الجاحظ ودوره في وضع الخطبة الفدكيّة!!

1 فبراير 2019
991
ميثاق العسر

#لا يستطيع باحث أن يعرف حقيقة شخصيّة عمرو بن بحر بن محبوب البصريّ المعروف بالجاحظ والمتوفّى سنة: “255هـ” دون أن يقرأ النّصّ الهامّ الّذي كتبه معاصره وتلميذه: عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدّينوريّ المتوفّى سنة: “276هـ”، وقبل أن أنقل كلامه الهامّ في هذا المجال يهمّني أن أؤكّد على نقطة جديرة بالاهتمام مفادها: إنّني لا […]


#لا يستطيع باحث أن يعرف حقيقة شخصيّة عمرو بن بحر بن محبوب البصريّ المعروف بالجاحظ والمتوفّى سنة: “255هـ” دون أن يقرأ النّصّ الهامّ الّذي كتبه معاصره وتلميذه: عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدّينوريّ المتوفّى سنة: “276هـ”، وقبل أن أنقل كلامه الهامّ في هذا المجال يهمّني أن أؤكّد على نقطة جديرة بالاهتمام مفادها: إنّني لا اتّفق مع التّطرّف الّذي يُظهره ابن قتيبة تجاه خصومه في مدرسة الرأي أو غيرهم، ولا مع آرائه الخاصّة الّتي هاجمه بعضهم واتّهمه بالكذب والنّصب بسببها، وإنّما سأقتصر على نقل تقييمه الحسّي لشيخه الجاحظ البصريّ، لا لكونه خصماً لدوداً لتوجّهاته وطروحاته الاعتزاليّة لكي يُقال لا اعتبار بتقييماته، وإنّما لأنّ ما ينقله في هذا الخصوص يتّفق معه فيه حتّى بعض المؤرّخين الإثني عشريّة أيضاً كما نقلنا ذلك سلفاً عن المسعوديّ في مروج الذّهب، خصوصاً: وإنّ الرّجل ـ حسب نصّ الذّهبي ـ لم يتّهمه أحدٌ في نقله. [تاريخ الإسلام: ج6، ص565].
#قال ابن قتيبة في كتابه تأويل مختلف الحديث وهو يصف أستاذه الجاحظ: «هو آخر المتكلّمين، والمعاير على المتقدّمين، وأحسنهم للحجّة استثارة، وأشدّهم تلطّفاً لتعظيم الصّغير حتّى يعظم، وتصغير العظيم حتّى يصغر، ويبلغ به الاقتدار إلى أن يعمل الشّيء ونقيضه، ويحتج لفضل السّودان على البيضان، وتجده يحتج مرّة للعثمانيّة على الرّافضة، ومرّة للزّيديّة على العثمانيّة وأهل السُنّة، ومرّة يفضّل عليّاً “رض” ومرّة يؤخّره… ويعمل كتاب يذكر فيه حجج النّصارى على المسلمين، فإذا صار إلى الرّد عليهم تجوّز في الحجّة؛ كأنه إنّما أراد تنبيههم على ما لا يعرفون، وتشكيك الضّعفة من المسلمين، وتجده يقصد في كتبه للمضاحيك والعبث؛ يريد بذلك استمالة الأحداث وشرّاب النبيذ، ويستهزئ من الحديث استهزاء لا يخفى على أهل العلم… وهو مع هذا: من أكذب الأمة، وأوضعهم لحديث، وأنصرهم لباطل، ومن علم رحمك الله: أنّ كلامه من عمله قلّ إلّا فيما ينفعه، ومن أيقن أنّه مسئول عمّا ألف وعمّا كتب لم يعمل الشيء وضدّه، ولم يستفرغ مجهوده في تثبيت الباطل عنده…». [تأويل مختلف الحديث: ص59].
#وبعد أن عرفنا حقيقة الجاحظ من لسان تلميذه ابن قتيبة نعود إلى الخطبة الفدكيّة لنقرأ حالها على لسان ابن قتيبة أيضاً والّذي نشأ وترعرع في بغداد موطن ولادة الخطبة الفدكيّة وانتشارها، حيث قال وهو يُريد أن يشرح ما ورد في حديث عمر بن الخطّاب: “يا أيّها النّاس لينكح الرّجل منكم لُمَتَه من النّساء ولتنكح المرأة لُمَتَهَا من الرّجال”:
#ومنه قيل في الحديث الموضوع على فاطمة “رحمها الله”: “إنّها خرجت في لُمَة من نسائها تتوطّأ ذيولها حتّى دخلت على أبي بكر فكلمته بذلك الكلام”»، وهنا علّق ابن قتيبة قائلاً: «وقد كنت كتبته [أي الكلام في الخطبة الفدكيّة] وأنا أرى أنّ له أصلاً، ثمّ سألت عنه رجال الحديث فقال لي بعض نقلة الأخبار: أنا أسنّ [أكبر] من هذا الحديث وأعرف من عمله»، وأضاف أيضاً: إنّ سبب وضع هذا الكلام في فدك هو البيتان الشّعريّان المرويّان عن فاطمة “ع” وهي تخاطب أباها “ص” بعد موته متذمّرة [غريب الحديث: ج1، ص590]، وسنتحدّث عن حقيقة هذين البيتين وعن صحّة نسبتهما إلى فاطمة في البحوث الّلاحقة فترقّب.
#وفي نهاية هذا الاستعراض الهامّ الّذي يوقفنا على سياقات وضع الخطبة الفدكيّة يحسن بي التّذكير بنصّ روائيّ هامّ نقله الحاكم النّيسابوريّ المتوفّى: “405هـ”، الحاكم: الّذي يُحكى عنه في وصف ابن قتيبة قوله: “أجمعت الأمّة على أنّ القتيبي كذّاب”، والحاكم: الّذي قال في توصيفه بعضهم: “ثقة في الحديث رافضيّ خبيث؛ شديد التّعصّب للشّيعة في الباطن ويُظهر التّسنّن في التّقديم والخلافة في الظّاهر…”، أجل؛ الحاكم نفسه ينقل ما يتواءم مع ما أفاده ابن قتيبة بوضوح تامّ حيث قال:
#سمعت عبد العزيز بن عبد الملك الأموي يقول: سمعت إسماعيل بن محمد النّحوي يقول: سمعت المحاملي يقول: سمعت أبا العيناء يقول: أنا والجاحظ وضعنا حديث فدك، وأدخلناه على الشّيوخ ببغداد، فقبلوه إلّا ابن أبي شيبة العلوي؛ فإنّه قال : “لا يشبه آخر هذا الحديث أوّله”، فأبى أن يقبله. قال إسماعيل: وكان أبو العيناء يحدّث بهذا بعدما تاب [أو بعد ما مات الجاحظ]». [المدخل إلى معرفة كتاب الإكليل: ص130].
#وممّا تقدّم يتجلّى بوضوح: بعض مرتكزات السّبب الّذي يكمن وراء دفاعنا عن مدّعى وضع ومنحوليّة الخطبة الفدكيّة؛ إذ إنّنا نجعل مثل هذه النّقولات والاعترافات حاكمة على جميع الأسانيد المدّعاة لهذه الخطبة، وندّعي: إنّ قبول عموم شيوخ بغداد لها وتحديثهم بها هو السّبب الأساس الّذي يكمن وراء شيوعها وانتشارها وتكثير الأسانيد لها، وسواء عرفنا ابن أبي شيبة العلويّ الّذي لم يقبل الخطبة بحقٍّ ـ بدعوى عدم انسجام أوّلها مع آخرها ـ أم لم نعرفه فإنّ هذا لا يضرّ بالحقيقة شيئاً؛ خصوصاً مع معروفيّة الجاحظ في وضع كثير من نصوص الأدب ونسبتها إلى غيره من العرب تارة وإلى الأعاجم تارة أخرى.
#ومن هنا قرّرنا فيما تقدّم: إنّ عموم الوثاقة والاتّصال المدّعاة في أسانيد الخطبة الفدكيّة لا تتجاوز ـ بعض الفحص الشّديد ـ لحظة أبي العيناء والجاحظ، نعم؛ بعد أن تمّ التّحديث بهذه الخطبة واشتقّت على أساسها مجموعة من المقولات والأحكام والمواقف العقائديّة الإثني عشريّة فمن غير المعقول حينذاك أن يُصار إلى فحص أساساتها، ومن الطّبيعي جدّاً: أن يُعمد إلى تعميقها وإيصاد أبواب الاعتراض عليها، وهكذا وبتقادم القرون أضحت جزءاً لا يتجزأ من العقائد الإثني عشريّة الّتي تدلّ مضامينها ومفرداتها على صحّة انتسابها كما يقول الجهّال، فليُتأمّل كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...