أمانة الطّبريّ في نقله عن أبي مخنف!!

20 سبتمبر 2019
43
ميثاق العسر

#نحن نؤمن بأنّ ابن جرير الطّبريّ المتوفّى سنة: “310هـ” كان أميناً في نقله عن كتاب مقتل الحسين بن عليّ “ع” لأبي مخنف المتوفّى سنة: “157هـ”، ولم يتصرّف فيما نقله عنه أو يعدّل ويغيّر ويُضيف، وإذا وجدت هناك أخطاء أو زيادات أو تعديلات فيتحمّلها من هو قبله لا شخصه، لكنّا لا نُبرّئ رئيس الطّائفة الإثني عشريّة […]


#نحن نؤمن بأنّ ابن جرير الطّبريّ المتوفّى سنة: “310هـ” كان أميناً في نقله عن كتاب مقتل الحسين بن عليّ “ع” لأبي مخنف المتوفّى سنة: “157هـ”، ولم يتصرّف فيما نقله عنه أو يعدّل ويغيّر ويُضيف، وإذا وجدت هناك أخطاء أو زيادات أو تعديلات فيتحمّلها من هو قبله لا شخصه، لكنّا لا نُبرّئ رئيس الطّائفة الإثني عشريّة المفيد المتوفّى سنة: “413هـ” في تصرّفه ببعض النّصوص المنقولة عن أبي مخنف حذفاً وتعديلاً وابتساراً أيضاً؛ حيث بادر لذلك انسياقاً مع قبليّاته المذهبيّة ومنطلقاته الآيدلوجيّة، ومن يقارن يجد ذلك بوضوح.
#وفي مثل هذه الحالة: فمن يؤمن بوثاقة المفيد وحقّانيّة اجتهاداته في البتر والتّعديل في هذا المجال فيمكنه أن يقدّم نقله على نقل الطّبريّ في حالة ما إذا حصل تعارض واضح في البين ولم تكن له مرجّحات أخرى، أمّا من لا يؤمن بوثاقة المفيد وحقّانيّة اجتهاداته في هذا المجال ـ وهذه قيود مهمّة ـ ويرى أنّ الصّحيح هو: الاعتماد على المصدر الأصلي كما جاء في نقل الطّبري وغيره أيضاً، فلا يمكنه حينذاك الوثوق بنقل المفيد.
#ولكي نقرّب الفكرة نضرب مثالاً على ذلك: حكى الطّبريّ عن أبي مخنف، وهو بدوره نقل عن: الحارث بن كعب، عن فاطمة بنت عليّ بن أبي طالب “ع” إنّها قالت: «لما أجلسنا بين يدي يزيد بن معاوية رقّ لنا، وأمر لنا بشيء، وألطفنا، قالت [فاطمة بنت عليّ “ع”]: ثمّ إنّ رجلاً من أهل الشام أحمر، قام إلى يزيد فقال: يا أمير المؤمنين، هبْ لي هذه، يعنيني، وكنت جارية وضيئة [والحديث لفاطمة بنت عليّ “ع”]، فأرعدت وفرقت، وظننت أنّ ذلك جائز لهم، وأخذت بثياب أختي زينب، قالت [فاطمة بنت عليّ]: وكانت أختي زينب أكبر منّي وأعقل، وكانت تعلم أنّ ذلك لا يكون، فقالت [زينب لهذا الشّامي]: كذبت والله ولؤمت! ما ذلك لك وله، فغضب يزيد، فقال [يزيد]: كذبت والله، إنّ ذلك لي، ولو شئت أن أفعله لفعلت، قالت [زينب]: كلّا والله، ما جعل الله ذلك لك إلّا أن تخرج من ملتنا، وتدين بغير ديننا، قالت [فاطمة بنت عليّ]: فغضب يزيد واستطار، ثُمّ قال [يزيد]: إياي تستقبلين بهذا! إنّما خرج من الدّين أبوك وأخوك، فقالت زينب: بدين الله ودين أبي ودين أخي وجدّي اهتديت أنت وأبوك وجدّك، قال [يزيد]: كذبت يا عدوّة الله، قالت [زينب]: أنت أمير مسلّط؛ تشتم ظالماً وتقهر بسلطانك. قالت [فاطمة بنت عليّ] فوالله لكأنه استحيا [تعني يزيد]، فسكت، ثمّ عاد الشاميّ فقال: يا أمير المؤمنين هبْ لي هذه الجارية، قال: اعزب، وهب الله لك حتفاً قاضياً». [تاريخ الطّبريّ: ج5، ص461؛ تاريخ دمشق: ج69، ص176].
#لكنّنا حينما نقرأ هذه الحكاية والملاسنة الكلاميّة الّتي حصلت فيها في كتاب الإرشاد للمفيد فضلاً عمّن قلّده من الإثني عشريّة الّلاحقين نجد فيها تبديلات في الاسماء؛ فرغم أنّها من روايات مقتل أبي مخنف الّتي نقلها عن الحارث بن كعب عن فاطمة بنت عليّ بن أبي طالب، إلّا أنّ المفيد بعد أن بادر لحذف أسنادها انسياقاً مع طريقته في تصنيف الإرشاد ارتكب خطأً فاحشاً؛ وذلك لأنّ أبا مخنف يروي الرّواية بواسطة واحدة عن فاطمة بنت علي بن أبي طالب، وهي الّتي حدّثته فقالت: «لما أجلسنا بين يدي يزيد بن معاوية رقّ لنا، وأمر لنا بشيء، وألطفنا…إلخ»، لكنّ المفيد بعد أن حذف أسنادها عدّل في اسم راويتها فقال: «قالت فاطمة بنت الحسين “ع”: فلمّا جلسنا بين يدي يزيد رقّ لنا…»، فبدّل فاطمة بنت عليّ بفاطمة بنت الحسين، وأيضاً نلاحظ: في نقل الطّبريّ عن أبي مخنف أنّ فاطمة بنت عليّ قالت بعد أن طلبها الشّامي من يزيد: «وأخذت بثياب أختي زينب، وكانت أختي زينب أكبر منّي وأعقل، وكانت تعلم أنّ ذلك لا يكون»، أمّا المفيد فحوّل العبارة أعلاه انسياقاً مع تبديله للاسم فقال: «فأخذت بثياب عمتي زينب، وكانت تعلم أنّ ذلك لا يكون». [الإرشاد: ج2، ص121].
#ومن الواضح: إنّ فاطمة بنت عليّ بن أبي طالب هي الأصحّ؛ وهذا ما أكّده بعينه المرحوم الصّدوق المتوفّى سنة: “381هـ” بإسناده عن أبي مخنف عن الحارث بن كعب عن فاطمة بنت عليّ، وهو الطّريق نفسه الّذي ذكره الطّبريّ عن كتاب أبي مخنف لا غير. [الأمالي: ص167؛ بحار الأنوار: 45، 156]، ولا ندري ما هو المبرّر الّذي حدا بالمفيد إلى مثل هذا التصرّف الخاطئ خصوصاً وقد عدّها كإحدى بنات عليّ بن أبي طالب “ع” وترحّم عليها وإنّها من أمّ ولد له “ع”. [الإرشاد: ج1، ص355]، ومن هنا كان المرحوم محمّد تقي الشّوشتري المتوفّى سنة: “1416هـ” محقّاً حينما نقل تبديلات الإرشاد والّلهوف فقال: «والظّاهر أنّ الصواب الأوّل [أي نقل الطّبريّ]؛ لكونه الأصل». [قاموس الرّجال: ج12، ص268].
#ولعلّ من شواهد بتر المفيد أيضاً هو عدم ادراجه النصّ التّالي الّذي نقله الطّبريّ عن أبي مخنف أيضاً؛ حيث قال: «وقال الحارث بن كعب: فقالت لي فاطمة بنت علي: قلت لأختي زينب: يا أخية، لقد أحسن هذا الرجل الشأمي إلينا في صحبتنا[وهي تتحدّث عن الرّجل الشّامي الّذي أرسله يزيد لمرافقتهم إلى المدينة]، فهل لكِ أن نصلهُ؟ فقالت [لها زينب]: والله ما معنا شيء نصلُه به إلّا حُليّنا، قالت لها [فاطمة بنت عليّ]: فنعطيه حلينا، قالت: فأخذت سواري ودملجي، وأخذت أختي [زينب] سوارها ودملجها، فبعثنا بذلك إليه، واعتذرنا إليه، وقلنا له: هذا جزاؤك بصحبتك إيّانا بالحسن من الفعل، قال: فقال: لو كان الّذي صنعتُ إنّما هو للدّنيا كان في حليكن ما يرضيني ودونه، ولكن والله ما فعلته إلّا لله، ولقرابتكم من رسول الله “ص”». [تاريخ الطّبريّ، مصدر سابق: ص462]، ولعلّ المفيد وجد إنّ هذه الرّواية لا تنسجم مع ما نقله قبلها من دعوى: سلب جيش عمر بن سعد نساء الحسين “ع”، وهذا موضوع جادّ يحتاج إلى وقفة مستأنفة نعد بها في دراسات لاحقة، وهو لا يُعدّ مبرّراً لحذف هذه الرّواية وعدم نقلها أيضاً.
#أمّا فاطمة بنت عليّ فهي ممّن حضر واقعة كربلاء، وقد عاشت بعد ذلك وعمّرت حتّى توفّيت هي وبنت أخيها سكينة سنة: “117هـ” [تاريخ الطّبريّ: ج7، ص107]، وهي امرأة معروفة في كتب الحديث والتّراجم والأنساب أيضاً، ولها في التّراث السُنّي رواية عن أخيها محمّد بن الحنفيّة واسماء بنت عميس كما روى عنها كثيرون أيضاً، وهي إحدى رجالات الكافي حيث روت عن الزّوجة الثّانية لأبيها أمامة بنت أبي العاص والّتي هي بنت زينب بنت الرّسول “ص” أخت فاطمة “ع”، ولها رواية في رجال الكشّي حول المختار، وتفصيل الحديث عنها وعن أزواجها وأولادها يُطلب من مظانّه. [لاحظ على سبيل المثال: الطّبقات الكبرى: ج8، ص340؛ المجدي: ص12، ط مكتبة المرعشي؛ السُنن الكبرى للنّسائي: ج5، ص6؛ ج7، ص308، إشراف: شعيب الأرنؤوط؛ قرب الأسناد: ص163؛ الكافي: ج6، ص369؛ اختيار معرفة الرّجال: ص340، تحقيق: مهدي رجائي، أمالي المفيد: ص94؛ أمالي الطّوسي: ص636].
#لكنّ الطّريف إنّ رائد نظريّة الحسين المذهبيّ المُمثّل، أعني السيّد عليّ بن طاووس المتوفّى سنة: “664هـ” قد انساق مع نقل المفيد وتعديلاته وأضاف للحادثة تزويقات مذهبيّة طريفة، حيث قال في لهوفه: «فنظر رجل من أهل الشام إلى فاطمة بنت الحسين “ع” فقال: يا أمير المؤمنين هبْ لي هذه الجارية، فقالت فاطمة لعمّتها [زينب]: يا عمّتاه! أو تمتْ وأستخدمُ؟! فقالت زينب: لا، ولا كرامة لهذا الفاسق، فقال الشّامي: من هذه الجارية؟ فقال يزيد: هذه فاطمة بنت الحسين، وتلك زينب بنت علي بن أبي طالب، فقال الشّامي: الحسين بن فاطمة “ع” وعلي بن أبي طالب “ع”؟! قال [يزيد]: نعم، فقال الشّامي: لعنك الله يا يزيد؛ أ تقتل عترة نبيّك، وتسبي ذريته، والله ما توهمت إلّا أنّهم سبي الرّوم، فقال يزيد: والله لألحقنك بهم، ثمّ أمر به فضربت عنقه». [الّلهوف: ص218].
#وهنا يحسن بي التّذكير بنقطتين هامّتين:
#الأولى: عمد الشّيخ محمّد هادي اليوسفي إلى استخراج ما نقله الطّبريّ والمفيد وغيرهم عن أبي مخنف ووضعه في كتاب حمل عنوان: “وقعة الطّف”، لكنّ المؤسف إنّنا نلحظ حذفه بعض ما نقله الطّبريّ عن أبي مخنف أيضاً، وحاول الانسياق مع نقولات المفيد في بعض الأحيان، ولهذا بتر حكاية منح زينب وأختها فاطمة حليهنّ إلى الرّجل الشّامي، وهو أمر يبعث على القلق كثيراً ما دامت النيّة هي: استخراج نصوص أبي مخنف؛ إذ ربّما نجد العذر للمفيد في بتره باعتباره يكتب قناعاته الخاصّة مثلاً، لكن أن يُكتب كتاب بعنوان مقتل أبي مخنف ويُبتر منه مثل هذه النقولات مع تنصيصه في مقدّمة كتابه على رواية أبي مخنف لها [ص48] فهو أمر لا يمكن استساغته، علماً: إنّنا وجدنا حكاية الحليّ منقولة بأمانة في محاولة الحسن الغفّاري المطبوع قبله تحت عنوان: “مقتل أبي مخنف” [ص215]، والله العالم بحقائق الأمور.
#الثّانية: عمدت مؤسّسة دار الحديث الإيرانيّة إلى طباعة كتاب تحت عنوان: الصّحيح من مقتل الحسين “ع”، ورغم الجهود الكريمة المبذولة في هذا الكتاب من حيث الاستقصاء، لكنّه للأسف الشّديد لم يستطع التخلّص من الرؤية المذهبيّة المنسجمة مع الحسين المذهبيّ في عرضهم للأحداث كما يلحظ المتتبّع الفاحص ذلك في مواطن عدّة، ولم يقتصر الأمر على ذلك؛ بل نلاحظهم حينما جاؤوا إلى هذه الحكاية اقتصروا في نقلها على ما كتبه المفيد وابن طاووس في تسميتها بفاطمة بنت الحسين أيضاً، وتجاوزوا نقل الطّبري والصّدوق، وكأنّ شيئاً لم يكن، وهذه من الأخطاء المعيبة جدّاً في عملهم، وكم له من نظير؛ لذا وجب التّنويه.
#فتحصّل ممّا تقدّم: إنّ ما حكاه ابن جرير الطّبريّ في تاريخه عن كتاب أبي مخنف حول حادثة كربلاء وقبيلها وبُعيدها هو المرجّح عندنا على نقولات المفيد عنه؛ وذلك لأنّ الأخير كان قد عمد إلى إسقاط قناعاته المذهبيّة ومنطلقاته الآيدلوجيّة على هذه النّقولات فحصل تغيير وبتر في بعضها؛ لذا لا يمكن الوثوق بتغييراته وابتساراته المغايرة لما جاء في تاريخ الطّبريّ من نقل عن أبي مخنف والمعزّزة بنقولات غيره أيضاً، فليُتأمّل كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...