إقليم البحرين والخمس الشّيعي!!

22 يناير 2017
1308
ميثاق العسر

#شكّل إقليم البحرين مصدراً ماليّاً ضخماً للدولة الإسلاميّة منذ أيّام الرّسول الأكرم “ص”؛ فقد كتب “ص” إلى العلاء بن عبد الله الحضرمي واليه في الإقليم: فرائض الإبل والبقر والغنم والثّمار والأموال، فقرأ العلاء كتابه على النّاس وأخذ صدقاتهم، وصالح أهلها من غير المسلمين من أصحاب البساتين على أن يدفعوا للمسلمين أنصاف الحبّ والتّمر مبقياً لهم […]


#شكّل إقليم البحرين مصدراً ماليّاً ضخماً للدولة الإسلاميّة منذ أيّام الرّسول الأكرم “ص”؛ فقد كتب “ص” إلى العلاء بن عبد الله الحضرمي واليه في الإقليم: فرائض الإبل والبقر والغنم والثّمار والأموال، فقرأ العلاء كتابه على النّاس وأخذ صدقاتهم، وصالح أهلها من غير المسلمين من أصحاب البساتين على أن يدفعوا للمسلمين أنصاف الحبّ والتّمر مبقياً لهم الأراضي على أن تكون لهم الحريّة الدينيّة، وفرض جزية دينار على كلّ بالغ من عامّة القاطنين من غير المسلمين، وأخذ الصّدقات من أموال مسلمي الإقليم والعشور من أراضيهم، [الطّبقات الكبرى: ج4، ص14].
#وروي أيضاً: إنّ العلاء بعث إلى رسول الله “ص” من البحرين بثمانين ألفاً، فما أتاه “ص” مالٌ كان أكثر منه لا قبل ولا بعد؛ فأُمرَ بها فنُشرت على حصير ونودي بالصّلاة، فجاء “ص” فمثُل على المال قائماً وجاء النّاس حين رأوا المال وما كان يومئذ عدد ولا وزن، وما كان إلّا قبضاً، فجاء العبّاس بن [عبد المطّلب] فقال: يا رسول الله إنّي أعطيت فداي وفدي عقيل بن أبي طالب يوم بدر ولم يكن لعقيل مال، فأعطني من هذا المال، فقال خُذْ، فحثا العبّاس في خميصة كانت عليه ثم ذهب ينهض فلم يستطع فرفع رأسه إلى رسول الله “ص” فقال: يا رسول الله أرفع عليّ، فتبسّم رسول الله “ص” حتّى خرج ضاحكه أو نابه، وقال: ولكن أعد في المال طائفة وقم بما تُطيق…» [المصدر السّابق: نفس المعطيات].
#ومن القبائل الكبيرة الّتي تسكن في إقليم البحرين هي قبائل بني عبد قيس، وهي القبائل الّتي يصرّ بعض فقهاء الشّيعة ومراجعهم ـ تبعاً للمرحوم مرتضى العسكري ـ على إنّ رسول الله “ص” أمرهم أن يدفعوا خمس أرباح تجاراتهم وصناعاتهم إليه، وبذلك حاولوا أن يدفعوا الإشكال التّاريخي المستحكم الّذي يقف أمام هذا الّلون من الخمس؛ حيث قرّروا:
كيف تقولون إنّ الرّسول لم يطالب بالخمس وها هو يطلب من وفد عبد القيس الّذي زاره وطلب منه أن يقدّم له الأوامر الّتي لو عملوا بها لدخلوا الجنّة، فأمرهم بمجموعة أمور منها: أن يعطوا من المغنم الخمس، وحيث لا حرب عندهم؛ إذن فهو الخمس الشّيعي!!
#جاء في الرواية كما رواها البخاري في صحيحه:
«إنّ وفد عبد القيس لما أتوا النبيّ “ص”… فقالوا يا رسول الله: إنّا لا نستطيع أن نأتيك إلّا في الشهر الحرام وبيننا وبينك هذا الحيّ من كفار مضر، فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا وندخل به الجنّة وسألوه عن الأشربة، فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع:
أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: أتدرون ما الايمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله؛ وأقام الصلاة؛ وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تُعطوا من المغنم الخمس. ونهاهم عن أربع… وقال احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم». [صحيح البخاري: ج1، ص19].
#ونصّ الخوئي في تقريب هذا الاستدلال: «على إنّ العامّة قد رووا هذا الخمس عن النبي “ص”؛ فقد ورد في صحيح البخاري والترمذي أنّ رجلاً من بني عبد قيس جاء إلى النبي “ص” فلما أراد الانصراف أمره “ص” بالصلاة والصيام والزكاة وإعطاء الخمس مّما غنم؛ فإنّ من الواضح عدم إرادة الخمس من غنائم دار الحرب؛ لعدم فرض قتال أو غزو، بل المراد خمس الأرباح والمتاجر كما لا يخفى» [مستند العروة الوثقى، الخمس:ص197].
أقول: سواء أ كانت الأمور الّتي أمر الرسول “ص” أربعة أم خمسة، ولكن لدينا مجموعة من الاستيضاحات منها:
1ـ إذا كان مقصود الرّسول “ص” من خمس المغنم في هذه الرواية هو الخمس الشّيعي وهو من علائم الإيمان فلماذا لم يكتبه الرّسول “ص” في الكتاب الّذي كتبه إلى واليه في إقليم البحرين حينما عيّن له الفرائض الّتي ينبغي أخذها من أهالي الإقليم؟!
2ـ إذا كان هذا الحكم من وظيفة المكلّف لا وظيفة الوالي كما يحاول بعضهم أن يبرّر ذلك فهل من المعقول أن لا يوجد في قبائل عبد القيس أو وفدهم بالخصوص متشرّع ومتديّن واحد أحسّ بهذا الواجب الشّرعي فأخرج خمس فاضل مؤونته ودفعه إلى العلاء بن عبد الله الحضرمي ليوصله إلى الرّسول مثلاً؟!
3ـ لماذا لم ينقل لنا التّاريخ ولا حادثة واحدة من متشرّع ومتديّن واحد من أبناء هذا الإقليم قام بدفع خمسه الشّيعي إلى الوالي في تلك المنطقة، بينما نقل لنا التّاريخ دفعهم صدقاتهم وخراجهم وجزيتهم والّتي بلغت مبلغاً كبيراً لم يأت الرسول مثله لا قبل ولا بعد؟!
#كلّ هذا يكشف عن إنّ خمس المغانم والغنيمة الوارد في هذه النّصوص ليس له علاقة بخمس الأرباح الشّيعي لا من قريب ولا من بعيد، بل هي تدلّ على خمس غنائم الحروب الّتي لا يُشترط فيها حضور الرّسول “ص” وكيف يكون ذلك وهي تبتعد عن الرّسول “ص” مسافات طويلة جدّاً، وإن أبيت ذلك فأقصى ما يمكن أن يقال في تفسير هذه الغنائم هو: إنّها تعني تلك الأمور الّتي تحصل للإنسان من غير مشقّة ولا ترقّب كالكنز مثلاً.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...