أوامر الرّسول بإبادة الكلاب وسؤال الأخلاق المقلق!!

22 سبتمبر 2020
148
ميثاق العسر

#الثّابت الجزمي في تراث المسلمين أنّ للرّسول “ص” موقفاً سلبيّاً جدّاً من الكلاب وصل حتّى الأمر بإبادتهم جميعاً، والمنقول في صحاحهم أنّ ذلك يرجع إلى أنّ جبرائيل كان لا يدخل إلى بيوت فيها كلاب، وبقطع النّظر عن الرّوايات الواردة في تفصيل هذا الأمر وسببه، لكنّا سنبدأ بذكر بعض صيغ الرّوايات الّتي تحدّثت عن تنفيذ أوامر […]


#الثّابت الجزمي في تراث المسلمين أنّ للرّسول “ص” موقفاً سلبيّاً جدّاً من الكلاب وصل حتّى الأمر بإبادتهم جميعاً، والمنقول في صحاحهم أنّ ذلك يرجع إلى أنّ جبرائيل كان لا يدخل إلى بيوت فيها كلاب، وبقطع النّظر عن الرّوايات الواردة في تفصيل هذا الأمر وسببه، لكنّا سنبدأ بذكر بعض صيغ الرّوايات الّتي تحدّثت عن تنفيذ أوامر الرّسول بإبادة جميع الكلاب والواردة في صحاح المسلمين، وسنخضعها للتّقييم المضموني من زاوية سؤال الأخلاق، فنقول:
#روى أحمد المتوفّى سنة: “241هـ”، والطّحاوي المتوفّى سنة: “321هـ”، والطّبراني المتوفّى سنة: “360هـ”، بأسانيدهم الصّحيحة عن أبي رافع ـ والّلفظ للطّحاوي ـ قوله: «أمرني رسول الله “ص” بقتل الكلاب، فخرجت أقتلها لا أرى كلباً إلّا قتلته، حتّى أتيت موضع كذا وسمّاه، فإذا فيه كلب يدور ببيت، فذهبت أقتله، فناداني إنسان من جوف البيت: يا عبد الله، ما تريد أن تصنع؟ قلت: إنّي أريد أن أقتل هذا الكلب، قالت: إنّي امرأة بدار مسبعةٍ، وإنّ هذا الكلب يطرد عنّي السّباع، ويردّ عني ما كان، فأت النّبي “ص”، فاذكر له ذلك، فأتيت النّبي “ص”، فأمرني بقتله». [مشكل الآثار: ج12، ص87، تحقيق: الأرنؤوط؛ شرح معاني الآثار: ج4، ص57، عالم الكتب؛ مسند أحمد: ج45، ص167، تحقيق: الأرنؤوط؛ المعجم الكبير للطّبراني: ج1، ص326، مكتبة ابن تيمية].
#وروى مسلم المتوفّى سنة: “261هـ”، وغيره أيضاً، بالإسناد الصّحيح عندهم، عن عبد الله بن عمر قوله: «كان رسول الله “ص” يأمر بقتل الكلاب، فننبعث [وفي نسخة: فتتبّعت] في المدينة وأطرافها فلا ندع كلباً إلّا قتلناه، حتّى إنّا لنقتل كلب المريّة [مصغّر امرأة] من أهل البادية يتبعها». [صحيح مسلم: ج4، ص264، دار التّأصيل؛ صحيح البخاري: ج4، ص130، ط طوق النّجاة].
#كما روى الكلينيّ المتوفّى سنة: “329هـ” بإسناده الموثّق عندهم عن السّكوني عن الصّادق “ع” قوله: «قال أمير المؤمنين [عليّ] “ع”: بعثني رسول الله “ص” إلى المدينة فقال: لا تدع صورة إلّا محوتها، ولا قبراً إلّا سوّيته، ولا كلباً إلّا قتلته» [الكافي: ج6، ص528].
#والظّاهر أنّ تراجعاً حصل في الأمر الفوقانيّ العامّ الّذي أصدره الرّسول بإبادة جميع الكلاب؛ حيث رووا مجيء النّاس إليه وقولهم له: «يا رسول الله، ماذا يحلّ لنا من هذه الأمّة الّتي أمرتنا بقتلها؟ قال: فنزلت: “يسألونك ماذا أحلّ لهم؟ قل أحلّ لكم الطّيبات وما علّمتم من الجوارح مكلّبين” [المائدة: 4]». وأيضاً: «أمرنا رسول الله “ص” بقتل الكلاب، حتّى إنّ المرأة تقدم من البادية بكلبها فنقتله، ثمّ نهى النّبي “ص” عن قتلها، وقال: عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين؛ فإنه شيطان». [مصادر سابقة].
#وإذا أردنا أن نقصر النّظر الأخلاقي على حادثة قتل كلب تلك المرأة المسكينة ولا نعمّم الأمر إلى عموم الكلاب، ونعطيها إلى المسلم المتديّن والّذي يؤمن بتراث علمائه وفتاواهم ومناهجهم في توزين الأحاديث والرّوايات، ونطلب منه توزينها أخلاقيّاً بعد أن ثبتت صحّة صدورها عندهم، فسوف يعقد القلب عليها ويسلّم، ويقول: ما فعله الرّسول “ص” هو الحقّ الّذي ينبغي أن يُتّبع، ولا ينبغي أن يرفّ لنا جفن تجاه هذه المرأة ولا كلبها، ولا شكّ في وجود حِكَم ربّانيّة وعنايات سماويّة نجهلها تقف وراء هذه الممارسة، وما علينا إلّا الصّمت والسّكوت.
#وحينما تُعطي هذه الحادثة إلى من يُمكن وصفهم بالوردّيين الجُدد ممّن لم يقرأوا شيئاً من تراثهم وموروثهم، وممّن انقدحت في ذهنهم حكاية أنّ نسخة القرآن المتداولة هي الأصل الّذي ينبغي محاكمة التّراث على أساسه، وبالتّالي: يجعلون الميزان في الصحّة والسّقم آية: وإنّك لعلي خلق عظيم، من دون أن يعرفوا دواعي صدور هذه الآية، ومضمونها، ومفادها، ومجالها، وحدودها، ومن غير أن يعرفوا طريقة جمع نسخة القرآن المتداولة وآليّاتها، وليس لهم أيّ معلومة عن تراثهم وفتاوى فقهائهم ومراجع تقليدهم المستلّة من هذه النّصوص وأضرابها، أقول: حينما تُعطي هذه الحادثة إلى أمثال هؤلاء: يبادرون فوراً لنفيها، ويجزمون بامتناع صدورها من الرّسول وفقاً لهذا الأساس!!
#وحينما تُعطي هذه الحادثة إلى الباحث الّلا مذهبي والمحايد يستغرب كثيراً، ويتألّم كثيراً ويُشفق على قتل الكلاب بهذه الطّريقة فضلاً عن حالة تلك المرأة المسكينة الّتي كانت تجني الكلب من أجل حفظها أو حفظ ماشيتها، فهل يُمكن لدين يُفترض أنّه قد جاء من أجل تعميق الأخلاق والقيم في الفرد والمجتمع أن يُقدم على مثل هذه الممارسة، وفي الوقت نفسه يدّعي أتباعه بأنّه دين سماويّ لعموم البقاع والأصقاع حتّى نهاية الدّنيا، ويستنبطون فتاوى فقهيّة من هذه النّصوص نفسها؟!
#وفي مقام التّعليق على هذه الأقسام أقول: أمّا القسم الأوسط فلا تعنيني مخاطبتهم؛ لأنّهم لا يعرفون شيئاً من تُراثهم ولا طريقة تكوينه، وهم ضحيّة شعارات زائفة لا غير، والمهم هو القسمان الآخران، فعليك أن تفكّر وتتأمّل جيّداً لترى نفسك تحت أيّ قسم تكون، وهل يُمكن أن تسوّق إسلام أمّ القرى إلى عموم العالم وتطلب منهم أن يأخذوا منّك موقفاً إيجابيّاً وأخلاقيّاً وإنسانيّاً سليماً، مع أنّ راعي هذا الإسلام وزعاماته يصدرون أوامر إبادة شاملة بحقّ حيوانات بريئة خُلقت كي تعيش بل يحمل بعضها منفعة أكثر من بعض بني البشر أيضاً، وكان بالإمكان الاقتصار على الحكم الفقهي تجاهها فقط؟! ما هي المشكلة وأين الحلّ؟!
#اعتقد أنّ أمامك مشواراً طويلاً من التّأمّلات والاستقصاءات، وهي لن تكون ما لم تخلع نظّارتك المذهبيّة وتتحلّى بالعلم، وتذهب وتقرأ تراثك بعرضه العريض بنظرة عقلانيّة إنسانيّة محضة، وحينذاك ستموضع كلّ شيء في موضعه، وتقدّر الأمور بقدرها، وتعرف أنّ ما لله لله وما لقيصر لقيصر، وحينها ستترك الماضي لأهله، وتقتصر منه على ما يخدم حاضرك ومستقبلك لا غير، فتأمّل كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر
#الرّسول_المذهبي


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...