الاشتباهات المنهجيّة القاتلة في تراث محمّد الصّدر!!

21 نوفمبر 2019
299
ميثاق العسر

#يحسب المرحوم محمّد الصّدر المستشهد سنة: “1419هـ” أنّ تكثير الاحتمالات الفرضيّة والوهميّة في إجابة بعض الاعتراضات العلميّة الجادّة سيؤدّي إلى إسقاط هذه الاعتراضات وإفقادها قيمتها العلميّة على طريقة إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال، وعلى هذا الأساس: ملأ كتبه في مختلف الميادين بطرح الاحتمالات والفروض وتكثيرها، وكأنّه حسب إنّ ذلك سوف يثبت وقوع أصل الواقعة أو […]


#يحسب المرحوم محمّد الصّدر المستشهد سنة: “1419هـ” أنّ تكثير الاحتمالات الفرضيّة والوهميّة في إجابة بعض الاعتراضات العلميّة الجادّة سيؤدّي إلى إسقاط هذه الاعتراضات وإفقادها قيمتها العلميّة على طريقة إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال، وعلى هذا الأساس: ملأ كتبه في مختلف الميادين بطرح الاحتمالات والفروض وتكثيرها، وكأنّه حسب إنّ ذلك سوف يثبت وقوع أصل الواقعة أو العقيدة محلّ البحث حتّى وإن كان الدّليل الّذي أقيم عليها هزيلاً أو لم يكن له وجود أصلاً، مع أنّ الصّحيح: أن يعمد الباحث الجادّ قبل طرح أيّ احتمال إلى إثبات أصل وقوع القضيّة أو العقيدة بدليل معتبر، وبعد ذلك يبدأ بطرح الاحتمالات في طبيعة وقوعها وتفسيرها إذا كان أصل الدّليل الّذي دلّ عليها يُساعد على ذلك، ومن غير ذلك تكون الاحتمالات المطروحة أشبه بالتّرف الفكري لا غير.
#وبغية ذكر مثال بسيط على الاشتباهات المنهجيّة للمرحوم محمّد الصّدر ـ واشتباهاته المنهجيّة كثيرة ـ نُشير إلى ما ذكره “رحمه الله” في الخطبة العاشرة من خطب الجمعة الّتي ألقاها في مسجد الكوفة عام”1419هـ” حول موضوع زيارة الأربعين وإصراره على عودة الرّكب الحسينيّ إلى كربلاء في تاريخ العشرين من شهر صفر؛ حيث خصّص جزءاً كبيراً من الخطبة إلى إجابة ما سمّاه بالسّؤال أو الإشكال عن زيارة الأربعين واصفاً إيّاه بالبسيط، ومفاده: عدم معقوليّة ذهاب الوفد الحسيني أو ما يسمى بسبايا الحسين “ع” إلى الكوفة ثمّ إلى الشّام، ثمّ عودتهم إلى كربلاء ومن ثمّ إلى المدينة في مدّة أربعين يوماً، ونصّ على أنّ هذا السّؤال عُرض ولا زال معروضاً، وأودّ تسجيله مع الجواب عليه ولو باختصار نسبيّاً.
#وفي مقام الإجابة على هذا الاعتراض بادر المرحوم محمّد الصّدر على طريقته إلى طرح وتكثير الوجوه والاحتمالات، مدّعياً إنّ واحداً منها إذا صدق كفى في ردّ الشّبهة وإن صدقت جميعها فبها ونعمت، سأبدأ بذكر أهمّ وجوهه المطروحة من خلال عرضها في نقاط، وابادر لتسجيل ما يمكن تسجيله عليها من ملاحظات بشكل عاجل وسريع أيضاً، وأترك الافتراضات الخياليّة الأخرى الّتي طرحها لوضوح جوابها:
#النّقطة الأولى: أفاد المرحوم محمّد الصّدر أنّ المسافة بين دمشق الحاليّة وكربلاء وإن كانت حوالي ألفي كيلو متراً، لكنّ صاحب الاعتراض لا يقدّر سرعة الأفراس والإبل الّتي كانت تُستخدم في تلك العصور؛ حيث يحسبها بطيئة ممّا هي عليه حقيقة، مع أنّ بإمكانها أن تنجز سفراً معتدّاً به في مدّة قليلة أيضاً، وساق بعد ذلك مجموعة شواهد وافتراضات خياليّة لتقريب هذه الفكرة؛ مدّعياً أنّ الرّكب الحسينيّ كان يقطع ما يقدّر بمئة وخمسين كيلو متراً في اليوم الواحد بحيث يصل مجموع أيّام الطّريق ذهاباً وإياباً إلى خمسة وعشرين يوماً، والخمسة عشر الباقية كانوا قد قضوها في الكوفة والشّام مثلاً؛ حيث لم يثبت ـ عنده ـ مكوثهم أكثر من ذلك.
#ويُلاحظ عليه:
#أوّلاً: إنّ إثبات عودة الرّكب الحسينيّ إلى كربلاء في تاريخ العشرين من صفر أو عدم عودتهم لا يُعالج بالاحتمالات الفرضيّة الخياليّة من أجل تصحيح الواقع المذهبيّ المتأخّر الّذي يُريد أن يثبّت بشتّى الطّرق وصوله في هذا التّاريخ حتّى وإن لم يرد ذلك في كلمات المؤرّخين والمحدّثين، بل ينبغي أن يُدار فيه مدار الدّليل المعتبر، ومع كونه ينفي مرورهم بكربلاء ـ كما ثبت ذلك في نقل الطّبريّ والمفيد عن أبي مخنف والمؤيّد بكلمات الطّوسي أيضاً ـ فلا مبرّر لطرح احتمالات فرضيّة خياليّة في سبيل ذلك.
#ثانياً: لم يُشر ولا مؤرّخ أو محدّث واحد من المتقدّمين إلى أنّ الرّكب الحسينيّ كان قد وصل إلى كربلاء في تاريخ العشرين من صفر أصلاً لكي يبادر المرحوم الشّهيد محمّد الصّدر إلى طرح مثل هذه الافتراضات الخياليّة في تفسير كيفيّة وصوله بل ما جاء مُسنداً وصحيحاً يُنافي ذلك تماماً، وقد جاءت فكرة لقاء الرّكب الحسينيّ مع جابر بن عبد الله الأنصاريّ من دون تحديد يوم العشرين من صفر كتاريخ لذلك في التّراث البدوي للسيّد عليّ بن طاووس المتوفّى سنة: “664هـ” وفي مثير الأحزان لإبن نما المتوفّى سنة: “645هـ” وتبعهم المقلِّدة على ذلك، لذا كان المفترض بالمرحوم الشّهيد أن يبادر إلى ذكر الكلمات بشكل سليم، لا أن يُصادر على الفكرة بهذه الطّريقة المذهبيّة المعيبة ويفترض أنّ وصولهم في هذا التّاريخ أمر مسلّم به دون نقاش، وهذه واحدة من أهمّ مشاكله المنهجيّة “رحمه الله”.
#ثالثاً: إنّ عدم معقوليّة عودة الرّكب الحسينيّ في تاريخ العشرين من صفر إلى كربلاء ليس إشكالاً عابراً أو سهلاً كما وصفه المرحوم محمّد الصّدر، بل كان يؤرّق الكبار الّذين طرحوا فكرة عودتهم في هذا التّاريخ أيضاً ومنهم ابن طاووس كما سننقل كلماته، ولهذا استقتل خاتمة المحدّثين الإثني عشريّة النّوري المتوفّى سنة: “1320هـ” على عدم معقوليّته في كتابه المغمور الّلؤلؤ والمرجان والحقّ معه في ذلك، لذا كان ينبغي على المرحوم محمّد الصّدر أن يُراجع الكلمات قبل ذكر افتراضاته المذهبيّة المعتمدة على ذاكرته ومسموعاته.
#النّقطة الثّانية: حاول المرحوم محمّد الصّدر تعميق افتراضاته من خلال النّظر إلى مسافة القصر الشّرعيّة في الفقه الإثني عشريّ وهي: ثمانية فراسخ، ونصّ على أنّها كانت تعادل مسافة الجمال في نهار يوم كامل كما أشارت لذلك الرّوايات، وأفاد بأنّ هذا حال الجمال المحمّلة بالأثقال، فكيف إذا كانت خفيفة ولم يستقلّها سوى شخص أو شخصان حسب افتراضه، وبالتّالي: فسيكون قطعها للطّريق أسرع، أمّا إذا قلنا إنّها كانت تجدّ السّير في الّليل والنّهار فستتضاعف المسافة الّتي تقطعها دون شكّ وريب، وعليه: فإنّ احتمال وصول الرّكب الحسينيّ إلى الشّام وعودته في هذا التّاريخ معقولة جدّاً، بعد افتراض أنّه كان يقطع مئة وخمسين كيلو متراً في اليوم الواحد!!
#ويُلاحظ عليه:
#أوّلاً: إنّ الاحتمالات في هذه المواطن إنّما يكون لها قيمة إذا ما كانت تمتلك شواهد روائيّة مؤيّدة لا الاحتمالات الفرضيّة الخياليّة المذهبيّة، وإذا أردنا الانسياق مع لغة النّصوص فإنّ ما ورد في تراث ابن طاووس نفسه يدفع ذلك، ويؤكّد أنّ الجمال والبغال الّتي حُمل الرّكب الحسينيّ عليها كانت شائخة وهزيلة لا قدرة لها على هذا المقدار من المشي المذهبيّ أصلاً؛ فقد نقل ابن طاووس عن كتاب المصابيح بإسناده إلى الصّادق “ع” قوله: «قال لي أبي محمد بن علي: سألت أبي علي بن الحسين عن حمل يزيد له فقال: حملني على بعير يطلع بغير وطاء، ورأس الحسين “ع” على علم، ونسوتنا خلفي على بغال أكفّ، والفارطة خلفنا وحولنا بالرّماح، ان دمعت من أحدنا عين قرع رأسه بالرمح، حتّى إذا دخلنا دمشق صاح صائح: يا أهل الشّام هؤلاء سبايا أهل البيت الملعون». [إقبال الأعمال: ج3، ص89]، فإذا كان الأمر كذلك كيف تمكّن المرحوم الشّهيد الصّدر أن يفترض أنّ هذه الجمال والبغال كانت قادرة على قطع مسافة مئة وخمسين كيلو متراً في اليوم الواحد؟! إن هذا إلّا عجب عجاب!!
#ثانياً: إنّنا حتّى لو آمنا أنّ المتعارف عليه في تلك الأزمان أن تقطع الجمال والبغال المتعارفة مسافة تقدّر بـ”44″ كيلو متراً تقريباً في بياض اليوم، لكنّ هذا لا يعني إيماننا بإمكانيّة أن تقطع المسافة نفسها في سواد اليوم أيضاً؛ فهذه الجمال والبغال تحتاج إلى استراحة كي تواصل السّير بالمسافة نفسها في اليوم التّالي بطبيعة الحال، ولا يمكن إرهاقها بهذه الطّريقة الفرضيّة أصلاً،وعليه: فإنّ قطع مسافة ألفي كيلو متراً بناءً على هذا المقياس يتمّ في مايقرب من خمسين يوماً متواصلة فكيف إذا أردنا حساب فترة مكوثهم في الكوفة والشّام مثلاً؟! لذا فدعوى وصولهم إلى الشّام في عشرة أيّام أو ما يزيد بقليل مجازفة علميّة صرفة.
#ثالثاً: إنّ السيّد عليّ بن طاووس نفسه قد ناقش فكرة وصول الرّكب الحسينيّ في تاريخ العشرين من صفر ولم يقبلها أصلاً لعدم معقوليّتها [إقبال الأعمال: ج3، ص100؛ بحار الأنوار: ج101، ص335]، وعلى هذا الأساس فكيف تجاوز المرحوم الشّهيد محمّد الصّدر كلّ هذه الاعتراضات والنّقولات وبادر لتحويل المسألة إلى أصل مسلّم لا خلاف فيه مثلاً، أ لم يكن الأجدر به المراجعة والفحص قبل هذا الارتجال؟!
#النّقطة الثّالثة: بعد أن طرح المرحوم محمّد الصّدر وجوهه المتقدّمة وعدّها صحيحة في نفسها حاول التنزّل عن ذلك ليطرح أجوبة أخرى من قبيل: إنّ وصولهم إلى كربلاء في تاريخ العشرين من صفر كان بالمعجزة وما يُسمّى بطيّ الأرض؛ وذلك لأنّ هذه الخصوصيّة موجودة ـ حسب تعبيره ـ لجملة من الأولياء والصّالحين والأوصياء، وهم أولى من يتّصف بها، ولعلّ ذلك بمشيئة إلهيّة تحدث لمصلحة خاصّة أو عامّة ترتبط بهم، فيكفي أنّنا نسمع في الرّواية أنّهم وصلوا خلال أربعين يوماً، وربّما يكون ذلك بطيّ الأرض، والاحتمال دافع للاستدلال!!
#ويُلاحظ عليه: إنّ الّلجوء لمثل هذه الفرضيّات المذهبيّة فرع قيام الدّليل على أصول وقوعها، أمّا افتراض أصل وقوعها من خلال أوهام مذهبيّة ولدت لاحقاً ومن ثمّ الّلجوء لتفسيرها أو توجيهها بهذه الطّريقة فهو أمر يتنافى تمام التّنافي مع طبيعة البحث العلميّ المعقول، وإلّا جاز لكلّ الأديان والمذاهب الصّحيحة والباطلة أن تصحّح مبادئها وقناعاتها وطقوسها وممارساتها عن هذا الطّريق.
#النّقطة الرّابعة: عدّ المرحوم عبّاس القمّي تاريخ العشرين من صفر كيوم أربعين الحسين بن عليّ “ع”، لكنّه عاد وقرّر أنّ هذا اليوم هو يوم ورود حرم الحسين “ع” إلى المدينة [كما في النّسخة المعرّبة خطأً] ويوم ورود جابر إلى كربلاء أيضاً حسب رأي الشّيخين، ويقصد بهما: المفيد والطّوسي كما يعرف ذلك من قرأ عبائرهما في مسار الشّيعة ومصباح المتهجّد والّتي نبّهنا لها في دراسات سابقة، لكنّ المرحوم الشّهيد محمّد الصّدر ارتكب أخطاء فادحة في نقله وفهمه لعبارة المرحوم عبّاس القمّي في مفاتيح الجنان ألخّصها في النّقاط التّالية:
#أوّلاً: حسبَ أنّ المرحوم القمّي يُريد أن يقول إنّ يوم العشرين من صفر هو يوم الأربعين على قول الشّيخين، وجعل العبارة الّتي بعدها استئنافيّة لا علاقة لها بكلام الشّيخين!!
#ثانياً: فسّر الشّيخين بالصّدوق والطّوسي!!
#ثالثاً: عمد إلى اتّهام القمّي بكونه يدّعي أنّ الحرم الحسيني قد وصل إلى المدينة في يوم العشرين من صفر، قائلاً: «ويقول الوصول الى المدينة وليس الى كربلاء، في حين أنّ الرواية تنص على أنّهم وصلوا الى كربلاء وبقيت مسافة المدينة غير محسوبة كما أشرت قبل قليل [!!]»، ولا ندري أيّ رواية أشار إليها المرحوم محمّد الصّدر والّتي نصّت على أنّ الحرم الحسيني كان قد وصل إلى كربلاء في تاريخ العشرين من صفر وهو لم يُشر إلى أيّ رواية أصلاً وإنّما افترضها افتراضاً من عنديّاته؟!
#وأخيراً: نوّهنا فيما مضى من دراسات إلى أنّ ظاهر عبارة المفيد والطّوسي أنّ تاريخ العشرين من صفر هو تاريخ عودة حرم الحسين “ع” من الشّام إلى المدينة، لا تاريخ وصولهم إلى المدينة كما استظهر ذلك ابن طاووس وتبعه القمّي وغيره أيضاً، فراجع ولا نعيد، والظّاهر أنّ نسبة هذا الاستظهار إلى القمّي سببه خطأ التّرجمة، وإلّا فالأصل الفارسيّ لكتابه مفاتيح الجنان لا يوجد فيه مثل هذا الفهم أصلاً.
#فتحصّل ممّا تقدّم: إنّ أكبر أزمات المرحوم الشّهيد محمّد الصّدر المعرفيّة هي هذه الطّريقة من الافتراضات والمصادرات من غير مراجعة وفحص وتدقيق وتوظيفها في غير ميدانها؛ لأنّ مثل هذه المصادرات إنّما يُصار إليها في حالة ما إذا ثبّت أصل وقوعها بدليل معتبر، أو إذا توفّرت شواهد روائيّة على وقوعها أيضاً، أمّا إذا كان المرحوم الشّهيد يُريد أن يطرح احتمالات فرضيّة وهميّة خياليّة من دون إتعاب نفسه في مراجعة التّراث الرّوائيّ فسيكون حال احتمالاته كما ترى، ولو كلّف نفسه “رحمه الله” وراجع المنقول في هذا الخصوص من خلال تراث الطّبري والمفيد لما طرح جميع هذه التّمحّلات، لكنّه اعتمد على مقتل المرحوم عبد الرزّاق المقرّم ومسموعاته في المجالس اليوميّة حسب الظّاهر، والمؤسف: أنّي لم أجد جرأةً من أحدٍ من محبّيه على مناقشته وكأنّهم يفترضون أنّ تراثه وطروحاته “رحمه الله” أشبه بالنصوص العلميّة الرّياضيّة الّتي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها مع أنّه مملوء بالمصادرات والافتراضات الخياليّة، وهذه من أكبر مآسينا في العراق الجديد، فليُتأمّل كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر
#الحسين_المذهبي


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...