الأكاذيب المشهورة في مقتل العبّاس بن عليّ!!

8 سبتمبر 2019
42
ميثاق العسر

#ثمّة صورة نمطيّة غارقة في البطولة والشّجاعة والمثاليّة إلى حدّ الّلا معقول راكزة في وعينا الإثني عشريّ المعاصر عن العبّاس بن عليّ وبطولاته في كربلاء، وببالغ الأسف أقول: إنّ هذه الصّورة لا واقع حقيقيّ لها، وإنّما هي وليد المصادر المنبريّة المتأخّرة أو الموهوم تقدّمها، والفاقدة لأيّ إسناد أو اعتبار كما نبّهنا في دراسات سابقة، ويعود […]


#ثمّة صورة نمطيّة غارقة في البطولة والشّجاعة والمثاليّة إلى حدّ الّلا معقول راكزة في وعينا الإثني عشريّ المعاصر عن العبّاس بن عليّ وبطولاته في كربلاء، وببالغ الأسف أقول: إنّ هذه الصّورة لا واقع حقيقيّ لها، وإنّما هي وليد المصادر المنبريّة المتأخّرة أو الموهوم تقدّمها، والفاقدة لأيّ إسناد أو اعتبار كما نبّهنا في دراسات سابقة، ويعود بعضها إلى طبيعة البطولات الشّعبيّة الّتي تتغنّى بالأبطال وتنحت صوراً مثاليّة عنهم.
#وبغية تعميق خطأ هذه الصّورة والتّفريق جيّداً بين العبّاس بن عليّ الحقيقيّ وبين العبّاس المذهبي يحسن بنا الوقوف على أهمّ حكاية مشهورة ومنشورة ومتداولة من على المنابر منذ بضعة قرون، ويندر ألّا تجد واعظاً إلّا ويذكرها في ليلة السّابع من المحرّم وفي قراءة المقتل يوم عاشوراء أيضاً حتّى أضحت من المحفوظات، ونصّها كما نقلها شيخ المحدّثين الإثني عشريّة المجلسي المتوفّى سنة: “1110هـ” في بحار الأنوار ما يلي:
#أنّ العبّاس لما رأى وحدته “ع”، أتى أخاه، وقال: يا أخي، هل من رخصة؟ فبكى الحسين “ع” بكاءً شديداً، ثمّ قال: يا أخي، أنت صاحب لوائي، وإذا مضيت تفرّق عسكري، فقال: العباس قد ضاق صدري، وسئمت من الحياة، وأريد أن أطلب ثأري من هؤلاء المنافقين. فقال الحسين “ع”: فاطلب لهؤلاء الأطفال قليلاً من الماء. فذهب العبّاس ووعظهم، وحذرهم، فلم ينفعهم فرجع إلى أخيه فأخبره، فسمع الأطفال ينادون: العطش العطش، فركب فرسه، وأخذ رمحه والقربة، وقصد نحو الفرات، فأحاط به أربعة آلاف، ممّن كانوا موكّلين بالفرات، ورموه بالنّبال، فكشفهم، وقتل منهم على ما روي ثمانين رجلاً، حتّى دخل الماء. فلمّا أراد أن يشرب غرفةً من الماء، ذكر عطش الحسين وأهل بيته، فرمى الماء و ملأ القربة، وحملها على كتفه الأيمن، وتوجه نحو الخيمة، فقطعوا عليه‏ الطّريق، وأحاطوا به من كلّ جانب، فحاربهم حتّى ضربه نوفل الأزرق على يده اليمنى فقطعها، فحمل القربة على كتفه الأيسر، فضربه نوفل، فقطع يده اليسرى من الزّند، فحمل القربة بأسنانه، فجاءه سهم فأصاب القربة، وأريق ماؤها، ثمّ جاءه سهم آخر فأصاب صدره، فانقلب عن فرسه وصاح إلى أخيه الحسين: أدركني. فلما أتاه رآه صريعاً، فبكى وحمله إلى الخيمة». [بحار الأنوار: ج45، ص41].
#نلاحظ: لا شكّ في أنّ الحكاية أعلاه بسيناريوهاتها المتنوّعة من الأكاذيب الّتي لا أصل ولا فصل لها في الكتب التّاريخيّة أو الحديثيّة المعتبرة، وإنّما نقلها شيخ المحدّثين الإثني عشريّة المجلسي المتوفّى سنة: “1110هـ” من كتاب مجهول، لمؤلّف مجهول، وبلا إسناد، واضعاً قبلها عبارة: «وفي بعض تأليفات أصحابنا»، وتعارض في الوقت نفسه الحقائق التّاريخيّة المتّفق عليها في كيفيّة مقتل العبّاس بن عليّ، ولإيجاز حقيقة الموقف علينا تسجيل بعض النّقاط:
#الأولى: المتّفق عليه بين المؤرّخين أنّ الحسين بن عليّ “ع” كان قد أرسل أخاه العبّاس قبل المعركة ـ وربّما في يوم السّابع من المحرّم تحديداً ـ مع خمسين مقاتلاً ما بين راكب وراجل إلى شاطئ الفرات وزوّدهم بعشرين قربة، وذهبوا إلى هناك وبعد مناوشات خفيفة جدّاً سُمح لهم بعدها بملئ القِرب، وعادوا بعدها سالمين غانمين وسلّموها إلى الحسين “ع”، والشّواهد تؤكّد توفّر ماء هذه القِرب حتّى ليلة العاشر وربّما حتّى لصبيحته أيضاً. [[تاريخ الطّبري: ج5، ص412].
#الثّانية: حينما نسأل رئيس الطّائفة الإثني عشريّة المفيد المتوفّى سنة: “413هـ” عن كيفيّة مقتل العبّاس بن عليّ نلاحظ أنّ المشهد الّذي ينقله يتغاير تماماً مع هذه الفرية؛ حيث قال في إرشاده وهو يتحدّث عن الّلحظات الأخيرة من المعركة: «وحملت الجماعة على الحسين “ع” فغلبوه على عسكره، واشتد به العطش فركب المسناة [وهي سد تُرابي يمنع وصول الماء إلى الأرض الزّراعيّة] يريد الفرات، وبين يديه العبّاس أخوه، فاعترضته خيل ابن سعد، وفيهم رجل من بني دارم، فقال لهم: ويلكم حولوا بينه وبين الفرات، ولا تمكّنوه من الماء، فقال الحسين “ع”: الّلهم أظمئه، فغضب الدّارمي ورماه بسهم فأثبته في حنكه، فانتزع الحسين “ع” السّهم وبسط يده تحت حنكه، فامتلأت راحتاه بالدم فرمى به، ثمّ قال: “الّلهم إنّي أشكو إليك ما يفعل بابن بنت نبيك، ثمّ رجع إلى مكانه، وقد اشتدّ به العطش، وأحاط القوم بالعباس فاقتطعوه عنه، فجعل يقاتلهم وحده حتّى قتل “رض”، وكان المتولّي لقتله زيد بن ورقاء الحنفي وحكيم بن الطّفيل السنبسي، بعد أن أثخن بالجراح فلم يستطع حراكاً». [الإرشاد: ج2، ص109].
#الثّالثة: علّق المرحوم البهبودي على الرّواية الموضوعة محلّ البحث في حاشيته على البحار بقوله: «هذه رواية مرسلة عن كتاب مجهول يخالف كلّ المقاتل؛ فإن أصحاب الحسين “ع” كلّهم قد تفانوا دون أهل بيته، وكان العباس “ع” آخر المستشهدين مع أخيه الحسين فلم يكن هناك عسكر حتّى يقول الحسين: إذا مضيت تفرّق عسكري». [بحار الأنوار، المصدر السّابق نفسه].
#وأخيراً وبعد أن عرفت شيئاً من الحقيقة أقول: يبدو لي إنّنا بحاجة عمليّة ماسّة جدّاً لإغلاق كلّ الدّكاكين المنبريّة الّتي تعتاش على هذه الأساطير والحكايات وتسطّح في المقابل وعينا، وهذا الأمر لا ينبغي أن يقتصر على بضاعتها الظّاهريّة الّتي تُوظّف من قبل الخطباء والرّواديد والشّعراء لإبكاء الجماهير وابتزازهم فقط، وإنّما ينبغي أن يذهب إلى الخلف ليشمل المورّدين والمموّلين لها وهم: الفقهاء لا غير؛ حيث نلاحظ عمليّات تخادم كبيرة بينهم وبين عموم هذه الأصناف من خلال منحهم مسوّغات مذهبيّة وعناوين تكليفيّة ووضعيّة لترويج أساطيرهم وحكاياتهم وأحلامهم ومنحولاتهم وتخيّلاتهم، وهذا لن يكون إلّا بالنّقد العلمي الموضوعيّ الممنهج والمتقن، والّذي لن يتأتّى إلّا بالوقوف على التّراث وقيمته وأساساته، فليُتأمّل كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...