ابن الغضائري وإقصاء الصّفويّين!!

25 مايو 2018
1213
ميثاق العسر

#يعتبر ابن الغضائري “الإبن” واحداً من أهمّ الرّجاليّين الشّيعة الّذي مورست بحقّه وبحقّ آرائه أبشع أنواع التّهميش والإقصاء من قبل فقهاء ومحدّثي الدّولة الصّفويّة وإلى يومنا هذا، بل ربّما يمكن أن يقال: إنّ جذور هذه الممارسات تعود إلى ما قبل ذلك بقرون؛ إلى مرحلة التأصيل والتّنظير للمقولات الإثني عشريّة على يد شيخها الطّوسي؛ خصوصاً إذا […]


#يعتبر ابن الغضائري “الإبن” واحداً من أهمّ الرّجاليّين الشّيعة الّذي مورست بحقّه وبحقّ آرائه أبشع أنواع التّهميش والإقصاء من قبل فقهاء ومحدّثي الدّولة الصّفويّة وإلى يومنا هذا، بل ربّما يمكن أن يقال: إنّ جذور هذه الممارسات تعود إلى ما قبل ذلك بقرون؛ إلى مرحلة التأصيل والتّنظير للمقولات الإثني عشريّة على يد شيخها الطّوسي؛ خصوصاً إذا احتملنا السّطو على تراثه العلمي، انسياقاً مع دعوى إنّ النّسخ الأصليّة لعموم تراث ابن الغضائري لم تُنسخ وعمد بعض الورثة إلى إتلافها!!
#وحيث إنّنا نريد أن نتفحّص روايات ورواة الإمامة والمهدويّة الإلهيّة الإثني عشريّة بعناية بالغة نجد من الضّروري التّوقف الإجماليّ مع محطّة هذا الرّجل المغمور؛ لإعادة الاعتبار إليه، أو تقييمه تقييماً منصفاً على أقلّ تقدير، بعد أن ساهمت الماكنات الإعلاميّة للغلوّ والتّخريف في تنحيته وإزهاق روحه المعنويّة؛ حتّى وصل الحال ببعضهم إلى وصفه: إنّه رجل يعاني من عصاب نفسي ليس له همّ سوى القدح في النّاس وتضعيفهم.
#لا يوجد لدينا تاريخ محدّد لولادة أحمد بن الحسين المعروف بابن الغضائريّ ولا وفاته، لكن يمكن أن يقال وفقاً لتواريخ ولادات ووفيات مجايله ـ كالنّجاشي والطّوسي ـ بأنّه من أبناء نهايات القرن الرّابع وبدايات القرن الخامس الهجري، كما يمكن أن نقول بأنّه مات في سنّ مبكّرة؛ وذلك لما نقله شيخ الطّائفة الإثني عشريّة الطّوسي من بيان كونه “اخترم”، والاخترام وفقاً لاستخداماته يعني الموت المبكّر كما أفادوا.
#والظّاهر إنّ لإبن الغضائريّ “الإبن” أربعة كتب أو خمسة، توزّعت ما بين الفهارس والرّجال والتّاريخ، الأوّلان ذكرهما الطّوسي في كتابه الفهرست، والآخران ذكرهما الحلّي وابن داود، والأخير ذكره النّجاشي.
#أمّا الأوّلان فقد أشار إليهما الطّوسي في مقدّمة فهرسته؛ حيث أفاد بأنّه لم يجد أحداً من أصحابنا قد كتب فهرستاً استوفى فيه كتب الأصحاب وما صنّفوه من التّصانيف ورووه من الأصول غير ما كتبه ابن الغضائريّ “الإبن”؛ «فإنّه عمل كتابين: أحدهما ذكر فيه المصنّفات، والآخر ذكر فيه الأصول، واستوفاهما على مبلغ ما وجده وقدر عليه، غير أنّ هذين الكتابين لم ينسخهما أحد من أصحابنا، واخترم هو “رحمه الله”، وعمد بعض ورثته إلى إهلاك هذين الكتابين وغيرهما من الكتب، على ما يُحكى بعضهم عنه» [الفهرست، الطّوسي: ص24]، غير إنّ الطّوسي لم يذكر لنا الكيفيّة الّتي توفّر من خلالها على معرفة مضامين هذين الكتابين لإبن الغضائري “الإبن”؛ فهل اطّلع على نسخهما الخطيّة الّتي كانت بخطّ المصنّف مباشرة مثلاً، أم أخبره بمضمونها نفس المخبر الّذي أخبره بإهلاك بعض ورثته لهما ولغيرهما أيضاً، أم تحقّق الأمر له عن طريق مخبر آخر؟! يبدو لي إنّ هذا الأمر مبهم ومُقلق ولم أجد معطيات واضحة لتفسيره.
#أمّا الكتابان الآخران فقد جاءت لهما إشارات في كتابي الخلاصة للعلّامة الحلّي وكتاب رجال أبن داود وهما من أبناء القرن الثّامن الهجري، وأمّا الكتاب الأخير أشار إليه النّجاشي في فهرسته إذا آمنا باختلافه وتغايره عن أحد الكتابين الأوّلين على تفصيل ليس ها هنا محلّه.
#ولكن من النّاحية العمليّة لم يصلنا ولا كتاب واحد لابن الغضائريّ “الإبن” حتّى لحظة السيّد أحمد بن طاووس ـ شقيق السيّد ابن طاووس المشهور ـ وفي عام: “644هـ” تحديداً؛ حيث صنّف كتاباً أطلق عليه اسم “حلّ الإشكال في معرفة الرّجال”، مُدرجاً فيه الكتب الرّجاليّة الإثني عشريّة الأربعة المعروفة، أعني بها: اختيار الكشّي وفهرست النّجاشي وفهرست الطّوسي ورجاله، وأضاف لها كتاباً خامساً قال بأنّه لإبن الغضائري وهو في ذكر الضّعفاء من الرّجال خاصّة، لكنّه نصّ على عدم وجود طريق له إلى الكتاب الأخير.
#وقد كانت نسخة من كتاب “حلّ الإشكال” بخطّ المؤلّف نفسه عند الشّهيد الثّاني المقتول سنة: “965هـ”، وقد قام نجله الشّيخ حسن المتوفّى سنة: “1011هـ” باستخراج ما يرتبط باختيار معرفة الكشّي منها فقط، مدّعياً إنّ الحاجة إلى كتاب ابن الغضائري قليلة لاختصاصه بذكر الضّعفاء [!!]، مُطلقاً على كتابه اسم: “التّحرير الطّاووسي”، وقد وقعت نفس هذه النّسخة المتآكلة والآيلة للفساد بيد المرحوم عبد الله الشّوشتري المتوفّى في أصفهان عام: “1021هـ”؛ فقام باستخراج كتاب الضّعفاء لابن الغضائريّ “الإبن” منها حصراً مرتّباً ذلك على الحروف، فقام بعد ذلك تلامذته باعتماد هذا الكتاب، ومنهم عناية الله القهبائي الّذي ادرجه في كتابه “مجمع الرّجال” المخصّص لجمع الكتب الرّجاليّة الخمسة، ولولاه لما وصل هذا الكتاب إلينا في ظلّ الإقصاء الصّفوي المتعمّد.
#ومنذ لحظة ادراج السيّد أحمد بن طاووس لهذا المصنّف في كتابه تلقّى جميع الفقهاء والرّجاليّين من تلامذته ومن لحقهم هذا الأمر بالقبول، ولم يشكّك أحدٌ في صحّة انتسابه إلى ابن الغضائريّ “الإبن” [أو الأب كما يتراءى من الشّهيد الثّاني]، بل نلاحظ إنّ تلامذة ابن طاووس كالعلامة وابن داود أكثرا من نقل آراء إبن الغضائري “الإبن” في كتبهم دون إقصاء أو تهميش، ولكن ـ ومنذ لحظة الدّولة الصّفويّة وفي سياق أيدلوجيّتها ـ سعى المحدّثون والفقهاء الإثنا عشريّة بكلّ ما بوسعهم لإسقاطه عن الاعتبار إمّا عن طريق وصف مؤلّفه بالجهالة؛ وإمّا عن طريق إنّ الاعتماد عليه يوجب طرح كثير من الأخبار، وإمّا عن طريق اتّهامه بعدم المعرفة بأحوال الرّواة؛ وإمّا عن طريق طرح احتمال كون تضعيفاته حدسيّة ومتأثّرة برؤية المقصّرة من أشاعرة قم، وقد وفّقوا في تركيز هذا الاتجاه وبسطه وتعميقه داخل الوسط الإثني عشريّ حتّى صار من البديهيّات عند كثير من المقلِّدة للأسف الشّديد.
#وهكذا استمرّ الحال حتّى وصل الأمر إلى شيخ الببلوغرافيا الإثني عشريّة المعاصر المرحوم أغا برزك الطّهراني حيث طعن هذا الكتاب طعنة مذهبيّة قويّة، مشكّكاً في أصل انتساب هذا الكتاب إلى ابن الغضائري “الإبن”، معتبراً إنّ جلالة قدر الأخير تمنع من نسبته إليه، واحتمل إن يكون الكتاب من تأليف «بعض المعاندين للإثني عشريّة المحبّين لإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، وأدرج فيه بعض أقوال نسبة الشيخ والنجاشي في كتابيهما إلى ابن الغضائري؛ ليتمكّن من النّسبة إليه، وليُروج منه ما أدرجه فيه من الأكاذيب والمفتريات…» [الذّريعة: ج4، ص290]، وقد تابعه المرحوم الخوئي على ذلك؛ معزّزاً هذه الفكرة ببعض الشّواهد من هنا وهناك يمكن العودة إليها في مظانّها.
#وبغية عدم إطالة الموضوع أكثر من الّلازم سنحاول متابعة الموضوع بما يسمح به المجال في المقال الّلاحق؛ راجياً عدم طرح تعليقات لم تأخذ دلالات عموم مفردات المقال أعلاه فضلاً عن عموم مقالات الصّفحة بعين الاعتبار، أو تعليقات يتوقّع أن تحصل على إجابة في المقالات الّلاحقة، والله من وراء القصد، [يُتبع].
#المهدويّة_الإثنا_عشريّة
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...