الإمام العرفاني والإمام الرّوائي!!

12 أبريل 2018
279
ميثاق العسر

#قيل للمرحوم محمّد حسين الطّباطبائي “صاحب الميزان” يوماً: «إنّ الشيخ محمّد تقي الشوشتريّ صاحب كتاب “قاموس الرجال” ألّف كتاباً في إثبات سهو الأئمّة “ع” وخطأهم؟! فقال على الفور: ليس لهذا الضّرب من الكتب قيمة علميّة [!!]؛ فالإمام لا يخطئ». فقیل له: «[لقد] جمع فيه أخباراً بعضها صحيحة السند؟!» فأجاب: «كيفما كانت فهي مرفوضة؛ إنّ الإمام […]


#قيل للمرحوم محمّد حسين الطّباطبائي “صاحب الميزان” يوماً: «إنّ الشيخ محمّد تقي الشوشتريّ صاحب كتاب “قاموس الرجال” ألّف كتاباً في إثبات سهو الأئمّة “ع” وخطأهم؟! فقال على الفور: ليس لهذا الضّرب من الكتب قيمة علميّة [!!]؛ فالإمام لا يخطئ». فقیل له: «[لقد] جمع فيه أخباراً بعضها صحيحة السند؟!» فأجاب: «كيفما كانت فهي مرفوضة؛ إنّ الإمام لا يخطئ» [معرفة الإمام، محمّد حسين الطّهراني: ج‏14، ص:119].
#وتعليقاً على هذا الإجابة العاجلة من المرحوم الطّباطبائي بودّي أن أسجّل بعض الملاحظات العاجلة أيضاً:
#الأولى: ينطلق المرحوم الطّباطبائي وعموم مقلّديه العجم والعرب من رؤية فلسفيّة عرفانيّة تضع الإمام في دائرة مواصفات ومقاسات خاصّة، ويُدّعى أيضاً إنّ البرهان عندهم قائم عليها، وعلى هذا الأساس فحينما يشاهد المرحوم الطّباطبائي ومقلّدوه روايات تتناقض مع هذه المواصفات والمقاسات يسعون لتأويلها، وإن لم يتمكّنوا فليس لهم مانع من ضربها عرض الجدار مهما كان سندها سليماً؛ وذلك لأنّهم يعتقدون إنّ كلّ ما يخالف دليل ومؤدّى رؤيتهم الفلسفيّة العرفانيّة فهو زخرف، وهذا هو مبنى الجواب العاجل من المرحوم الطّباطبائي.
#الثّانية: مع إغماض الطّرف عن حقّانيّة مثل هذه الرّؤية الفلسفيّة والعرفانيّة وعن تماميّة دليلها، لكنّا نعتقد إنّ تطبيقها على مصاديق الأئمّة الإثني عشر المعروفين عند الشّيعة لا يخلو من نظر؛ وذلك لأنّ هذه الرؤّية تصطدم مع الواقع الخارجي الثّابت بقطعيّة عنهم “ع” والمتسانخ مع بشريّته المفروضة؛ وبالتّالي: فخير دليل على بطلان الملزومات بطلان الّلوازم.
#الثّالثة: إذا كانت مواصفات الإمام بقالبها الفلسفي والعرفاني تصطدم مع مواصفات الإمام الخارجي الّتي ثبت اتّصافه بها بدليل معتبر وتنسجم انسجاماً تامّاً مع بشريّته أيضاً فعلينا في مثل هذه الحالة: إمّا أن نرفع اليد عن تماميّة تلك المواصفات ذات القالب الفلسفي والعرفاني، وإمّا: أن نرفع اليد عن مصداقها المشهور عندنا ونبحث عن مصداق آخر؛ إذ إنّ تماميّة البرهان الفلسفي والعرفاني على نظريّة لا يعني تماميّته على انحصار مصداقها فيما نراه مذهبيّاً.
#الرّابعة: إذا كان هناك إصرار من المرحوم الطّباطبائي ومقلّديه على إنّ هؤلاء الإثني عشر “ع” هم المصاديق الحتميّون لنظريّتهم الفلسفيّة والعرفانيّة للإمام ومواصفاته فعليهم أن يقدّموا برهاناً فلسفيّاً وعرفانيّاً لإثبات انطباق نظريّتهم عليهم “ع”، أو أن يقدّموا شاهداً روائيّاً سليماً على ذلك شريطة أن يأخذوا كبرى: “إنّ إمامة الإمام لا تثبت برواياته ولا بمرويّاته” بعين الاعتبار، كما أوضحنا ذلك في دراسات سابقة.
#الخامسة: حينما يُصار إلى بيان الشّواهد الرّوائيّة لإثبات المصداق الفلسفي والعرفاني فينبغي الّلجوء حينذاك إلى مقياس تاريخيّ رجاليّ واقعيّ لتصحيح صدور هذه الشّواهد الرّوائيّة، لا أن يجعلوا مقياس صحّتها وسقمها هو مقدار تطابقها مع رؤيتهم الفلسفيّة والعرفانيّة الّتي تولّدت لاحقاً؛ فلم يثبت بدليل استحالة أن يضع الرّواة الكذّابون روايات لا تتطابق مع الرؤية الفلسفيّة والعرفانيّة كي يكون توافرها في المجامع الرّوائيّة كافياً للجزم بصدورها.
#السّادسة: على المرحوم الطّباطبائي ومقلّديه أن يقدّموا تفسيراً معقولاً للنّصوص الرّوائيّة المعتبرة عندهم والّتي تدحض أصل نظريّتهم أو تدحض انطباقها، ومن غير ذلك فالأفضل لهم أن يبقوا نظريّتهم في عالم المفاهيم دون حصرها في قوالب مذهبيّة معيّنة كما هو حال موطنها الأصلي الّذي ولدت فيه.
#السّابعة: الصّحيح في رأينا أن تُجعل الأفعال والأقوال الثّابتة عنهم “ع” مناراً لبناء نظريّة عنهم مع أخذ بشريّتهم بعين الاعتبار، أمّا إنّهم هم المصداق الحصري للنّظريّة الفلسفيّة والعرفانيّة فهذا ما يعزّ إثباته، والله وراء القصد.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...