التّبعيض في النّصائح آفة خطيرة!!

1 يونيو 2018
1060
ميثاق العسر

#قبل أيّام وقبيل شهر رمضان المبارك تحديداً انتقد السيّد محمد رضا السيستاني بشدّة ممارسات طلاب الحوزة النجفية المنافية لقدويّتهم وأسويّتهم بين النّاس، وحثّ ـ كما هو مبنى والده الظّاهري “حفظه الله” ـ على ضرورة أن يتحلّى طلّاب الحوزة بحياة التّواضع وجشوبة العيش ويبتعدوا عن الدّعة والارستقراطيّة؛ لأنّ هذا هو الّذي يعمّق الدّين في قلوب غالب […]


#قبل أيّام وقبيل شهر رمضان المبارك تحديداً انتقد السيّد محمد رضا السيستاني بشدّة ممارسات طلاب الحوزة النجفية المنافية لقدويّتهم وأسويّتهم بين النّاس، وحثّ ـ كما هو مبنى والده الظّاهري “حفظه الله” ـ على ضرورة أن يتحلّى طلّاب الحوزة بحياة التّواضع وجشوبة العيش ويبتعدوا عن الدّعة والارستقراطيّة؛ لأنّ هذا هو الّذي يعمّق الدّين في قلوب غالب النّاس وليس الدّليل، ومع فقدانه “نجد قسماً متزايداً من شبابنا الأعزاء يتّجهون نحو الأفكار المناهضة للدّين الحنيف والعقيدة الصّحيحة، والسبب الرئيس في ذلك هو سوء أداء من ادّعوا التّديّن، وتسنّموا المناصب والمواقع، وفشلوا في أداء مهامّهم، بل أفسدوا فساداً كبيراً”.
#وعطف كلامه منتقداً صنفاً من رجال الدّين ممّن “يبنون بيوتاً فخمة أو يركبون سيّارات فارهة أو يشترون أمتعة وبضائع راقية بمشهد ومرأى من الطّبقات المحرومة من المجتمع”؛ فإنّ هذا الأمر سيكون له تأثيراً سيّئاً للغاية على موقع الدّين في نفوس النّاس وليس على مكانة نفس رجل الدّين؛ كما شدّد النّكير بحزم على ما يُحكى له من انسياق طلّاب الحوزة الشّباب وراء الزّواج المؤقّت “المتعة”، وعدّ هذا الأمر مؤسفاً جدّاً؛ لما فيه من ضرر بالغ على سمعة الحوزة لدى الآخرين، مستشهداً برواية ضعيفة السّند جدّاً وفقاً لمختاره، استظهر منها الحكم الولائي تتضمّن تحريم الصّادق “ع” المتعة على بعض أصحابه؛ لأنّه يخاف أن يؤخذا فيضربا ويُشهّر بهما، فيقال: هؤلاء أصحاب جعفر، وعمّم ملاك التّحريم إلى طلّاب الحوزة أيضاً!! وختم كلامه أخيراً بالقول: «يجدر بمن لا يجد في نفسه القدرة على تحمل المتاعب والمصاعب أو لا يتمكّن من ضبط نفسه والصمود أمام المغريات، أو لا يتيسر له ضبط أفراد عائلته والحدّ من تصرفاتهم غير المناسبة لشأن عوائل الحوزويين، أن يسلك طريقاً آخر في هذه الحياة».
#وفي الوقت الّذي أحيّي فيه هذه الجرأة والاهتمام بالشأن الحوزويّ، وأسأله تعالى أن يوفّقه لما فيه الخير وصلاح الحوزة، لكنّي أشعر بالقرف حينما ألاحظ تبعيضاً فاضحاً في تقديم النّصائح، من هنا أجد من الّلازم أن أعلّق على كلامه “حفظه الله” بتعليقات عاجلة:
#التعليق الأوّل: كنت أتمنّى على سماحته أن يعمّم هذه النّصائح على وكلاء ومعتمدي السيد الوالد في مختلف بقاع العالم دون انتقاء وتبعيض، بل وعلى من هو في بطانته وعنايته من الأساتذة والفضلاء الكرام؛ ممّن يمتلكون البيوت والسيّارات الفارهة في النّجف وغيرها، ويذهبون للتّبضع السّنوي إلى الدّيار المقدّسة، وبحصص المساكين من أبناء الشّعب العراقي.
#التّعليق الثّاني: كنت أتمنّى عليه أيضاً أن يترجم هذه النّصائح عمليّاً ليمنع من صرف رؤوس الأموال الكبيرة والضّخمة من الأخماس والأثلاث وغيرها على مشاريع مرجعيّة مستقبليّة، وبناء مدراس ومؤسّسات فارغة وإقامة مؤتمرات فاشلة، ومُدن سياحيّة ومذابح وغيرها، ممّا له الأثر الكبير في اشمئزاز النّاس من الدّين ودعاته أكبر من تمتّع طالب الحوزة.
#التّعليق الثّالث: كان بودّي أن أذكّر سماحته بالوكالة الّتي أصدرها سماحة السيّد الوالد “حفظه الله” بعد تسعة أيّام من وفاة المرحوم الخوئي لنجل الأخير، والّتي لولاها لما تعرّضت سمعة الحوزة العلميّة في النّجف إلى طعنة عميقة جدّاً لم تتعاف منها حتّى الّلحظة، وذهبت بسببها أموال المرجعيّة الطّائلة إلى فلان وفلان تحت ذرائع سيطول وقوف من كان سببها يوم القيامة، وفي هذا السّياق رأينا كيف إنّ سماحة السّيّد المتحدّث والّذي ينتقد دعة العيش لبعض طلّاب الحوزة كيف شارك في حفل افتتاح مدارس ضخمة تُكرّس لأمثال هذه الظّواهر بقوّة؛ في سياق موبقة التّوازنات الحوزويّة سيّئة الصّيت.
#التّعليق الرّابع: إنّ التّحريم الصادر من الصّادق “ع” بناءً على ثبوته لا يرتبط بالمتعة باعتبارها متنفساً جنسياً حصرياً لمن يحتاجها، بل لكونها تُعدّ من السّفاح عند عموم المسلمين في ذلك الوقت ولا زالت أيضاً، ولا شكّ إنّ ممارسة أحد من المحسوبين عليه لها ستؤدّي إلى تعميق الهوّة بينهم وبين عموم المسلمين، ولا يعني ذلك إغلاق أصل هذا المتنفّس من قنوات أخرى لها نفس السّمعة السّيئة في واقعنا المعاصر، وإلّا لكان على نفس الصّادق “ع” أن لا يستخفّ بعض جواريه فتصعد الغيرة عند زوجته فتحلق شعرها، وأن لا يقصر معظم ولده من بعده استيفاء حاجاتهم الطّبيعيّة على التّسرّي بالجواري والإماء؛ لأنّ مجرّد سماع عموم الإثني عشريّة المعاصرين بذلك يوجب سخطاً على الدّين ودعاته وممثّليه؛ لذا نسمع من هنا وهناك نصائح بعدم نشر ذلك.
#التّعليق الخامس: إنّ النّظرة السّلبيّة والسّوداويّة للزّواج المؤقّت وعدّه أشبه بالسّفاح لا يختصّ بغير الإثني عشريّة من الفرق الإسلاميّة، بل هي كذلك حتّى في عموم الأوساط الإثني عشريّة؛ وبالتّالي فدعوى تحريمها ولائيّاً انتقائيّاً استناداً إلى هذه النّصوص الضّعيفة لا يحمل براءة نيّة على الإطلاق، وعلينا بغية براءة الذّمة أن نذهب صوب الأساسات الكلاميّة والفقهيّة لدعاتها لتفحّص الحال.
#التّعليق السّادس: لعلّ ظرافة مرتكزات هذه النّصوص تتجلّى حينما نقرأ ما رواه شيخ المحدّثين الإثني عشريّة المجلسيّ “الإبن” حينما نقل قولاً عن جماعة من أصحابنا على حدّ تعبيره مفاده: إنّ العلّة في نهي الصّادق “ع” عن المتعة في الحرمين أنّ أبان بن تغلب كان أحد رجاله ورواة حديثه “ع”، فتزوّج أمرأة بمكّة وكان كثير المال، فخدعته المرأة حتّى أدخلته صندوقاً ثمّ بعثت إلى الحمّالين فحملوه إلى باب الصّفا وقالوا له هناك: يا أبان هذا باب الصّفا، ونريد أن ننادي عليك: هذا أبان بن تغلب أراد أن يفجر بإمرأة!! فافتدى نفسه بعشرة آلاف درهم، وحينما بلغ ذلك الصّادق “ع” قال لهم: وهبوها لي في الحرمين، أي أتركوا المتعة في الحرمين لأجلي [بحار الأنوار: ج100، ص311]. وهذا يعني: إنّ المساومة على هذه الأمور وفضح النّاس ليست وليدة للتّكنولوجيا المعاصرة كما يتوهّم الواهمون؛ بل لها جذور إسلاميّة تضرب في العمق للأسف الشّديد.
#وأخيراً أدعو سماحته كما دعا الآخرين أيضاً: إذا كنتم غير قادرين على السّيطرة على أداء ممثّليكم ووكلائكم ومعتمديكم ومن هو في بطانتكم، فعليكم أن تتركوا أمر المرجعيّة لغيركم ممّن هو قادر على ذلك؛ فجشوبة العيش ليست أن لا تمتلك بيتاً أو سيّارة فارهتين باسمك في العقار أو المرور، بل أن لا تكون جميع هذه الأمور رهن إشارتك وتحت تصرّفك وبدون حواجز أو قيود… وإذا مرضت فهو يشفين، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر
#حوزويّات


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...