إمامة الكاظم “ع” والمخاض العسير!!

#تصوّر لو كنت أنت الفقيه والمتكلّم المعروف هشام بن سالم وكان بجنبك المتكلّم الشّيعي المشهور مؤمن الطّاق، وقد رحل إمامكم جعفر بن محمد الصّادق “ع” من هذه الدنيا وجميع الخُلّص من أصحابه لا يعرفون من هو الإمام من بعده، لكنّ عموم النّاس اجتمعوا على إمامة ولده عبد الله الملقّب بالأفطح وإنّه هو صاحب الأمر من بعد أبيه “ع” [استناداً إلى مرويّاتهم عن أبيه]، وانسياقاً مع هذه الحشود المتجمهرة دخلت أنت ومؤمن الطّاق على الأفطح لتستوضحوا منه حقيقة الحال، لكنّه أخفق في إجابة أسئلتكم الفقهيّة بالطّريقة الّتي تريدونها؛ فعرفتم إنّه ليس بإمام.
#خرجتم من عنده وأنتم ضلّالاً حيارى لا تعرفون أين تتوجّهون وأين تقصدون، أ للمرجئة أم للقدريّة أم للمعتزلة أم للزّيديّة… فجلستم في بعض أزقّة المدينة باكين منكّسي رؤوسكم حائرين لا تعرفون إلى أين المصير وقد رحل إمام زمانكم عنكم ولم يعيّن خليفة ووصيّاً له، وبينما أنتم كذلك وإذا بشيخ يومئ إليكم بيده طالباً منكم الاقتراب، فخفتم خوفاً شديداً أن يكون من عيون المنصور العبّاسي الّذي كان لديه بالمدينة جواسيس طلب منهم أن يدلّوه على خليفة جعفر الصّادق “ع” لكي يضرب عنقه… وفي الأثناء بادرت قائلاً لمؤمن الطّاق: تنحّ جانباً وابتعد عنّي حفاظاً على سلامتك؛ فهذا الشّيخ يريدني ولا يريدك… فتبعت الشّيخ وأنت تعدّ أنفاسك الأخيرة حيث الموت والإعدام الّذي ينتظرك، لكن المفاجأة كانت حينما أوصلك هذا الشّيخ إلى بيت موسى بن جعفر الكاظم “ع” وتركك وغادر، وإذا بالخادم يطلب منك الدّخول ويدعو لك بالرّحمة، فدخلت وإذا بالكاظم “ع” يبادرك قائلاً: «إليّ إليّ لا إلى المرجئة، ولا إلى القدريّة، ولا إلى المعتزلة، ولا إلى الزّيديّة»، وكأنّه يعلم بحيرتك وحيرة صاحبك!!
#دار حوار بينك وبين الكاظم “ع” حول رحيل أبيه وإمامة أخيه الأفطح، وحاولت جاهداً أن تستخرج منه جواباً حول شخص الإمام الّذي بعد أبيه لكنّك لم توفّق لذلك؛ فكلّما سألته: من هو الإمام بعد أبيك؟! أجابك قائلاً: «إن شاء الله أن يهديك هداك»!!، وكرّرت عليه نفس السّؤال فأعاد عليك نفس الجّواب الآنف، فقلت له: «أأنت هو»، فقال لك: «لا أقول ذلك»… ففكّرت في كيفيّة انتزاع جواب حاسم منه فقلت له: «أ عليك إمام؟!» فقال لك: «لا»؛ فدخل السّرور إلى قلبك من هذا الجّواب؛ حيث عرفت منه إنّه هو الإمام، فبادرت بتوجيه الأسئلة الامتحانيّة له بعد ذلك فكان «بحراً لا ينزف»… وبعد أن انتهت الأسئلة بادرته قائلاً:
«جعلت فداك إنّ شيعة أبيك ضُلّالٌ فهل أطرح عليهم أمر إمامتك وأدعوهم إليك فقد أخذت عليّ الكتمان؟!» فقال لك: «من آنست منه رُشداً فأخبره بالأمر وخذ عليه الكتمان فإن أذاع فهو الذّبح». [الإرشاد، المفيد: ج2، ص221].
#أقول: نقلنا مضمون القصّة أعلاه من الشّيخ المفيد في كتابه الإرشاد بإسناده الصحيح؛ فإنّ أبا يحيى الواسطي فيها هو زكريا بن يحيى الواسطي الثّقة وليس سهيل بن زياد المجهول كما احتمل ذلك بعض المحقّقين، وهي تكشف عن مرارة حقيقيّة ومعرفيّة أيضاً مرّت بها الشّيعة في تلك الأزمان، مرارة تحمل مجموعة من الأسئلة والتّأمّلات أهمّها: إنّ الذّهاب لانحراف وضلال وفسوق جميع تلك الفرق الّتي ولدت بعد وفاة كلّ إمام مع ملاحظة هذه القصّة وغيرها أمرٌ يحتاج إلى مزيد من التّأمّل والتّأنّي والتّدقيق؛ ولعل هذا الغموض هو الّذي حدا ببعض المحقّقين المعاصرين أن يتساءل بحقّ قائلاً: «إنّ عدم تعريف الإمام الصّادق “ع” وصيّه لعظماء أصحابه ومشاهيرهم المنقطعين إليه أمر عجيب لا نفهم سرّه… وحيرة مثل مؤمن الطّاق وهشام وأمثالهما أيضاً عجيبة، أفرض إنّ وصيّ الصّادق “ع” لا يكشف لهشام شهراً واحداً فما هو الموجب لاحتمال رجوعه إلى المذاهب الباطلة؟! فأين معنى الصّبر والانتظار والتّحقيق؟!».
#أجل؛ إنّنا بحاجة إلى مزيد من المراجعة لكثير من المقولات الكلاميّة الّتي دُشّنت هي وأدلّتها بعد الوقوع انسياقاً مع ضرورات المرحلة وسياسة الأمر الواقع، وعلينا أيضاً: أن نفتح آفاقنا لقبول الرأي والرأي الآخر ما دام الهدف من ذلك هو الوصول إلى الحقيقة بمعطياتها وأدواتها المتوافرة، والله من وراء القصد.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...