقة؛ فإنّ حواره الشّهير مع أخته زينب وجميع تفاصيله كان قد نقله السجّاد “ع” ولم يرد فيه مثل هذا المعنى الغنوصي الباطني أصلاً، وبقيّة حواراته العامّة نقلها أبو مخنف أيضاً عمّن حضر المعركة وشهدها ولم نلحظ ذلك فيها، مضافاً إلى أنّ توقيت هذا الكلام ـ بناءً على هذا الاحتمال ـ لا يُستنتج منه أيّ علم للحسين “ع” بمقتله أصلاً؛ لأنّه تحدّث بمنطق واقعي وليس كما يُصوّر ويُتداول ويُروّج من علمه القبليّ بالأمر، ولهذا فنحن نتوقّف كثيراً في قبول هذه النّصوص ولا نؤمن بواقعيّتها، ونعتقد بأنّها متولّدة في سياق الحسين المذهبي الّذي فُصّل لاحقاً.
#ومن ضيق الخناق وانسياقاً مع الحسين المذهبي آنف الذّكر لم يجد كتّاب الصّحيح في مقتل الحسين “ع” من مندوحة إلّا بطرح احتمالات المجلسي وتعيين إحداهما قائلين: «ويبدو أنّ الاحتمال الأوّل هو المتعيّن وليس هو الأظهر؛ وذلك بسبب انطباقه مع الرّوايات الّتي أشرنا إليها، وانسجامه مع منزلة الإمامة والعظمة الرّوحيّة للإمام الحسين “ع”، كما قال العلّامة المجلسي»، وبعد أن عيّنوا هذا الاحتمال بالمذهبيّات العاطفيّات، بادروا إلى ترتيب فكرة مذهبيّة أعمق عليها مملوءة بالأساطير والخرافات فقالوا:
#وفي الحقيقة: إنّ جملة «أنا قتيل العبرة» إشارة إلى ظاهرة تاريخيّة واجتماعيّة مهمّة، وهي: أنّ مقتل أيّ شخص لم يكن وسوف لا يكون محزناً ومبكياً طيلة التّاريخ كمقتل سيّد الشّهداء. لقد قُتل أناس كثيرون على مرّ التّاريخ، ولكن لم يبك عليهم أحد، وقُتل الكثيرون ولكن البكاء عليهم كان مؤقّتاً، وقُتل الكثيرون ولكنّهم لم يتركوا تأثيراً إلّا على فئة خاصّة، مع أنّه لم ترد أيّ رواية حول أيّ شخص سوى الإمام الحسين “ع”، تفيد بأنّ الجميع بكى عليه اعتباراً من آدم أبي البشر وحّتى خاتم الأنبياء، كما بكى عليه أهل بيت رسول الله “ص” قبل ولادته، وبكى عليه جمع من أصحاب رسول الله، وبكت عليه الملائكة، ، والحيوانات، والسّماء والأرض، بل وحتّى الأعداء».
#ولم ينته الأمر إلى هذا الحدّ، بل تجاوز ذلك لطرح مصادرات عقائديّة إثني عشريّة أكبر دون فحص وتنقيب علميّ وموضوعيّ رصين فقالوا: «ونحن لا نعرف أحداً طوال التّاريخ بكى عليه النّاس لأكثر من ألف وثلثمئة سنة! نعم؛ إنّ سيّد الشّهداء هو “قتيل العبرة”، وما لم يُنتقم لدماء جميع المظلومين على مرّ التّاريخ من الظّالمين، ولم تُحقّق الأهداف الحسينيّة بقيادة ابنه العظيم مهدي آل محمّد في العالم، فإنّ عبرات المؤمنين الحقيقيّين ومحبّي أهل بيت الرّسالة ستظلّ جارية». [الصّحيح من مقتل الحسين “ع”: ص1369].
#وفي تقديري: إنّ المشكلة الحقيقيّة الّتي تقف أمام الأهداف المنسوبة لحركة الحسين بن عليّ “ع” والّتي آلت إلى مقتله وشهادته وتقف أمام صلاحيّة تسميتها بالثّورة أيضاً، هي: عدم إمكان إثبات هذه الأهداف المذهبيّة المطروحة بطريق حديثيّ علميّ سليم من دون الاستعانة بكبرى الإمامة الإلهيّة وعصمته وعرضهما العريض، كما أنّها تواجه معضلة كبيرة جدّاً وهي: عدم انسجامها مع طبيعة التحرّكات البشريّة الّتي أقدم الحسين بن عليّ “ع” عليها بدءاً من لحظة خروجه من مكّة وحتّى نهاية حياته، لكنّ أصحابنا بدل أن يجعلوا هذه التحرّكات الطبيعيّة البشريّة هي الأصل ويذهبوا إلى إسقاط جميع النّصوص المولودة لاحقاً في تفسيرها، جعلوا الأخيرة هي الأصل وبادروا إلى تحويله إلى ممثّل إلهي بارع كان يعلم بمقتله وشهادته منذ طفولته، وكلّ ما كان يمارسه هو في سبيل إلقاء الحجّة على القوم ليس إلّا، ومن ثمّ نحتوا أهدافاً مثاليّة لحركته ومواءمتها مع الأهداف الّتي فرضوها للمهديّ الغائب من ولده!!
#وبعد قرون من تقدّم العلم وتطوّر أدواته وجدوا أنّ الاستمرار في تمرير مقولة الحسين المُبكي غير نافع ولا يواكب التّطوّرات، فأقدموا على تمرير مقولة إنّ الحسين عِبرة [بالكسر] لا عَبرة [بالفتح]، وحاروا بعدها في كيفيّة توفير نصوص لهذه الفكرة المستحدثة الّتي لم يعكسوها حتّى على مدوّناتهم الفقهيّة بل جعلوها تكليفاً خاصّاً به “ع” أيضاً، فقالوا الجمع أكمل، فصار الحسين عِبرة وعَبرة، مع أنّ فكرة الحسين العَبرة وظّفها بعض أحفاده ورواتهم لأغراض مرحليّة، وفكرة الحسين العِبرة وظّفها بعض أتباعهم من ضيق الخناق ولأسباب كلاميّة مذهبيّة، والصّحيح: إنّ حركة الحسين بن عليّ “ع” ينبغي أن تقدّر بقدرها وتؤخذ في سياق ظروفها ومواضعاتها، فليُتأمّل كثيراً كثيراً عسى أن يوفّقنا الله لفتح البحث في هذه المقفّلات أكثر وأكثر، وهو دائماً من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...