اختلافات الوضوء وحفظ الصّحابة للقرآن!!

18 يناير 2020
75
ميثاق العسر

#ربّما يوسوس لك موسوس ويسذّج وعيك مدّعياً: إنّ عموم الصّحابة الكبار كانوا يحفظون القرآن عن ظهر قلب وإنّ نسبة تطابق حفظهم مع ما نزل على الرسول “ص” أو صدر منه هي نسبة تطابق وانسجام تامّ، ويعزّز ذلك أيضاً بكذبة أنّ العرب كانت تحفظ النّصوص الطّويلة والأشعار بطريقة عجيبة غريبة…إلخ من بيانات مكرّرة ومعروفة، وعن هذا […]


#ربّما يوسوس لك موسوس ويسذّج وعيك مدّعياً: إنّ عموم الصّحابة الكبار كانوا يحفظون القرآن عن ظهر قلب وإنّ نسبة تطابق حفظهم مع ما نزل على الرسول “ص” أو صدر منه هي نسبة تطابق وانسجام تامّ، ويعزّز ذلك أيضاً بكذبة أنّ العرب كانت تحفظ النّصوص الطّويلة والأشعار بطريقة عجيبة غريبة…إلخ من بيانات مكرّرة ومعروفة، وعن هذا الطّريق يُريد أن يثبت أنّ مستوى التّطابق ما بين نسخة القرآن المجموعة بعد وفاة رسول الله “ص” وما بين ما نزل أو صدر منه “ص” تامّة وكاملة، بل وأنّ هناك عناية سماويّة واهتماماً جادّاً من السّماء من أجل تحويل المادّة القرآنيّة الصوتيّة إلى مادّة مكتوبة وجعلها دستوراً دينيّاً دائميّاً لجميع بني البشر!!
#وفي مقام النّقض على هذا الكلام سأكتفي باستعراض كلمات المرحوم النّوري المتوفّى سنة: “1320هـ”، والّذي خصّص نقوضات عدّة على مدّعى القائلين بعدم وقوع التّحريف، لكنّي سأجعل من نقوضه شاهداً على عدم تماميّة الوساوس المتقدّمة الذّكر، وسأقتصر في عرضي على نقضه عليهم بالوضوء والخلافات الهائلة الحاصلة فيه، والعهدة عليه أيضاً في توثيق الأقوال الّتي نسبها إلى غيره أيضاً، حيث قال:
#الوضوء: وأمره عجيب؛ فإنّه شُرّع يوم شُرّعت الصّلاة وهو أوّل يوم بعثته “ص”، ولا تصحّ الصّلاة الّتي هي عمود الدّين إلّا به، ولا عذر لأحد من الرّجال والنّساء والعبيد والأحرار في تركه إلّا في موارد مخصوصة جُعل له بدل فيها، وله مع ذلك غايات كثير الحاجة إليها في الأيّام ولياليها، وتتوفّر الدّواعي لكلّ أحد إليها، وقد نزل لبيان كيفيّته الكتاب وأوضحه النّبيّ “ص” لجميع الأصحاب وكانوا يشاهدون وضوءه في غالب الأوقات، فمقتضى العادة أن يبلغ الجميع آدابه وسُننه وواجباته ومكروهاته وكلّ ما يتعلّق بها من الوضوح مرتبة لا يبلغها غيره من المتواترات، ومع ذلك فَانظُر إلى ما وقع فيه من الخلاف وقس عليه حال غيره:
#[أوّلاً]: اتّفقت الإماميّة على أنّ حدّ الوجه طولاً من قصاص الشّعر إلى الذّقن، وعرضاً ما دارت عليه الإبهام والوسطى، واتّفقت العامّة عدا مالك أنّ حدّه عرضاً من وتد الأُذن إلى وتد الأُذن، وقال الزّهريّ: يجب غسل الأُذن أيضاً.
#[ثانياً]: اتّفقت الإماميّة على عدم وجوب مسح الأُذنين لا ظاهرهما ولا باطنهما، فمن فعل فقد أبدع، وقال الشّافعيّ: يستحب مسح ظاهرهما وباطنهما بماء جديد وبه قال أبو عمرو أبو ثور، وقال مالك: هما من الرّأس يجب مسحهما ويستحبّ أن يأخذ لهما ماءً جديداً، وقال أحمد: هما من الرّأس يجب مسحهما على الرّواية الّتي توجب استيعاب الرأس، وقال ابن عبّاس وعطا والحسن البصريّ والأوزاعيّ وأصحاب الرّأي: هما من الرّأس، يُمسحان بمائه، وقال الشّعبيّ والحسن بن صالح بن حيّ: يغسل ما أقبل منهما مع الوجه، ويمسح ما أدبر مع الرّأس.
#[ثالثاً]: اتّفقت الإماميّة على عدم وجوب غسل ما بين الأُذنين والعذار من البياض، وقال الشّافعي يجب على الأمرد والملتحي، وقال أبو يوسف: يجب على الأمرد خاصّة.
#[رابعاً]: [اتّفق] أكثر الإماميّة على عدم جواز غسل الوجه واليدين منكوساً وكرهه المرتضى، واتّفق الجمهور على جوازه.
#[خامساً]: اتّفقت الإماميّة ووافقهم جماعة من العامّة على أنّ المرفقين داخلتان في غسل اليدين، وقال مالك وجماعة: بخروجهما فيه.
#[سادساً]: اتّفقت الإماميّة على وجوب الابتداء باليمنى، واطبق الجمهور على عدمه.
#[سابعاً]: [اتّفق] أكثر الإماميّة والشّافعيّ على إجزاء أقلّ ما يصدق عليه اسم المسح في مسح الرأس، وقال بعضهم: بوجوب مقدار ثلاث أصابع، وللشّافعي قول بإجزاء ثلاث شعرات، وعن مالك ثلاث روايات: مسح الجميع، وهي إحدى الرّوايتين عن أحمد، وجواز ترك قدر الثّلث، وهي الرّواية الثّانية لأحمد، وجواز ترك يسير بغير قصد، وعن أبي حنيفة ثلاث روايات: الرّبع؛ قدر النّاصية؛ ثلاث أصابع إلى الرّبع، وعليه يعوّلون.
#[ثامناً]: اتّفقت الإماميّة على اختصاص المسح بمقدّم الرّأس، وخالفهم الجمهور، إلّا من جوّز مسح البعض منهم.
#[تاسعاً]: اتّفقت الإماميّة على وجوب المسح على البشرة، وجوّز أحمد والثّوري والأوزاعي المسح على الحايل.
#[عاشراً]: اتّفقت الإماميّة إلّا الكاتب على وجوب كون المسح ببقيّة نداوة الوضوء وبطلان مسح من استأنف ماءً جديداً، وقال الشّافعي وأبو حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الرّوايتين: لا يجوز المسح إلّا بماء جديد، وجوّز الحسن والأوزاعيّ وعروة وأحمد في رواية: المسح ببقيّة البلل.
#[حادي عشر]: اتّفقت الإماميّة على عدم إجزاء غسل الرّأس بدل المسح، وللشّافعي قولان، ولأحمد روايتان.
#[ثاني عشر]: اتّفقت الإماميّة على وجوب مسح الرّجلين وعدم جواز غسلهما، وقال بعض أهل الجمهور: يجب الجمع بين الغسل والمسح، وقال أبو جرير الطّبريّ: بالتّخيير بينهما، واتّفق باقي الجمهور على وجوب الغسل».
#وبعد أن أتمّ المرحوم النّوري هذا البيان والتّفصيل الرّائع علّق قائلاً: «والعجب: أنّ الكلّ يتمسّك بالكتاب وفعل النّبيّ “ص” وقوله، فهبْ أنّ الخبر في الآية يدلّ على الأوّل، والنّصب على الأخير، وتواتر القرّائين على الثّاني، والتّردّد بينهما على الثّالث، أ فلم ينظروا في طول أيّام بعثته “ص” في حضره وأسفاره مرّة واحدة إلى وضوئه “ص” أ كان يغسل أم كان يمسح، أ فلم يسألوه عن تفسير الكتاب الّذي كانوا معنيّين بحفظه وجمعه بزعم هؤلاء؟! وأين صارت دواعيهم وأعظمها معرفة الأحكام الّتي أكثرها احتياجاً الوضوء الّذي بلغ الاختلاف فيه إلى هذا المقام؟!
#ولعمري: أنّ هذا يدلّ على أنّ همّتهم في معرفتها كانت أقلّ من همّة العوام لجمع قليل من الحطام، ثمّ أنّ العجب أنّ اليهود كانوا يتتبّعون ما جاء به “ص” من الأحكام والسّنن؛ ليطبّقوها مع قواعدهم ويعرفوا به صدقه، وليتبيّن فيها ما كان من خصائصه وآياته، وإنّه الّذي يأتي به، والزّنادقة يتعلّمونه ليستخرجوا منه ما يدلّ على كذبه من التّناقض وخلاف الحكمة وموافقة الجور والعدوان، والشّعراء يتعلّمون غالباً مصطلحات كلّ طائفة وقواعدهم ليتزيّنوا بها أشعارهم، وهؤلاء لم يصرفوا همّتهم في طول أيّام صحبتهم مقدار شهر أو شهرين لمعرفة الأحكام الواجبة والمندوبة المتكرّرة في كلّ يوم وليلة لجميعهم، ومع ذلك يُظنّ بهم الخير، ويُنسب إليهم شدّة الاعتناء إلى حفظ القرآن لقراءته ومعرفة أحكامه، إنّ هذا شطط من الكلام القبيح صدوره من هؤلاء الأعلام». [انتهى ما أفاده المرحوم النّوري]، فتأمّل كثيراً كثيراً، وسل الله أن يزيح ركام الأوهام من عقولنا، وهو دائماً من وراء القصد.
#ميثاق_العسر
#تحريف_القرآن


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...