التّكرار القرآني ومبنى عدم اهتمام السّماء!!

7 أكتوبر 2020
162
ميثاق العسر

#حينما تُعطي للباحث المؤدلج نصّاً وتقول له: هذا نصّ سماويّ حتّى في طريقة كتابته وجمعه، فمن الطّبيعي أن يُقاتل قتال الأبطال في سبيل تصحيح وتأويل كلّ ما يُتراءى منه من مشاكل في مختلف السّياقات، لكنّك إذا أخبرته بأنّ هذا النصّ قد كُتب وجُمع بأيادٍ بشريّة ووفقاً لآليّات بدائيّة جدّاً، فإنّ أوّل احتمال يأتي في ذهنه […]


#حينما تُعطي للباحث المؤدلج نصّاً وتقول له: هذا نصّ سماويّ حتّى في طريقة كتابته وجمعه، فمن الطّبيعي أن يُقاتل قتال الأبطال في سبيل تصحيح وتأويل كلّ ما يُتراءى منه من مشاكل في مختلف السّياقات، لكنّك إذا أخبرته بأنّ هذا النصّ قد كُتب وجُمع بأيادٍ بشريّة ووفقاً لآليّات بدائيّة جدّاً، فإنّ أوّل احتمال يأتي في ذهنه إذا ما رأى مشكلة ما هو: أنّها راجعة إلى كتبته وجامعيه، قبل الوصول إلى الاحتمالات الأخرى.
#ولكي نقرّب هذه الفكرة نضرب مثالاً:
#جاء في الآية: “58ـ59” من سورة البقرة ما يلي: «وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية؛ فكلوا منها حيث شئتم رغداً، وادخلوا الباب سُجّداً وقولوا: حطّة؛ نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين، فبدّل الّذين ظلموا قولاً غير الّذي قيل لهم، فأنزلنا على الّذين ظلموا رجزاً من السّماء بما كانوا يفسقون».
#وجاء في الآية: “161ـ162” من سورة الأعراف ما يلي: «وإذ قيل لهم: اسكنوا هذه القرية، وكلوا منها حيث شئتم، وقولوا: حطّة، وادخلوا الباب سجّداً؛ نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين، فبدّل الّذين ظلموا منهم قولاً غير الّذي قيل لهم، فأرسلنا عليهم رجزاً من السّماء بما كانوا يظلمون».
#ومن الواضح أنّ هناك تكراراً وتبديلاً وإضافةً حين المقارنة بين هذه الآيات؛ فالأولى بدأت بقوله: “وإذ قلنا ادخلوا”، والثّانية بقوله: “وإذ قيل لهم اسكنوا”، كما حملت الأولى: “رغداً”، وخلت الثّانية منها، والأولى قدّمت دخول الباب والسّجود وقول حطّة، والثّانية: أخّرت ذلك وقدّمت قول حطّة عليهما، وأضافت الأولى واواً قبل فعل “سنزيد”، وفقدت الثّانية ذلك، وكانت آخر الأولى “يفسقون”، بينما كان في الثّانية “يظلمون”.
#وحينما تُراجع كلمات المفسّرين المؤدلجين تُصاب بالصّداع والدّوار والذّهول بسبب مقاتلتهم في سبيل بيان الأسرار البلاغيّة لهذا التكرّر وتبديل هذه الكلمات والتّقديم والتّاخير، ولهم الحقّ في مثل ذلك؛ لأنّهم توهّموا: أنّ هذه النّسخة الواصلة من القرآن هي حاصل اهتمام سماويّ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فمن الطّبيعي أن يُقاتلوا في سبيل تبرير مثل هذه النّصوص، وهذا هو المسار الحصريّ السّائد لا غير.
#أمّا على المبنى المختار والّذي يقرّر: أنّ السّماء لم تكن مهتمّة ولا جادّة ولا مكترثة بتحويل المادّة الصوتيّة القرآنيّة النّازلة أو الصّادرة في فترة نيّفت على العشرين سنة إلى مادّة مكتوبة مقروءة فضلاً عن نيّتها للحكم بدستوريّتها الدّائميّة لجميع العباد والبلاد حتّى نهاية الدّنيا، وإنّما أُقدم على أصل هذا الأمر إثر بدعة طرحها الخليفة الثّاني عمر بن الخطّاب وهكذا حتّى توّجت في آخر المطاف بمصاحف عثمان بن عفّان الّتي عمّمها على الأمصار، أقول بناءً على هذا المبنى فالأمر واضح لا سترة فيه؛ لأنّ مثل هذا التّكرار ـ بل والتّقديم والتأخير والتّبديل ـ ربّما كان طبيعيّاً جدّاً في سياق مهمّة رسول كان يُمارس دور الوعظ والإرشاد واستذكار الماضي في بياناته وتوجيهاته وفي مواطن وأزمنة مختلفة فيقرأ الآيات ويُعيدها، لكن حينما يُراد تحويل هذه الموادّ الصّوتيّة المسموعة إلى مواد مكتوبة مقروءة فمن الطّبيعي أن يُصار إلى حذف هذه المكرّرات مهما كان هدفها ومهما كانت طبيعتها، لكن حيث إنّ السّماء لم تكن مهتمّة بذلك، وكانت النيّة والآليّات بشريّة بامتياز، فمن الطّبيعي أن يحصل ذلك، ولا حاجة لاستنزاف الوقت والطّاقات الهائلة جدّاً في تفسير وتأويل هذه الأمور الواضحة وضوح الشّمس، فليُتأمّل كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر
#القرآن_البعدي


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...