الأوهام المذهبيّة في دفن الحسين “ع”!!

13 سبتمبر 2019
48
ميثاق العسر

#حكى ابن جرير الطّبريّ المتوفّى سنة: “310هـ” عن كتاب أبي مخنف المتوفّى سنة: “157هـ” بإسناده عن حميد بن مسلم قوله: «دفن الحسين وأصحابه: أهل الغاضرية من بني أسد، بعدما قتلوا بيوم» [تاريخ الطّبريّ: ج5، ص455]، وأكّد رئيس الطّائفة الإثني عشريّة المفيد المتوفّى سنة: “413هـ” هذا القول أيضاً وقال: «ولما رحل ابن سعد خرج قوم من […]


#حكى ابن جرير الطّبريّ المتوفّى سنة: “310هـ” عن كتاب أبي مخنف المتوفّى سنة: “157هـ” بإسناده عن حميد بن مسلم قوله: «دفن الحسين وأصحابه: أهل الغاضرية من بني أسد، بعدما قتلوا بيوم» [تاريخ الطّبريّ: ج5، ص455]، وأكّد رئيس الطّائفة الإثني عشريّة المفيد المتوفّى سنة: “413هـ” هذا القول أيضاً وقال: «ولما رحل ابن سعد خرج قوم من بني أسد كانوا نزولاً بالغاضرية إلى الحسين وأصحابه “رحمة الله عليهم”؛ فصلوا عليهم، ودفنوا الحسين “ع” حيث قبره الآن، و دفنوا ابنه علي بن الحسين الأصغر عند رجليه، وحفروا للشّهداء من أهل بيته وأصحابه الّذين صرعوا حوله مما يلي رجلي الحسين “ع” وجمعوهم فدفنوهم جميعاً معاً، ودفنوا العباس بن علي “ع” في موضعه الّذي قتل فيه على طريق الغاضرية حيث قبره الآن». [الإرشاد: ج2 ، ص114].
#وعلى هذا: فما قيل بأنّ ولده عليّ الملقّب بالسجّاد “ع” هو من قام بذلك هو: فرية مذهبيّة متأخّرة جاءت في سياق فرية كلاميّة أكبر وأعمق تقرّر: “إنّ الإمام لا يدفنه إلّا إمام”، وقد روّجت لها الفرقة الواقفيّة الّتي كانت تدّعي بأنّ موسى الكاظم “ع” هو المهديّ القائم المنتظر؛ وقد كانت لديها على مدعى الوقف مبرّرات كثيرة تدّعي صحّتها ومنها هذه الفرية؛ وذلك لأنّ الكاظم “ع” توفّي في بغداد وكان ولده عليّ الملقّب بالرّضا “ع” في المدينة ولم يحضر للصّلاة عليه ودفنه.
#لكنّ المؤسف: إنّ الواقع الإثني عشريّ المعاصر وببركة المنابر الكريمة بدأ بإقناع نفسه بهذه الفرية في خصوص دفن الحسين بن عليّ “ع”، وأخذ يصدّق بأنّ السجّاد “ع” قد غادر الكوفة بعناية سماويّة إلى كربلاء من أجل ذلك، وبدأت المشاهد التّمثيليّة والتّشابيه المُقامة في هذا اليوم تُسهم في تعميق ذلك وتأصيله في صمت مُطبق للفقهاء والمراجع إزاء ذلك، وهو أمر ليس بغريب؛ إذ يقع في إطار التّخادم الفاضح بينهم وبين هذه الأصناف المنبريّة.
#ولو رجعنا إلى عقود قليلة ماضية نلاحظ: إنّ من يتحمّل مسؤوليّة نشر هذه الفرية ـ أعني دفن السجّاد “ع” للأجساد ـ في الأوساط المنبريّة الإثني عشريّة العربيّة في القرن الأخير هو المرحوم عبد الرزّاق المقرّم المتوفّى سنة: “1389هـ”؛ حيث قال في مقتله: «وفي اليوم الثّالث عشر من المحرم أقبل زين العابدين لدفن أبيه الشهيد “ع”؛ لأنّ‌ الإمام لا يلي أمره إلاّ إمام مثله؛ يشهد له مناظرة الإمام الرضا مع علي بن أبي حمزة، فإنّ‌ أبا الحسن [الرّضا] “ع” قال له: أخبرني عن الحسين بن علي كان إماماً؟ قال: بلى، فقال الرضا: فمن ولي أمره‌؟ قال ابن أبي حمزة: تولاه علي بن الحسين السجّاد، فقال الرضا: فأين كان علي بن الحسين‌؟ قال ابن أبي حمزة: كان محبوساً بالكوفة عند ابن زياد، ولكنّه خرج وهم لا يعلمون به، حتّى ولي أمر أبيه، ثمّ انصرف إلى السجن. فقال الرضا: “إن من مكّن علي بن الحسين أن يأتي كربلاء فيلي أمر أبيه ثمّ ينصرف، يمكّن صاحب هذا الأمر أن يأتي بغداد فيلي أمر أبيه وليس هو في حبس ولا إسار». [مقتل الحسين: المقرّم: ص319].
#وبعد أن أرجع في الهامش مصدر هذه المناظرة إلى إثبات الوصيّة المنسوب كذباً للمسعوديّ المؤرّخ لا لرجال الكشّي قرّر إنّه قد جمع الأخبار الدالّة على أنّ الإمام لا يدفنه إلّا إمام في كتاب آخر له، وبدأ باستعراض مذهبيّات عميقة قائلاً: «ولعل النّكتة فيه أنّ جثمان المعصوم عند سيره إلى المبدأ الأعلى بانتهاء أمد الفيض الإلهي يختص بآثار منها: أن لا يقرب منه من لم يكن من أهل هذه المرتبة؛ إذ هو مقام قاب قوسين أو أدنى، ذلك المقام تقهقر عنه الروح الأمين وعام النبي “ص” وحده في سبحات الملكوت. وليست هذه الدعوى في الأئمة بغريبة بعد أن تكوّنوا من الحقيقة المحمديّة، وشاركوا جدّهم في المآثر كلّها إلا النّبوة والأزواج كما في المحتضر للحسن بن سليمان الحلي، وهذه أسرار لا تصل إليها أفكار البشر، ولا سبيل لنا إلى الإنكار بمجرد بعدنا عن إدراكها ما لم تبلغ حد الاستحالة، وقد نطقت الآثار الصحيحة: بأنّ للأئمة أحوالاً غريبة ليس لسائر الخلق الشركة معهم، كإحيائهم الأموات بالأجساد الأصلية، ورؤية بعضهم بعضاً، وصعود أجسادهم إلى السّماء، وسماعهم سلام الزائرين لهم، وقد صادق على ذلك شيخنا المفيد في المقالات…إلخ». [مقتل الحسين، المقرّم: ص319].
#وبعد أن أوضح المرحوم المقرّم شواهد مدّعاه الباطل في حضور السجّاد “ع” إلى كربلاء من أجل الدّفن استمرّ في استعراض هذه الفرية ليضيف إليها توابل وأكاذيب منبريّة معروفة تُعدّ من مخلّفات الدّولة الصّفويّة ليقول: «ولما أقبل السجّاد “ع” وجد بني أسد مجتمعين عند القتلى متحيرين لا يدرون ما يصنعون، ولم يهتدوا إلى معرفتهم، وقد فرّق القوم بين رؤوسهم وأبدانهم، وربما يسألون من أهلهم وعشيرتهم!! فأخبرهم “ع” عمّا جاء إليه من مواراة هذه الجسوم الطاهرة، وأوقفهم على أسمائهم، كما عرّفهم بالهاشميين من الأصحاب، فارتفع البكاء والعويل، وسالت الدّموع منهم كلّ مسيل، ونشرت الأسديات الشّعور ولطمن الخدود. ثمّ مشى الإمام زين العابدين إلى جسد أبيه واعتنقه وبكى بكاءاً [بكاءً] عالياً وأتى إلى موضع القبر ورفع قليلاً من التّراب فبان قبر محفور وضريح مشقوق، فبسط‍‌ كفّيه تحت ظهره وقال: بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملّة رسول…إلخ». [المصدر السّابق نفسه].
#أقول: لا أريد أن أذكر شيئاً حول الأباطيل المذهبيّة الّتي سردها المرحوم المقرّم في هامشه ناقلاً إيّاها عن غيره؛ إذ حملت بحوثنا السّابقة مئات الصّفحات في بيان تهالكها، وإنّها من مظاهر وتجليّات أيّام ولادة المذاهب وصراع البيت العلويّ فيما بينهم من أجل إثبات الذّات في القرن الثّاني فما بعد، وإنّ محاولة تطبيق هذه المظاهر والتجليّات على الأشخاص المولودين قبلها كعليّ ونجليه “ع” هي محاولة بعديّة غير موفّقة والدّليل قائم على خلافها، أقول: لا أريد أن أذكر شيئاً حول ذلك وسأغمض الطّرف عنه وأحيله إلى محلّه، ولكنّ ما ورد في المناظرة المحكيّة عن الرّضا “ع” مع زعماء الفرقة الواقفيّة فهو مع تهالكه السّندي عندهم من قبيل الإجابة الجدليّة الّتي تسعى لإلزام الخصم بما ألزم به نفسه ليس إلّا؛ وإلّا فالواقع التّاريخيّ المؤكّد يؤكّد أنّ جملة من الأئمة ماتوا ولم يكن أبناؤهم معهم، وصلّي عليهم ودُفنوا من قبل غيرهم، وهذا من الواضحات المؤكّدات، فاخرج من دهليزك المذهبيّ واستثمر الجوهرة الّتي منحك الله إيّاها للتّفكير والتّأمّل؛ عسى أن يفتح الله عليك آفاق العلم والتّنوير؛ كي لا تكون حطباً في مشاريع الاستغفال، وهو دائماً من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...