الحسن المثنّى وتنازعه مع عمّه عمر!!

8 ديسمبر 2017
1766
ميثاق العسر

#أهمل علماء الرّجال الشّيعة الإثنا عشريّة الأوائل ذكر حال الحسن المثنّى في تراجمهم وقواميسهم، نعم نصّ المفيد في كتابه الإرشاد على كونه: جليلاً رئيساً فاضلاً ورعاً كان يلي صدقات أمير المؤمنين عليّاً “ع” وذكر خبر مشاركته في واقعة كربلاء واحتماليّة جرحه…إلخ من أمور تقدّم ذكرها [الإرشاد: ج2،ص23]، لكن الغريب وبعد أكثر من مئة صفحة نجد […]


#أهمل علماء الرّجال الشّيعة الإثنا عشريّة الأوائل ذكر حال الحسن المثنّى في تراجمهم وقواميسهم، نعم نصّ المفيد في كتابه الإرشاد على كونه: جليلاً رئيساً فاضلاً ورعاً كان يلي صدقات أمير المؤمنين عليّاً “ع” وذكر خبر مشاركته في واقعة كربلاء واحتماليّة جرحه…إلخ من أمور تقدّم ذكرها [الإرشاد: ج2،ص23]، لكن الغريب وبعد أكثر من مئة صفحة نجد إنّ المفيد ينقل خبراً دراماتيكيّاً لا ندري ما هي صحّته يقرّر: إنّ الحسن المثنّى قد شتم ابن عمّه وأخا زوجته: عليّ بن الحسين السجّاد “ع”، وإنّ الأخير قابله بطريقة مثاليّة فخجّله، الأمر الّذي دعاه إلى الإقرار بذنبه والاعتراف بالخطأ وتقبيل ما بين عينيه [الإرشاد: ج2، ص146]، وهو يتنافى تمام التّنافي مع أوصاف الجلالة والفضل والورع الّتي ساقها له في مطلع ترجمته، نعم حاول بعضهم إلصاق القصّة الأخيرة بالحسن المثلّث ابنه وسيأتي الكلام في حاله لاحقاً.
#وكيف كان يبدو إنّ الحسن المثنّى من مواليد أواسط أربعينيّات القرن الأوّل ولم يعش مع والده سوى سنوات لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، كما إنّ وفاته كما رجّحها بعضهم كانت سنة: “97هـ” ولا صحّة للأخبار الّتي نصّت على دسّ السمّ له من قبل الوليد بن عبد الملك أو سليمان بن عبد الملك كما فصّل الحديث في ذلك المحقّق الشوشتري؛ إذ لو كان الأمر كذلك «لذكره أبو الفرج الأصفهاني في مقاتل طالبيّيه الموضوع لذلك، ولأشار إليه المفيد المتضلّع في الآثار والسّير [حسب تعبيره]» [قاموس الرّجال: ج3، ص213].
#كما نصّ جلّ المؤرّخين على إنّ المتولّي لصدقات عليّ بن أبي طالب “ع” هو الحسن المثنّى، وقد رويت منازعات بينه وبين أقربائه حول تولّي أمر الصّدقات لما تحمله من ريع مالي وافر بالنّسبة لهم، ومن باب المثال: فقد طلب الحجّاج بن يوسف الثّقفي منه ذات يوم أن يُدخل معه في التّولية عمّه عمر بن عليّ بن أبي طالب “ع” باعتباره عمّه وبقيّة أهله فرفض المثنّى ذلك وتمسّك بشرط جدّه فيها النّاصّ على حصر أمرها بأولاد فاطمة “ع”، فأراد الحجّاج فرض ذلك عليه فاشتكاه إلى عبد الملك بن مروان فحكم إلى صالح الحسن المثنّى ومنع غيره من الدّخول معه، وبعد وفاة عبد الملك طلب عمر من الوليد ذلك فرفض أيضاً وقال: «لا أدخل على أولاد فاطمة بنت رسول الله “ص” غيرهم» [الوافي بالوفيات: ج11، ص319].
#وفي سياق الحديث عن عمر بن عليّ الغائب اسماً ومسمّى عن واقعنا الشّيعي المعاصر أجد من الضّروري تقديم إيضاح إجمالي حوله وأعود بعدها إلى أصل الموضوع؛ فقد كان آخر ما ولد لعليّ بن أبي طالب “ع” توأمان: عمر ورقيّة، من الصّهباء التّغلبيّة الّتي هي سبيّة غارة خالد بن الوليد على بني تغلب في ناحية عين تمر القريبة من كربلاء، وقد قيل إنّ من وسم عمر بهذا الاسم هو الخليفة الثّاني عمر بن الخطّاب في قصّة يذكرها بعض المؤرّخين، كما إنّ عمر هذا كان قد قدّم نصيحة لأخيه وابن أبيه الحسين بن عليّ “ع” بعدم الذّهاب إلى الكوفة أيضاً، وبالتّالي فإنّ ما نقله بعضهم وتعارف طرحه من دعوى مشاركته في واقعة كربلاء ومقتله فيها مجرّد وهم لا واقع له كما هو واضح لمن قرأ ترجمته وسيرته وتاريخ وفاته، بل إنّ تخلّفه عن ركب الحسين “ع” منصوص عليه في جملة من المصادر أيضاً.
#أعود للحديث عن الحسن المثنّى وأختم المقال بذلك فقد نصّ المفيد في آخر ترجمته له على إنّ الحسن المثنّى توفّي ولم يدّع الإمامة ولا ادّعاها له مدّع، وهذا هو المرتكز والمقياس المؤسف الّذي يرتكز عليه متكلّمو ورجاليّو ومحدّثو وفقهاء الإثني عشريّة في تقييماتهم وإهمالاتهم؛ مع إنّه مرتكز ومقياس بعدي لا ينبغي المصير إليه في حسم أمثال هذه الأمور؛ حيث لا يسوّغ المصير إلى مرجعيّة كلمات نفس أبناء العمّ في إقصاء توجّهات أبناء عمومتهم في النّزاع حول الإمامة الإلهيّة، وعلينا العودة إلى مرجعيّة فوقانيّة متّفق عليها بين الجّميع في رتبة سابقة؛ فإمامة الإمام كما قرّرنا مراراً لا تثبت لا بروايات مدّعيها ولا بمرويّاته، وهذا باب واسع ينفتح منه ألف باب، فتأمّل واغتنم وسنزيدك إيضاحاً في القريب القادم إن شاء الله.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...