الآليّات الصّفويّة لنشر المذهب ولباسها الحوزويّ الجديد!!

2 ديسمبر 2018
43
ميثاق العسر

#ثمّة آليّات دشّنتها الدّولة الصّفويّة وفقهاؤها في العقود الأخيرة من عمرها في سبيل توسيع المكتبات والمدارس، ومنها: إنشاء حمّامات عامّة وجعل النّماء والفوائد الحاصلة عن طريقهن وقفاً لنسخ الكتب وتكثيرها، وقد جُعل متولّو هذا الوقف من علماء الطّبقة الأولى في البلاط الصّفوي وأبرزهم شيخ المحدّثين الإثني عشريّة المرحوم محمّد باقر المجلسي صاحب بحار الأنوار، وقد […]


#ثمّة آليّات دشّنتها الدّولة الصّفويّة وفقهاؤها في العقود الأخيرة من عمرها في سبيل توسيع المكتبات والمدارس، ومنها: إنشاء حمّامات عامّة وجعل النّماء والفوائد الحاصلة عن طريقهن وقفاً لنسخ الكتب وتكثيرها، وقد جُعل متولّو هذا الوقف من علماء الطّبقة الأولى في البلاط الصّفوي وأبرزهم شيخ المحدّثين الإثني عشريّة المرحوم محمّد باقر المجلسي صاحب بحار الأنوار، وقد استنسخت كتب كثيرة ووقفت من خلال ما وفّرته هذه الحمّامات من أرباح، والمؤسف إنّنا نشاهد بعض هذه النّسخ قد شكّلت منعطفاً خطيراً في الوعي الإثني عشريّ، إذ لا قيمة لها سوى إنّ المجلسي وأضرابه وجدوا نسخة عتيقة منها فبادروا لنسخها ووقفها، فأخذت مشروعيّة السّلطان والفقهاء والمحدّثين في ذلك الوقت.
#وعلى سبيل المثال لا الحصر، سنقرأ نصّ الوقفيّة الخاصّة بأحد النّسخ الموضوعة والّتي قالوا إنّها نسخة من كتاب: “المسترشد في الإمامة” والّتي لا زال الوعي الإثني عشريّ إلى اليوم يدفع ثمن أساطير وأوهام أمثالها غالياً، حيث جاء فيها ما يلي:
#أمّا بعد، فهذا الكتاب المستطاب مما عمل وصنع واستنسخ من نماء الحمّام الواقع في أراضي نقش جهان ببلدة أصفهان، من أوقاف السّلطان الأعظم، والخاقان الأعدل الأكرم، ملجأ الأكاسرة وملاذ القياصرة، كهف طوائف الأمم، مولى ملوك العرب والعجم، ناصب رايات العدل والإنصاف، ماحي آثار الفجور والاعتساف، محيي مراسم الشّريعة الغرّاء، مشيّد قواعد الملّة البيضاء، ممهّد أساس الدّين المبين، ومروّج آثار آبائه الطّاهرين [!!]، أعني السّلطان ابن السّلطان والخاقان ابن الخاقان: أبا المظفّر سلطان سليمان الموسوي بهادرخان، شدّ الله أطناب دولته بأوتاد الخلود، وزيّن سرير سلطنته بدُرر العزّ والسّعود، فوقفته بأمره الأعلى على الشّيعة الإماميّة الإثني عشريّة، وقفاً بتّاً لا يُباع ولا يُشترى، ولا يوهب ولا يحسب عن مستحقّه…، وجعلت توليته والنّظر فيه لنفسي، ثمّ لمن عيّنته لتولية أوقافي، ثمّ لمن عيّنه هذا المتولّي، وهكذا، ثمّ إلى العالم المحدّث الصّالح المتوطّن في بلدة أصفهان… وكتب الدّاعي لخلود الدّولة القاهرة: محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي…لسنة خمسة وتسعين بعد الألف».
#ويبدو لي: إنّ أمثال هذه الظّواهر الصفويّة تكرّرت بحذافيرها في المراحل الّلاحقة وفي مختلف الأماكن والبلدان المعنيّة لكن بصياغات مختلفة واحتيال على القانون بطريقة فقهيّة محكمة، ولعلّ أبرز تجليّاتها هو: ما يمارسه ديوان الوقف الشّيعي العراقي والعتبات المنضوية تحته؛ حيث أُنشئت مشاريع كبيرة وكثيرة من أجل هذا الغرض؛ فجاء مستشفى الكفيل ودجاج الكفيل…إلخ، وريع هذه المشاريع وغيرها الكثير يهدف ظاهريّاً ـ وهذا القيد مهمّ جدّاً ـ إلى تشغيل مشاريع تحمل ظاهراً دينيّاً ومذهبيّاً، أعني: المؤسّسات والمراكز التّابعة لهذه المراكز في مختلف محافظات العراق والبلدان الإقليميّة وغيرها أيضاً، ولا ننسى الميزانيّات الضّخمة المرصودة لهذه المشاريع كأحد فقرات ميزانيّات الدّولة العامّة.
#وفي الوقت الّذي أؤكّد على إنّ أمثال هذه المؤسّسات والمراكز التّابعة للعتبات الكريمة توفّر فرص عمل لمئات من العوائل المتعفّفة والّذي هو عمل حسن وينبغي أن يستمرّ أيضاً، لكنّها تُسهم في الوقت نفسه في تزييف وعي ملايين من أبناء المذهب الإثني عشريّ الحاضر والمستقبلي؛ وذلك من خلال كتاباتها ومنشوراتها وتحقيقاتها وبرامجها وفضائيّاتها…إلخ، ولعلّ نظرة يسيرة ومتواضعة إلى عناوين اصدارات وبرامج هذه المؤسّسات والمراكز كفيلة بالتّصديق بهذه النّتيجة، وإن برّر القائمون على هذه الأمور نتاجاتهم بكونه من بركات صاحب الزّمان ويأتي في سياق خدمة الدّين والمذهب، وهي تجترّ البحث والعمل والنّتاج من مائدة النّسخ العتيقة الّتي أوقفها المجلسي من نماء حمّام نقش جهان الصّفوي، من دون أن تسمح لنفسها في رصد عشر معشار هذه المبالغ الضّخمة في سبيل تحقيق حال قيمة تلك النّسخ وجواز الاستناد إليها أخلاقيّاً وعلميّاً، فليتأمّل، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...