التمثيل التكويني عند الطباطبائي صاحب الميزان

31 مارس 2012
3713
ميثاق العسر

سمعنا من البعض تهكماً على صاحب الميزان يقول فيه إن الطباطبائي يعتقد إن قصة آدم ليست إلا تمثيليّة لا تمتلك واقعاً خارجيّاً، وهو أمر أثار حفيظتنا وأوجب حيرتنا، فما هو الواقع وما هي الحقيقة؟


يرى الطباطبائي (صاحب الميزان) إن قصّة تعليم الأسماء لآدم والأمر الإلهي للملائكة بالسجود له ليست قصّة خارجية تحققّت في يوم من الأيام، بل هي من باب التمثيل التكويني؛ وهو ينطلق في ذلك من رؤية أعمق تستند إلى الآيات المفتاحيّة والتوحيديّة وإلى الفهم العام للآيات وروح القرآن الكريم، ومن هنا يصدق ما نُقل عنه من القول: إذا سنحت الفرصة فساستنبط عموم القرآن ومعارفه من خلال سورة صغيرة.
فرغم أن قصّة آدم والملائكة وإبليس قد جاءت بصيغة تشريعية من خلال أمر مولوي، لكنها تمثيل تكويني طُرح بطريقة القصّة من باب الاستعانة بالتمثيل لبيان الحقائق وإيضاح المعارف، وهذا لا يعني عدم وجود مطابق واقعي لهذه القصّة أو أنها من اختراعات الذهن فقط، بل يعني ذلك إعادة طرح الحقائق العقلية والمعارف الغيبة من خلال المشاهدة والحسّ، وهذا شبيه بما ورد في سورة الحشر عندما نصّ القرآن الكريم: لَوْ أَنزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ( 1)، والمعني من ذلك هو أن الجبال لا يمكن لها تحمّل القرآن، وإلا فإن القرآن لم ينزل على جبل، ولم تصدّع الجبال أيضاً.
أو نظير ما ورد في نهاية سورة الأحزاب: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا( 2)؛ فعملية العرض هذه ليست واقعية بمعنى تحقّق عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال فبقيت متحيّرة، بل هي تمثيل يفيد أن الأمانة أو أصلها ذات وزن ثقيل بحيث أن السماوات والأرض والجبال لا يمكن أن تتحمّلها، وإن الإنسان له قابلية تحملها فقط، لا أن هذه القصة قد حدثت في الواقع الخارجي ويبحث حينذاك عن كون الأمر الذي فيها تكويني أو تشريعي.
أما البيان التي تسوقه مدرسة العلامة الطباطبائي كدليل على تمثيلية هذه القصة فهو كالتالي:
لا يخلو الأمر بالسجود من حالتين:
1ـ أن يكون أمراً تشريعياً؛ وهو واضح البطلان؛ لأن الأمر التشريعي بالنسبة للملائكة ـ والذين يعدّون أهم مخاطب بهذا الأمر ـ لا معنى له؛ لأن مثل هذا الأمر يقتضي إمكانية العصيان فيه، وثبوت الجزاء في حالة الامتثال، مع أن الوعد والوعيد والتبشير والإنذار التشريعي لا مكان له في عالم الملائكة؛ لعدم وجود تكليف لديهم كي يكونوا قادرين على عصيانه والتمرّد عليه أو امتثاله، نعم يمكن أن يخاطب ابليس بهذا الأمر، لكن المخاطب الأصلي بهذا الخطاب هم الملائكة فلا يمكن أن يكون الفرد الأقل مخاطباً بالأصل والفرد الأكثر مخاطباً بالتبع.
2ـ أن يكون أمراً تكوينياً، وهو باطلٌ أيضاً؛ لأنه لو كان كذلك لما أمكن لإبليس أن يتمرّد ويعصي؛ لأن جميع عالم الإمكان خاضع لأمر الله التكويني ولا يمكن أن نتصور عصياناً فيه، قال تعالى: (فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ)( 3)، وكل ما يريده الحقّ تعالى تكويناً لابد وأن يتحقّق (=إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)(4 )، والفاء في مفردة (فَيَكُونُ) هي لترتّب الوجود على الإيجاد وترتّب المعلول على العلة، وهي من قبيل ترتّب حركة المفتاح على حركة اليد لا تفيد التأخير الزماني، فلو كان أمر الملائكة بالسجود أمراً تكوينياً لم يمكن العصيان والتمرّد لأحد من المخاطبين بذلك.
ومن الممكن أن يقال: ما هو الإشكال فيما إذا فرضنا أن الأمر تكويني بالنسبة للملائكة وتشريعي بالنسبة لابليس؟!
والجواب: اختلفت كلمات المفسرين في إجابة هذا الإشكال على أربعة أقوال، نظير: أن الأمر بالأساس متوجّه للمخاطبين الأكثر وهم (الملائكة)، وهو يسري إلى المخاطبين الأقل وهو (ابليس) أيضاً، والتفكيك بين ماهية الأمر الواحد يحتاج إلى دليل مستقل وهو مفقود هنا.
وبعد أن أبطلنا تشريعية الأمر وتكوينيته يقال: أن قصة السجود لآدم وتعليمه الأسماء مجرد تمثيل يراد من وراءه أن يقال: أن الملائكة في هذا العالم هي في خدمة الإنسان، وأن إبليس ليس إلا قاطع طريق أمامهم، وإن الإنسان العالم الواعي يمكنه أن يصل إلى الممثّل من خلال هذا المثال، قال تعالى: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ)(5 ).
قال الطباطبائي في الميزان: والقصة وإن سيقت مساق القصص الاجتماعية المألوفة بيننا، وتضمنت أمراً وامتثالاً وتمرداً واحتجاجاً وطرداً ورجماً وغير ذلك من الأمور التشريعية والمولوية، غير أن البيان السابق على استفادته من الآيات يهدينا إلى كونها (تمثيلاً للتكوين)، بمعنى أن إبليس على ما كان عليه من الحال لم يقبل الامتثال أي الخضوع للحقيقة الإنسانية فتفرعت عليه المعصية، ويشعر به قوله تعالى: «فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها»؛ فإن ظاهره أن هذا المقام لا يقبل لذاته التكبر فكان تكبره فيه خروجه منه و هبوطه إلى ما هو دونه( 6).
وقال في مكان آخر: أن القصة بما تشتمل عليه بصورتها من الأمر والامتثال والتمرد والطرد وغير ذلك وإن كانت تتشبه بالقضايا الاجتماعية المألوفة فيما بيننا، لكنها تحكي عن جريان تكويني في الروابط الحقيقية التي بين الإنسان والملائكة وإبليس، فهي في الحقيقة تبيّن ما عليه خلق الملائكة وإبليس وهما مرتبطان بالإنسان، وما تقتضيه طبائع القبيلين بالنسبة إلى سعادة الإنسان وشقائه، و هذا غير كون الأمر تكوينياً.
فالقصة قصة تكوينية مُثّلت بصورة نألفها من صور حياتنا الدنيوية الاجتماعية، كملك من الملوك أقبل على واحد من عامة رعيته لما تفرّس منه كمال الاستعداد وتمام القابلية، فاستخلصه لنفسه وخصّه بمزيد عنايته، وجعله خليفته في مملكته مقدماً له على خاصته ممن حوله، فأمرهم بالخضوع لمقامه والعمل بين يديه، فلباه في دعوته وامتثال أمره جمع منهم، فرضي عنهم بذلك، وأقرهم على مكانتهم، واستكبر بعضهم؛ فخطّأ الملك في أمره، فلم يمتثله معتلاً بأنه أشرف منه جوهراً، وأغزر عملاً، فغضب عليه، وطرده عن نفسه، وضرب عليه الذلة والصغار؛ لأن الملك إنما يطاع ملك بيده زمام الأمر، وإليه إصدار الفرامين والدساتير، وليس يطاع لأن ما أمر به يطابق المصلحة الواقعية، فإنما ذلك شأن الناصح الهادي إلى الخير و الرشد( 7).
وليس البيان المتقدّم جديداً في كلمات المفسرين، فقد طُرح وتداول الحديث عنه واختياره في كثير من القصص القرآنية، لكن الطباطبائي قعّد ونظّر لهذا الموضوع في إطار رؤية فلسفية عرفانية، فقد نقل ابن كثير في ذيل الآية الكريمة: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُون….نقل قولاً عن ابن جريح عن عطاء قائلاً: هذا مثل( 8).
ونقل الفخر الرازي عن أبي مسلم المتوفي في القرن الرابع من الهجرة قولاً في ذيل قصة قتل إبراهيم عليه السلام للطيور وتقطيع رؤوسهن مفاده: إن إبراهيم عليه السلام لما طلب إحياء الميت من اللّه تعالى أراه اللّه تعالى مثالاً قرّب به الأمر عليه…والغرض منه ذكر مثال محسوس في عود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة(9 ).
وأوضح من ذلك ما ذُكر في تفسير المنار في نفس قصة آدم عليه السلام؛ حيث أشار فيها صاحب المنار إلى أن سنّة الله تعالى جرت في كتابه على إبراز الأشياء المعنوية في قوالب عبارات لفظية، ويجلي لنا المعارف المعقولة بالصور المحسوسة تقريباً للأفهام، وتسهيلاً للإعلام، ومن هذه القصّة عرفنا بقيمة أنفسها، وما أودعته فطرتنا، مما نتماز به على غيرنا من المخلوقات، فعلينا أن نجتهد في تكميل أنفسها بالعلوم التي خُلقنا مستعدين لها من دون الملائكة وسائر الخلقة لتظهر حكمة الله فينا، ولعلنا نُشرف على معنى إعلام الله الملائكة بفضلنا، ومعنى سجودهم لأصلنا، (وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)( 10).
ونختتم كلامنا بنصّ أحد طلاب مدرسة الطباطبائي الفلسفية وهو الشيخ مرتضى المطهري يطرح من خلاله رؤيته العامة حول هذا الموضوع فيقول: إذا جعلنا القرآن الكريم لوحده ملاكاً نلاحظ أن قصّة آدم ذكرها بطريقة رمزية، وعندما نقول ذلك فلا نعني أن (آدم) الذي ورد أسمه في القرآن ليس له مصداق خارجي؛ وذلك: لأن الرمز هو نوع الإنسان لا فرده، وممّا لا شك أن لآدم الأول وجوداً عينياً خارجياً، وإنما نعني من كلامنا المتقدّم: أن القرآن طرح قصّة آدم من حيث السكن في الجنة وإغواء الشيطان والطمع والحسد وخروجه من الجنة وتوبته… بنحو رمزي، والنتيجة التي يريد القرآن استفادتها من ذلك لا تتعلّق بطريقة خلق آدم المحيّرة… بل إن ما أراد القرآن الكريم استفادته من هذه القصّة يتعلّق بالمقام المعنوي للإنسان ويتعلّق بسلسلة من المسائل الأخلاقية( 11).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الحشر، الآية: 21.
(2) سورة الأحزاب، الآية: 72.
(3) سورة فصّلت، الآية: 11.
(4) سورة يس، الآية: 82.
(5) سورة العنكبوت، الآية: 43.
(6) الميزان في تفسير القرآن: ج8، ص23ـ24.
(7)الميزان في تفسير القرآن، ج‏8، ص: 27ـ28.للوقوف على هذه النظرية وشرحها لاحظ: تفسير تسنيم، الشيخ جوادى الآملي:ج3، ص288.
(8) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير: ج1، ص503.
(9) مفاتيح الغيب، الفخر الرازي: ج7، ص38.
(10) تفسير المنار، محمد رشيد رضا: ج1، ص264.
(11) علل گرايش به ماديگردي، الشيخ مرتضى المطهري: ج1، ص515.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...