الباقر “ع” وأسئلة المتعة المحرجة!!

23 أغسطس 2020
123
ميثاق العسر

#روى الكليني المتوفّى سنة: “329هـ” بإسناده الصّحيح عنده وعندهم، عن زرارة بن أعين إنّه قال: «جاء عبد الله بن عمير الليثي إلى أبي جعفر “ع” فقال له: ما تقول في متعة النّساء؟ فقال [أبو جعفر “ع”]: أحلّها الله في كتابه، وعلى لسان نبيه “ص”؛ فهي حلال إلى يوم القيامة. فقال [الّليثي]: يا أبا جعفر مثلك […]


#روى الكليني المتوفّى سنة: “329هـ” بإسناده الصّحيح عنده وعندهم، عن زرارة بن أعين إنّه قال: «جاء عبد الله بن عمير الليثي إلى أبي جعفر “ع” فقال له: ما تقول في متعة النّساء؟ فقال [أبو جعفر “ع”]: أحلّها الله في كتابه، وعلى لسان نبيه “ص”؛ فهي حلال إلى يوم القيامة. فقال [الّليثي]: يا أبا جعفر مثلك يقول هذا وقد حرّمها عمر ونهى عنها؟ فقال: وإن كان فعل. قال: إنّي أعيذك بالله من ذلك أن تحلّ شيئاً حرّمه عمر. قال [زرارة]: فقال له [الباقر “ع”]: فأنت على قول صاحبك وأنا على قول رسول الله “ع”، فهلمَ أُلاعنك أن القول ما قال رسول الله “ص”، وأنّ الباطل ما قال صاحبك؟! قال [زرارة]: فأقبل عبد الله بن عمير، فقال [للباقر “ع”]: يسرّك أنّ نساءك وبناتك وأخواتك وبنات عمّك يفعلن؟ قال [زرارة]: فأعرض عنه أبو جعفر “ع” حين ذكر نساءه وبنات عمه». [الكافي: ج5، ص449؛ تهذيب الأحكام: ج7، ص250].
#وتعقيباً على هذه الرّواية أقول: كنت ساتفهّم تماماً إعراض الباقر “ع” عن إجابة مثل هذا السّؤال المحرج وانزعاجه منه وتكدّر خاطره لأجله، نعم؛ كنت ساتفهّم ذلك تماماً وأمنحه الحقّ أيضاً؛ وذلك لو كانت المتعة مسألة مباحة فقط على طريقة إباحة شرب عصير الزّبيب، حيث يمكن للإمام أن يكتفي بشرب الماء ويبتعد عنه، ولكنّ ما يدعونا للتّأمّل كثيراً والتّفكير طويلاً هو: أنّه مع نجله جعفر الملقّب بالصّادق “ع” لا يعتقدان بإباحتها فقط، بل ينصّان على أنّها من أفضل القربات والطّاعات، ونصوص حثّهما عليها ودفعهما لأصحابهما نحوها وتسويغهما ما لا يسوّغ اجتماعيّاً وأُسريّاً في سبيلها متوفّرة ومبثوثة في مظانّها، فإذا كان الأمر كذلك فما هو المسوّغ والمبرّر لتمنّع الباقر “ع” عن إجابة مثل هذا السّؤال الجادّ والضّروري، وكان عليه أن يجيب الّليثي بالقول: لا مانع من فعل نسوتي وبنات عمّي ذلك؛ فهذا من أفضل القربات، وبهذه الطّريقة يصبح هذا النّوع من الزّواج مسألة محمودة وطبيعيّة، ولا يحقّ للمؤمن بالمرجعيّة الفقهيّة لأئمّة أهل البيت الاعتراض أو الاستحياء من تداوله أو مهاجمة المرأة الّتي تمتهنه، لكنّ هذا لم يحصل!!
#دعونا نستذكر بعض النّصوص المرويّة عن الباقر “ع” في هذا الخصوص ونترك نصوص نجله جعفر “ع” لمناسبة أخرى فنقول: روى الصّدوق المتوفّى سنة: “381هـ” بإسناده الصّحيح عنده، عن صالح بن عقبة، عن أبيه، إنّه قال للباقر “ع”: «للمتمتع ثواب؟ قال [الباقر “ع”]: إن كان يريد بذلك وجه الله تعالى وخلافاً على من أنكرها لم يكلّمها كلمة إلّا كتب الله تعالى له بها حسنة، ولم يمدّ يده إليها إلّا كتب الله له حسنة، فإذا دنا منها غفر الله تعالى له بذلك ذنباً، فإذا اغتسل غفر الله له بقدر ما مرّ من الماء على شعره. قلت: بعدد الشّعر؟! قال: نعم؛ بعدد الشعر». [من لا يحضره الفقيه: ج3، ص463].
#كما أرسل الصّدوق نفسه مضموناً جزميّاً قطعيّاً عنده إلى الباقر “ع” إنّه قال: «إنّ‌ النّبي‌ “ص” لمّا أُسري‌ به‌ إلى السّماء، قال:‌ لحقني جبرئيل‌ “ع” فقال:‌ يا محمد إنّ‌ الله‌ تبارك‌ وتعالى يقول:‌ إنّي قد غفرت‌ للمتمتّعين‌ من‌ أمتك‌ من‌ النّساء». [المصدر السّابق نفسه].
#وهنا من حقّ الّليثي أن يُعيد السّؤال على الباقر “ع” بعد أن أسمعه أمثال هذه النّصوص المرويّة عنه: فكيف يمكن أن نقنع النّاس بالمتعة وبثوابها العظيم وأنت تتمنّع عنها لناموسك؟!
#نعم؛ بعد خراب البصرة، وتحوّل المتعة إلى ظاهرة خطيرة بدأت انعكاساتها وضغوطاتها السّلبيّة تضرب في داخل البيت العلويّ الحسيني بدأت بعض نصوصهم تكرّهها على استحياء وخجل، لكنّ الفقهاء العارفين بالبئر وغطاه موضعوا هذه النّصوص الأخيرة في محلّها المناسب صناعيّاً انسياقاً مع قواعد الجمع المذهبيّة المعروفة، من دون أن يؤثّر ذلك في أصل استحباب المتعة وكون أصل حليّتها من ضروريّات المذهب، فتأمّل كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...