استيلاء الحسين “ع” على القوافل استراتيجيّة أم تكتيك؟!

30 سبتمبر 2018
119
ميثاق العسر

#جزم عموم المؤرّخين السُنّة وجملة من كتّاب المقاتل الإثني عشريّة المعتبرة عندهم بأنّ الحسين بن عليّ “ع” بعد أن خرج من مكّة القديمة نحو العراق ومال نحو منطقة التّنعيم الّتي هي جزء من مكّة المعاصرة: لقي قافلة من الجمال محمّلة بالحليّ والورس كان قد بعثها إلى الشّام بحير بن ريسان الحميري والي يزيد بن معاوية […]


#جزم عموم المؤرّخين السُنّة وجملة من كتّاب المقاتل الإثني عشريّة المعتبرة عندهم بأنّ الحسين بن عليّ “ع” بعد أن خرج من مكّة القديمة نحو العراق ومال نحو منطقة التّنعيم الّتي هي جزء من مكّة المعاصرة: لقي قافلة من الجمال محمّلة بالحليّ والورس كان قد بعثها إلى الشّام بحير بن ريسان الحميري والي يزيد بن معاوية في اليمن، فأخذها الحسين “ع” وانطلق بها، «ثمّ قال لأصحابها: لا أكرهكم، من أحب أن يمضي معنا إلى العراق أوفينا كراءه وأحسنا صحبته، ومن أحب أن يفارقنا من مكاننا هذا أعطيناه من الكراء على قدر ما قطع من الأرض…، فمن فارقه منهم حوسب فأوفي حقّه، ومن مضى منهم معه أعطاه كراءه وكساه»، ونصّ الدّينوري على إنّ حمولة القافلة كانت ورساً وحنّاء، وإنّ الحسين بن عليّ ع أخذها وأخذ ما عليها أيضاً…إلخ. [الأخبار الطّويلة: ص245؛ أنساب الأشراف: ج3 ،ص375؛ الطّبري: ج5، ص385؛ مثير الأحزان: ص42؛ بحار الأنوار: ج44، ص367؛ تسلية المجالس: ج2، ص228].
#لكنّ السيّد ابن طاووس في مقتله الشّهير الّلهوف: استبدل الحليّ والورس الواردين في الرّواية بمفردة هديّة، ونصّ على تبرير سيطرة الحسين بن عليّ “ع” على الهديّة الّتي بعثها والي اليمن إلى يزيد بأنّه بسبب عودة «حكم أمور المسلمين إليه [“ع”]». [الّلهوف: ص69]، لكنّ لا أدري: هل سأل ابن طاووس نفسه وهو المنظّر الأوّل لنظريّة الشّهادة عن وجه حاجة الحسين “ع” إلى الحُليّ والورس ـ وهي نبتة صفراء يُصبغ بها الوجه نظير الزّعفران ـ وهو ذاهب إلى الشّهادة ويعلم إنّها ستنهبّ منه حسب الفرض؟! وإذا كانت هذه الحمولة هدايا شخصيّة فكيف يجوز التّصرّف فيها والاستيلاء عليها والمفروض إنّ صاحبها مسلم ظاهراً يتشهّد الشّهادتين؟!
#لنتجاوز هذه الفقرة مؤقّتاً ونحيل الحديث عنها إلى سلسلة مقالات #مرجعيّات_مجهول_المالك، وننتقل إلى مفارقة من لون آخر؛ فحين وصول هذه الرّواية إلى زعيم الطّائفة الإثني عشريّة المفيد ولا مصدر له سوى الكتب التّاريخيّة المتقدّمة؛ بادر إلى تقصيصها وفلترتها وتمييعها بشكل لافت، فحذف منها موضوع أخذ الحسين بن عليّ “ع” الورس والحُلي فقال: «أتى [الحسين “ع”] التّنعيم فلقي عيراً قد أقبلت من اليمن، فاستأجر من أهلها جمالاً لرحله وأصحابه وقال لأصحابها: من أحب أن ينطلق معنا إلى العراق وفّيناه كراءه، وأحسنا صحبته، ومن أحبّ أن يفارقنا في بعض الطّريق أعطيناه كراءً على قدرما قطع من الطّريق، فمضى معه قوم وامتنع آخرون». [الإرشاد: ج2، ص68].
#ومن الواضح إنّ نقل الرّواية بهذه الطّريقة يجعلها مضطربة تماماً؛ إذ كان على المفيد أن يسأل نفسه وهو يصوغ الرّواية بهذه الشّكل المضطرب: ما هو هدف هذه القافلة القادمة من اليمن لكي أكتب بأنّ الحسين “ع” لقيها وطلب من أصحابها استئجار جمالهم؟! فهل إنّهم قطعوا هذه المسافة الطّويلة من اليمن إلى مكّة وهم يعملون كسائقي سيّارات الأجرة في الخطوط الدّاخليّة بحيث ينزل مسافر ويركب آخر وهكذا حتّى استوقفهم الحسين وطلب منهم ما طلب مثلاً؟!
#من الواضح: إنّ هذه الجمال كانت متّجهة إلى الشّام وهي محمّلة ببضاعة كان ينبغي على أصحابها وفق شروط الإجارة إيصالها إلى مركز البلاط الأمويّ وحكومة المركز، لكنّ الحسين “ع” أوقفها وسيطر على ما فيها من حمولة وطلب منهم بعد ذلك ما طلب، ومن دون ذلك فلا معنى للرّواية بصيغتها الّتي أوردها المفيد الّلهم إلّا أن نقول: إنّ الجمال قد أفرغت حمولتها في التّنعيم فبادر الحسين “ع” بعدها لاستئجارها، ومثل هذا الاحتمال لا معنى ولا معقوليّة له أصلاً؛ لأنّ التّنعيم أحد مواقيت الإحرام والنّاس في حينها مشغولة بمراسم الحجّ فما هي المناسبة لجلب ما يتنافى مع إحرامهم؟!
#وهذا الأمر يضع علامات استفهام كبيرة جدّاً أمام الأمانة العلميّة الّتي يتمتّع بها شيوخ الطّائفة الإثني عشريّة؛ إذ يُظهر بوضوح تصرّفهم في النّصوص الرّوائيّة ومحاولة مواءمتها مع المبنى العقائديّ المختار، وهو شيء مؤسف لو فتّشنا في مقداره لأصيب الإنسان بالّذهول.
#وكيف كان؛ فما يؤيّد صحّة هذه الواقعة هو ما ورد من إنّ هناك ورساً وحُللاً وإبلاً قد انتهبت من مخيّم الحسين بن عليّ “ع” بعد واقعة كربلاء، فقد نقل الدّينوريّ عن مشهد ما بعد المعركة قائلاً: «ثمّ مال النّاس على ذلك الورس الذى كان أخذه [الحسين “ع”] من العير وإلى ما في المضارب فانتهبوه». [الأخبار الطّوال: ص258]، وجاء في تاريخ الطّبري: «ومال الناس على الورس والحلل والإبل وانتهبوها» وقد روي قول المختار لمن شارك في معركة كربلاء وقتل ونهب: «لقد جاءكم الورس في يوم نحس» [ج5، ص453؛ ج6، ص58].
#والظّاهر إنّ نقل أمثال هذه العمليّات ليس جديداً؛ فقد حكى ابن أبي الحديد المعتزلي حكاية مشابهة في أيّام خلافة معاوية عدّها من سعة صدره وصدق فراسته، قائلاً: إنّ هناك مالاً«حمل من اليمن إلى معاوية، فلمّا مر بالمدينة وثب عليه الحسين بن علي “ع” فأخذه وقسمه في أهل بيته ومواليه وكتب إلى معاوية: من الحسين بن علي إلى معاوية بن أبي سفيان، أما بعد فإنّ عيراً مرت بنا من اليمن تحمل مالاً وحُللاً وعنبراً وطيباً إليك لتودعها خزائن دمشق وتعل بها بعد النهل بني أبيك، وإنّي احتجت إليها فأخذتها والسّلام.
#فكتب له معاوية جواباً جاء فيه بعد أن عرض له نفس رسالته: «…لم تكن جديراً بأخذها إذ نسبتها إليّ؛ لأنّ الوالي أحقّ بالمال، ثمّ عليه المخرج منه، وايم الله لو ترك ذلك حتّى صار إليّ لم أبخسك حظك منه، ولكنّي قد ظننت يا ابن أخي أنّ في رأسك نزوة، وبودّي أن يكون ذلك في زماني فأعرف لك قدرك وأتجاوز عن ذلك، ولكنّي والله أتخوف أن تبتلي بمن لا ينظرك فواق ناقة»، وكتب له في أسفل الرّسالة أبياتاً شعريّة منها:
يا حسين بن علي ليس ما؛ جئت بالسائغ يوماً في العلل‏
أخذك المال ولم تؤمر به؛ إن هذا من حسين لعجل‏.
قد أجزناها ولم نغضب لها؛ واحتملنا من حسين ما فعل‏
يا حسين بن علي ذا الأمل؛ لك بعدي وثبة لا تحتمل‏
و بودي أنّني شاهدها؛ فإليها منك بالخلق الأجل‏
إنني أرهب أن تُصلى بمن؛ عنده قد سبق السيف العذل.[ج18، ص409].
#لكنّ المرحوم مهدي بحر العلوم المتوفّى سنة: “1212هـ” رفض الحكاية الثّانية، وعدّها من الأكاذيب الباطلة؛ وذلك لأنّ مقام الحسين “ع” ـ والكلام له ـ «يجل عن هذه الدنيّة ويأبى تصديق تلك القضية؛ فإنّ الدّنيا كلّها وإن كانت له وليس لمعاوية في العير ولا في غيرها فتيل ولا نقير، إلّا أنّ الحال [بين الحسين ومعاوية] قد كانت حال مسالمة وموادعة، والتّوثّب على أخذ المال شنيع في مثل هذه الحال، و ليس ذلك كتعرّض النبي “ص” لعير قريش، ولا كتعرّضه “ع” للورس المحمول إلى يزيد من اليمن؛ فإنّهما قد وقعا حال المباينة والاختلاف، بخلاف الأولى، ولو لم يمنع من ذلك إلّا كفّ ألسنة المخالفين له والمبتغين سبيل الطعن عليه لكفى إلّا أن يسلك بذلك سبيل المطايبة والمعابثة وفيه حزازة أخرى». [رجال بحر العلوم: ج4، ص48].
#وبغضّ الطّرف عن حقّانيّة تبرير إنكار بحر العلوم للثّانية وتبرير قبوله للأولى، لكنّ أمثال هذه الحكايات تدعونا إلى التّفكير مليّاً في حقّانيّة النّصوص الرّوائيّة المتأخّرة عن حدث كربلاء والّتي افترضت ـ لضرورات مذهبيّة ـ إنّ الحسين بن عليّ “ع” قد خرج من البداية لأجل الشّهادة؛ إذ ما معنى أن يخرج الإنسان للشّهادة وهو يقطع الطّريق أمام قوافل محمّلة بمواد تجميليّة ويأخذها معه وهو يعلم إنّه ستسلب من أسرته وخيامه؟! ولا أدري: هل يصلح مثل هذا الفعل الّذي مارسه الحسين “ع” للاقتداء به فقهيّاً حينما يُشخّص الإنسان طغيان حكومة المركز فيقطع الطّريق أمام قوافلها مثلاً؟! فتأمّل كثيراً قبل أن تجيب، شريطة أن تخلع نظّارتك المذهبيّة والمنبريّة والعاطفيّة، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...