الأصول العشرة في المنهج الاجتهاديّ المختار!!

18 سبتمبر 2019
50
ميثاق العسر

#ثمّة مرتكزات منهجيّة أساسيّة يتعكّز عليها منهجنا الاجتهاديّ المختار في قراءة الموروث الرّوائي وطريقة التّعامل معه، نتمنّى على جميع قرّاء بحوثنا وإثاراتنا أخذها بعين الاعتبار حين القراءة والفحص والمناقشة والانتقاد، على أنّنا أوضحناها في بحوث سابقة وكرّرنا الحديث عنها أيضاً، لكنّا لا نجد مانعاً من تكرارها في عنوان مستقلّ؛ كي نقطع الطّريق أمام من يسعون […]


#ثمّة مرتكزات منهجيّة أساسيّة يتعكّز عليها منهجنا الاجتهاديّ المختار في قراءة الموروث الرّوائي وطريقة التّعامل معه، نتمنّى على جميع قرّاء بحوثنا وإثاراتنا أخذها بعين الاعتبار حين القراءة والفحص والمناقشة والانتقاد، على أنّنا أوضحناها في بحوث سابقة وكرّرنا الحديث عنها أيضاً، لكنّا لا نجد مانعاً من تكرارها في عنوان مستقلّ؛ كي نقطع الطّريق أمام من يسعون بقصد أو بدونه لتمييع طروحاتنا؛ بدعوى أنّها جزئيّات وتفاصيل غير واضحة المباني:
#الأصل الأوّل: إنّ الأصل الحاكم، والمرجع الفيصل، والّذي يُصار إليه في قراءة الموروث الرّوائيّ المرتبط بالفضائل والسّير والمقامات عندنا هو: إنّ كلّ خبر يخالف الطّبيعة البشريّة فالأصل فيه الكذب ما لم يثبت بدليل معتبر صدقه، وإنّ كلّ خبر يوافق الطّبيعة البشريّة فالأصل فيه الصّدق ما لم يثبت بدليل معتبر كذبه.
#الأصل الثّاني: إنّ الإمامة الإلهيّة للشّخص وعصمته وفضائله ومقاماته الّتي من هذا القبيل لا تثبت لا برواياته ولا بمرويّاته حتّى وإن صحّ إسنادها إليه، بل وتواتر نقلها ومضامينها؛ ؛ لأسباب منطقيّة ومعرفيّة فصّلنا الحديث عنها سلفاً فراجع.
#الأصل الثّالث: إنّ الإمامة الإلهيّة وعصمة أصحابها ومقاماتهم ودوائر اهتماماتهم ليست اكتشافاً علميّاً كالبنسلين أو الكهرباء لكي يُقال: إنّ خُلّص أصحاب الرّسول “ص” وعليّ والحسن والحسين والسجّاد “ع” وقنواتهم الرّسميّة لم يكونوا يفهمونها كما نفهمها نحن اليوم، وما غاب عنهم لم يغب عنّا، وبالتّالي: فالعلم يتطّور وينمو ويتكامل، فلا معنى لأنّ نحبّس أنفسنا بفهمهم وسيرتهم وسلوكهم في التّعامل معهم؛ وذلك لأنّ البشريّة نظراً لضعف إمكانيّاتها العلميّة ومحدوديّتها لم تكتشف بعض النّظريّات العلميّة والإنسانيّة في الأزمنة الغابرة، وبمرور الزّمن تطوّر الأمر وتقشّعت بعض الحقائق من هنا وهناك، فكان ما كان وحدث ما حدث… لا يُقال ذلك لأنّا نقول: إنّ إلإمامة الإلهيّة بعرضها العريض الّذي نوّهنا إليه آنفاً ليست من هذا القبيل؛ بل هي قضيّة عقديّة ترتبط بإيمان الشّخص القلبي وانعكاساته على حركاته اليوميّة وممارساته وما تتطلّبه من مواقف فقهيّة وغيرها أيضاً، وبالتّالي فليس من المعقول أن يُحجم المعنيّون بهذه القضيّة عن كشف جوهرها وتفاصيلها وأطرها وأساساتها واسماء شخوصها ـ بالصّيغة الإثني عشريّة المتداولة حالياً ـ لخُلّص الأصحاب الملتصقين بهم رغم كونهم الطّريق الحصريّ الرّسمي لنقل رواياتهم ومرويّاتهم وعليهم العمدة في كشف توجّهاتهم؛ حتي يكتشفها الّلاحقون لهم بقدرة قادر، وعليه: فما اكتشفه المتأخّرون من مرويّات ونسجوه من بيانات هو من قبيل نحت الأدلّة والاجتهادات ما بعد الوقوع.
#الأصل الرّابع: كلّ آية يُدّعى دلالتها على الإمامة الإلهيّة الإثني عشريّة أو عصمة شخوصها وفضائلهم الإلهيّة فلا قيمة لمثل هذه الدّلالة عندنا؛ وذلك: لخلوّ جميع الآيات الموجودة في نسخة القرآن المتداولة من ذكر أيّ اسم أو تطبيق لهذه العناوين، وبالتّالي: فإنّ تطبيقها على صنف خاصّ من أهل البيت وإخراج الأصناف الأخرى إنّما يتمّ من خلال النّقل، وهذا النّقل إمّا أن يكون ضعيفاً، وإمّا أن يكون لا دلالة فيه على المدّعى، وإمّا أن يكون من صنف رويات ومرويّات أصحاب المُدّعى أنفسهم، أو من نحت الأدلّة ما بعد الوقوع، وجميع هذه الاحتمالات كما ترى، هذا مع إغماض الطّرف عن الرّوايات المتواترة عندهم في التّراث الإثني عشريّ النّاصّة على تحريف القرآن بمعنى النّقيصة والتّصحيف والّتي كان المؤسّسون الإثنا عشريّة يؤمنون بها بدليل ادراجها في مصنّفاتهم الّتي آمنوا بصحّة وحقّانية ما فيها، وإنّهم مأمورون بالعمل بهذه النّسخة من القرآن حتّى ظهور القائم، وقد تبعهم على هذا الأصل جملة من المحقّقين الإثني عشريّة الكبار كالشّيخ الأعظم الأنصاري والآخوند الخراساني وغيرهم أيضاً.
#الأصل الخامس: بعد ولادة نظريّة الإمامة الإلهيّة في مطلع القرن الثّاني بسبب الصّراعات الحاصلة في البيت العلويّ نفسه ودخول متكلّمي أصحابهم على الخطّ لتعميقها وتطويرها، أخذت الانقسامات تتعاقب في شيعتهم ومحبّيهم بعد رحيل كلّ إمام؛ نظراً لعدم وضوح اسم خليفته بالنّسبة لهم ولقنوات الإمام السّابق الرّسميّة الحصريّة أيضاً، وقد انعكست حقيقة هذه الانقسامات على طبيعة التّقسيمات الرّجاليّة الإثني عشريّة الّلاحقة؛ فجاءت مفردات: زيدي؛ جارودي؛ ناووسي؛ فطحي، واقفي وأضرابها، ولا شكّ في اندراج جملة من كبار الفقهاء الّذين يتعبّد المذهب الإثنا عشريّ إلى اليوم برواياتهم ضمن هذه الفرق أو بعضها، وعلى هذا الأساس نقول: كلّ حديث أو رواية تتحدّث عن وضوح اسماء الأئمّة الإثني عشر ساقطة عن الاعتبار ولا قيمة لها، وهي من أبرز مصاديق نحت الأدلّة ما بعد الوقوع؛ إذ لو كانت موجودة وواضحة ومبيّنة لما حصلت مثل هذه الانقسامات من قبل كبار الفقهاء وأصحاب الأصول، ولهذا لم يُخطأ شيخ الطّائفة الإثني عشريّة الطّوسي المتوفّى سنة: “460 هـ” حينما قال في مقدّمة فهرسته: «إنّ كثيراً من مصنّفي أصحابنا وأصحاب الأصول ينتحلون المذاهب الفاسدة وإن كانت كتبهم معتمدة».
#الأصل السّادس: حينما نعثر على نصوص روائيّة متأخّرة زماناً عن الحدث ـ كواقعة كربلاء مثلاً ـ تقدّم أخباراً لا تتّفق مع الطّبيعة البشريّة الجزميّة لهذا الحدث وما دار ووقع فيها من أفعال وأقوال، ولا يوجد فيها اتّصال سندي طبيعي إلّا بعد ضمّ كبرى الإمامة الإلهيّة الإثني عشريّة، فلا يمكن لنا حينذاك أن نقبل بمثل هذه النّصوص بالمرّة، بل نعدّها من نحت الأدلّة والاجتهادات ما بعد الوقوع حتّى وإن صحّ أسنادها عندهم.
#الأصل السّابع: تعدّ النّصوص الفقهيّة المنقولة عن الأئمّة الإثني عشر هي الأساس الأوّل في منهجنا الاجتهاديّ لأخذ طبيعة النّظرة التّقييميّة لشخوصهم وطبيعة مقاماتهم؛ وذلك من خلال المقارنة بين طبيعة أجوبتهم على الاستفتاءات المقدّمة لهم ومقدار انسجامها واتقانها واتّزانها وجِدتها، وطبيعة حركاتهم وسكناتهم وأفعالهم ونقولاتهم، ولا نقبل بحالٍ من الأحوال ما يمارسه الفقهاء الإثنا عشريّة من مساع لتحييثها فقهيّاً ليُذهبوا بذلك بريق حيثيّاتها الأخرى ودلالاتها الصّارخة والعميقة.
#الأصل الثّامن: لا يمكن بحال من الأحوال أن نلغي ونميّع الحقائق المنقولة والمتوافرة في النّصوص الفقهيّة أو العقائديّة الواصلة عنهم من خلال فلاتر كلاميّة وأصوليّة مذهبيّة بعديّة من قبيل: التّقيّة؛ أو الجمع مهما كان أولى من الطّرح؛ أو ردّ علمها إلى أهلها…إلخ من الفلاتر المذهبيّة الأخرى؛ لأنّها فرع الإيمان بحجيّة كلام أصحابها في رتبة سابقة، والمفروض أنّ البحث لا زال قائماً في ذلك.
#الأصل التّاسع: المعروف والمسّلم به بين أهل العلم أنّ النّصوص الفقهيّة والعقديّة الواردة في تراث الكليني والصّدوق والمفيد والطّوسي هي مستلّة بمعظمها من الأصول المتلقّاة وممّن يُتّفق على سلامة مضمونها وصحّة صدورها على أقلّ تقدير، وعن طريق هذه النّصوص بادروا للتأسيس للمذهب الإثني عشريّ وتوسيعه وتعميقه في نفوس جماهيرهم، ومن يقرأ مقدّمات مصنّفاتهم وتعليقاتهم على النّصوص ويعرف طريقة تصنيف القدماء لا يشكّ في ذلك، وبالتّالي: فحينما نفترض صحّة هذه الرّوايات وأسانيدها عندهم فلم نفتر عليهم؛ إذ لا يهمّنا رأي مقلِّدة مقلِّدتهم من المراجع والفقهاء الإثني عشريّة المعاصرين في تضعيف هذه النّصوص وإسقاطها سنديّاً أو مضمونيّاً؛ إذ حديثنا مع الكبار المؤسّسين لا غير.
#الأصل العاشر: إنّ متقدّمي الأصحاب الإثني عشريّة لم يكونوا يؤمنون برباعيّة التّقسيم الرّجالي المعروفة في أعصارنا إلى: صحيح وضعيف وموثّق وحسن، وإنّما كانوا يؤمنون بثنائيّته فقط؛ بمعنى: إنّ الحديث عندهم إمّا صحيح وإمّا ضعيف، وإنّ قصّة التّصنيف الرّباعي للأحاديث لم تتسرّب إلى واقعنا الإثني عشريّ إلّا في القرن السّابع الهجريّ في أيّام السيّد أحمد بن طاووس المتوفّى سنة: “673 هـ” وتلميذه العلّامة الحلّي المتوفّى سنة: “726 هـ”؛ لمبرّرات لا مجال للحديث عنها في هذه العجالة؛ وذلك لأنّ المتعارف بينهم إطلاق الصحيح على كلّ حديث اعتضد بما يقتضي اعتمادهم عليه، أو اقترن بما يوجب الوثوق به والرّكون اليه، وذلك كأن يوجد في كثير من الأصول الأربعمائة الّتي نقلها الأصحاب عن مشايخهم بطرقهم المتّصلة، أو كان متكرّراً في أصل أو أصلين منها فصاعداً بطرق مختلفة وأسانيد عديدة معتبرة، أو كان موجوداً في أصل معروف الانتساب إلى أحد الجماعة الّذين أجمعوا على تصديقهم، أو أُخذ من أحد الكتب الّتي شاع بين سلفهم الوثوق بها والاعتماد عليها سواء أ كان من الإماميّة أو غيرهم.
#في ضوء هذه الأصول العشرة وغيرها ممّا لم نذكره وممّا سيأتي أيضاً يتّضح جيّداً: إنّ ما نقوم به من إثارات وبيانات تأتي في إطار مرسوم ومخطّط له سلفاً، وإنّنا في معظم الأحيان نحاكم الطّرف الإثني عشريّ ونحاججه على أساس المباني الّتي اختارها لنفسه وآمن بصحّتها أيضاً غير مطبّقين لمبانينا في المناقشة والحجاج، فاحفظ هذه الأصول العشرة جيّداً فهي من قبيل المفاتيح الّتي تستطيع من خلالها فهم الموروث الرّوائيّ الإثني عشريّ وتقييمه وتوزينه، بل ومعرفة من يدّعي الاجتهاد والأعلميّة ويتحدّى الجميع ويدعوهم للمناظرة أيضاً؛ فإنّ حفظ المباني الأصوليّة للشّيخ الأعظم الأنصاريّ أو الآخوند الخراساني أو غيرهم من المعاصرين ـ لو آمنا بتوفّره ـ لا يولّد اجتهاداً حقيقيّاً، كما أنّ تطبيق هذه الكبريات الكليّة على صغرياتها بطريقة آليّة ميكانيكيّة ـ لو قلنا بتملّكه ـ لا يولّد أعلميّة، وإنّما يتحصّل الاجتهاد الحقيقيّ والأعلميّة المسانخة له من فهم الأساسات الكلاميّة الّتي ولّدت هذه المباني الأصوليّة وقواعد الصّناعة الفقهيّة ومسبّباتها؛ وما أكثر المقلِّدة اليوم ممّن توهّم الاجتهاد والأعلميّة، وهم لا يعدون سوى حفظةً وشرّاحاً لنصوص ومباني المكاسب والفرائد والكفاية ليس إلّا، فليُتأمّل كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...