الأفق العقائديّ لإبن الغضائريّ “الإبن” وعلاقته بتقييماته!!

4 يونيو 2018
1379
ميثاق العسر

#نوّهنا فيما تقدّم من مقالات إلى المساعي الصفويّة الأخباريّة الحثيثة لإسقاط آراء ابن الغضائريّ “الإبن” عن الاعتبار، مستندين في ذلك إلى مجموعة شمّاعات أهمّها: شمّاعة حدسيّة واجتهاديّة آرائه النّاتجة من أفق ضيّق لا يفقه مقامات أهل البيت “ع” ومقامات أهل الأسرار من أصحابهم، وبالتّالي فلا يصحّ الاستناد إلى تضعيفاته لإسقاط جملة من التّراث المنسوب لأهل […]


#نوّهنا فيما تقدّم من مقالات إلى المساعي الصفويّة الأخباريّة الحثيثة لإسقاط آراء ابن الغضائريّ “الإبن” عن الاعتبار، مستندين في ذلك إلى مجموعة شمّاعات أهمّها: شمّاعة حدسيّة واجتهاديّة آرائه النّاتجة من أفق ضيّق لا يفقه مقامات أهل البيت “ع” ومقامات أهل الأسرار من أصحابهم، وبالتّالي فلا يصحّ الاستناد إلى تضعيفاته لإسقاط جملة من التّراث المنسوب لأهل البيت “ع” ورواته أيضاً؛ إذ تقف خلفها اجتهادات حدسيّة خاطئة أثبتت تطوّرات علم الكلام خطلها وبطلانها، وقد سعوا إلى طرح أمثلة من الآراء المنسوبة إلى إبن الغضائريّ “الإبن” للتّدليل على ذلك.
#وبغية إبطال كليّة هذه الدّعوى سنحاول إجراء اختبار سريع؛ نكشف من خلاله كيف إنّ الشّواهد الّتي ساقوها لإثبات مطلبهم إنّما هي على عكسه أدلّ، وإنّ جملة من تقييمات ابن الغضائريّ الإبن لم تنشأ من حدس واجتهاد نتج من متبنّيات عقديّة مقصِّرة، وإنّما نشأت عن حسّ ومعطيات وصلت إليه عن طريق يعتقد بسلامته كما هو الفرض.
#بيان ذلك: نصّ الرّجاليّون الإثنا عشريّة في ترجمة أحمد بن الحسين بن سعيد الأهوازي المعروف بدندان على رمي القمّيين له بالغلوّ وتضعيفه، ونقل العلّامة الحلّي عن إبن الغضائريّ “الإبن” قوله: إنّه حين مراجعة وتفحّص مرويّاته وجدها سالمة لا غلوّ فيها. [رجال الحلّي: ص202]، وهذا يعني: إنّ هذه المراجعة من قبله كانت كفيلة لإثبات خطأ ما قرّره القمّيون من نسبة الغلوّ لهذا الرّجل. إذن ولأجل استكشاف طبيعة مراجعة ابن الغضائريّ “الإبن” ومعرفة أفقه العقائديّ الّذي من خلاله تعرّفَ على سلامة روايات هذا الرّجل علينا أن نراجع روايات هذا الرّاوي أيضاً، وسنعرف من خلالها هل كان ابن الغضائريّ “الإبن” ذا أفق عقائديّ ضيّق لم يوفّق لمعرفة مقامات أهل البيت “ع” كما يتّهمه الأخباريّون والصّفويّون الجُدد، أم إنّ الأمر ليس كذلك، وإنّ إيمانه بسلامة أحاديث هذا الرّاوي تكشف لنا عن أنّ تقييماته وتضعيفاته لم تكن ناشئة من أفق عقائديّ مقصّر كما يحلو للبعض تسويق ذلك، بل المفروض تولّدها من معطيات حسّيّة وردت إليه؛ فإنّ الرّجل غارق في الولائيّات انسياقاً مع محيطه البويهيّ الضّاغط كما يُظهر هذا النّص المنسوب إليه.
#لكن تعالوا معي لنقرأ نموذجاً واحداً من النّصوص الرّوائيّة الّتي رواها دندان ونفترض إنّ ابن الغضائريّ “الإبن” قد اطّلع عليها؛ باعتبار إنّ تراث الكليني والصّدوق وابن قولويه كان بين يديه حسب الفرض، نرافقه في القراءة لنعرف كيف وجد تراث هذا الرّاوي سالماً من الغلو وأنكر على القمّيين تضعيفه، وسنعرف من خلال ذلك حقيقة هامّة تتلخّص في الإجابة على السّؤال التّالي: هل كان ابن الغضائري جاهلاً في علم الكلام لا يتّسع أفقه لمقامات أهل البيت ع كما يريد المجلسيّ الأب وأتباعه أن يصفوه بذلك ليسقطوا آراءه عن الاعتبار، أم إنّه كان غارقاً في الولائيّات وإنّ تضعيفاته لم تكن تنطلق من ذلك؟!
#فقد روى الكليني بإسناد فيه أحمد بن الحسين بن سعيد… عن محمّد بن أبي العلاء القول: سمعت يحيى بن أكثم قاضي سامراء بعد ما جهدت به وناظرته وحاورته وواصلته وسألته عن علوم آل محمد، فقال: بينا أنا ذات يوم دخلت أطوف بقبر رسول الله “ص” فرأيت محمد بن علي الرضا “ع” [أي الجواد “ع”] يطوف به، فناظرته في مسائل عندي، فأخرجها إليّ، فقلت له: والله إنّي أريد أن أسألك مسألة وإني والله لأستحييّ من ذلك، فقال لي: أنا أخبرك قبل أن تسألني، تسألني عن الإمام، فقلت: هو واللّه هذا، فقال: أنا هو. فقلت: علامة؟! فكان في يده عصا، فنطقت وقالت: إنّ مولاي إمام هذا الزمان، وهو الحجّة» [الكافي: ج1، ص353].
وهنا نسأل بعد أن نفترض جدلاً واقعيّة مثل هذه الحادثة وإنّ يحيى بن أكثم قد ناظر الجواد “ع” في المدينة قبل انتقاله إلى بغداد، مع إنّنا نجزم بكونها من صنف الأدلّة بعد الوقوع: إذا كان ابن الغضائريّ “الإبن” يمتلك أفقاً عقائديّاً إثني عشريّاً ضيّقاً ولم يوفّقه الله لقبول المقامات الّتي منحها الله لأهل البيت “ع”، بل ويضعّف الرّواة وفقاً لمشتهياته ومتبنّياته تأثّراً ببعض القمّيين، فما باله وصف أحاديث دندان بالسّلامة وهو يقرأ مثل هذه الرّواية المهلهلة؟!
#وقد تعترض وتقول: إنّ أحمد بن الحسين الوارد في أسناد هذه الرّواية وغيرها من أسانيد الكافي لا يُعلم كونه دنداناً الّذي نتحدّث عنه، ولا تقبل أيضاً صلاحيّة من روى عنه كقرينة لتعيينه بعد تصريح النّجاشي زميل أو تلميذ أبن الغضائريّ الإبن بكونه ـ أي الصّفار ـ هو من روى كتب دندان… نعم إنّ اعترضت ولم تقبل بذلك فسأنقل لك روايتين له من تراث ابن قولويه والصّدوق، وفيهما تصريح باسمه أيضاً؛ لنعرف بعدها طبيعة الأفق العقائديّ لإبن الغضائريّ الإبن والّذي كان يرى سلامة مثل هذه النّصوص:
#روى ابن قولويه بإسناد فيه أحمد بن الحسين بن سعيد عن الصّادق ع القول: في طين قبر الحسين الشّفاء من كلّ داء، وهو الدّواء الأكبر. [كامل الزّيارات: ص275]؛ كما روى الصّدوق بإسناد فيه أحمد بن الحسين بن سعيد أيضاً عن أمّ سلمة إنّها قالت: سمعت رسول الله “ص” يقول لعليّ “ع”: لا يبغضك إلّا ثلاثة، ولد زنا؛ ومنافق؛ ومن حملت به أمّه وهي حائض. [علل الشّرائع: ج1، ص142].
#نلاحظ: إنّ من يعتقد بسلامة الرّوايات آنفة الذّكر فلا يمكن لأحدٍ أن يزاود على ولائيّاته وأفقه العقائديّ الواسع الّذي يتقبّل مثل هذه الأمور، وعلينا أن لا نتسرّع كثيراً في رمي تضعيفاته بالاجتهاد وضيق الأفق الإيماني، بل إنّ جملة منها ناتجة من حسّ ومعطيات واقعيّة كما سنوثّق لاحقاً، فتدبّر ولا تكن من الصّفويّين، والله من وراء القصد.
#المهدويّة_الإثنا_عشريّة


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...