الاستفتاءات وكاشفيّتها عن مستوى وعي أصحابها!!

3 ديسمبر 2019
326
ميثاق العسر

#ثمّة مؤشّرات حقيقيّة وموضوعيّة يكتشف الإنسان من خلالها وعي المجتمعات والمناطق والبلدان أيضاً، ومن أهمّها: طبيعة الأسئلة والاستفتاءات المُقدّمة من قبلهم لمراجع تقليدها؛ فهي الّتي توضّح اهتماماتها وتبيّن حجم علمها وسعة وضيق أفقها أيضاً، وتكشف أيضاً: عن الأسباب الّتي تجعل ذوي المآرب الدّينيّة والسّياسيّة تستغل هذه المجتمعات وتستغفلها وتبتزّها. #سأستعين باستفتاء خطّي يتوفّر لديّ، وسأحجب […]


#ثمّة مؤشّرات حقيقيّة وموضوعيّة يكتشف الإنسان من خلالها وعي المجتمعات والمناطق والبلدان أيضاً، ومن أهمّها: طبيعة الأسئلة والاستفتاءات المُقدّمة من قبلهم لمراجع تقليدها؛ فهي الّتي توضّح اهتماماتها وتبيّن حجم علمها وسعة وضيق أفقها أيضاً، وتكشف أيضاً: عن الأسباب الّتي تجعل ذوي المآرب الدّينيّة والسّياسيّة تستغل هذه المجتمعات وتستغفلها وتبتزّها.
#سأستعين باستفتاء خطّي يتوفّر لديّ، وسأحجب اسم المنطقة الّتي انبثق منها كي لا نثير الحسّاسيّات أوّلاً، ولكون طبيعة الاستفتاء لا تختصّ بمنطقة محدّدة دون أخرى، بل هي ظاهرة قد تحصل بشكل متكرّر في مجتمعاتنا العراقيّة وغيرها أيضاً.
#وصل للمرجع الأعلى للطّائفة الإثني عشريّة الأسبق أعني المرحوم محسن الحكيم المتوفّى سنة: “1390هـ” استفتاء من أحد وكلائه في بعض المناطق يتحدّث عن مسألة عاجلة وصلت له ويطلب إجابة سريعة منه، وجاء في الاستفتاء ما يلي:
#سيّدي آية الله الأعظم سماحة آية الله الحكيم “دام ظلّه”، بعد السّلام على حضرتك وتقبيل أياديكم الكريمة، مرافعة يُدّعى فيها المدّعي: بأنّ ابن جاره البالغ إثنا عشر سنة من العمر وطأ سخلة له، ويطلب من أب الطّفل غرامة البهيمة، وقد رأوا الطّفل جالساً من البهيمة مجلس الفاعل، ولكن لا كالميل في المكحلة، والطّفل المتّهم يُنكر ذلك، ويطلب أب المتّهم من المدّعي اليمين بالعبّاس “سلام الله عليه” ليدفع إليه الغرامة، فما التّكليف وقد أمرناهم فعلاً بترك النّسخة إلى أن يأتينا رأي حضرتكم هذا، ويُرجى دفع الجواب سريعاً لقطع النّزاع، والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته… “1388هـ”».
#ورغم ظرافة الاستفتاء وكاشفيّته الحقيقيّة عمّا عنيناه في هذه السّطور، لكنّ المرحوم محسن الحكيم أجابه دون تردّد وقال: «إذا ثبت أنّ الطّفل قد فعل بالبهيمة ما فعل كانت الغرامة عليه لا على أبيه، فإن لم يكن له مال لم يجب على الأب دفع الغرامة عنه، وإذا لم يثبت فلا حقّ لمالك البهيمة عليه، وليس له أن يُحلّف أب الطّفل بالعبّاس “ع”، كما أنّه ليس لأب الطّفل أن يحلّف صاحب البهيمة به؛ فإنّ اليمين لا تكون إلّا بالله، فإن حلف أبو الطّفل على نفي الفعل برئ الطّفل، وإن ردّ اليمين على صاحب البهيمة فحلف لزم الطّفل الغرامة إن كان له مال، وإلّا ينتظر وقت التّمكّن، والله كان العالم العاصم، والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته…».
#اعتقد أنّ هذه الحكايات وإن آلت للانقراض في مناطقنا لكنّها موجودة بعمق بنحو آخر دون شكّ وريب، ولأجل هذا ينبغي على النّخب الواعية بمختلف صنوفها أن تبادر لزرع الوعي ونشر الفكر في أمثال هذه المجتمعات بغية تطويرها وتوسيع آفاقها؛ كي لا تكون فريسة سائغة لذوي المآرب الدّينيّة والسّياسيّة وهم كُثر في أيّامنا وعراقنا، ولو كنت مكان المرحوم محسن الحكيم لأرسلت بمعيّة جواب الاستفتاء مبلغ السّخلة لصاحبها أيضاً؛ لأخجّله وأقرّعه أوّلاً وأزيد من وعيه ثانياً، فليُتأمّل كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...