أمانة الصّدوق وتفسير العسكري!!

16 يونيو 2018
1094
ميثاق العسر

#في النّصف الثّاني من القرن الرّابع الهجري اُشتهر في الأوساط الإثني عشريّة تفسير أُطلق عليه تفسير العسكري انتساباً إلى الحسن بن عليّ العسكري “ع”، ولعلّ أشهر مقولة روائيّة دّائرة على الألسن العرفيّة في خصوص التّقليد الفقهيّ المتداول ومشروعيّته تعود إلى هذا التّفسير، أعني مقولة: “فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، […]


#في النّصف الثّاني من القرن الرّابع الهجري اُشتهر في الأوساط الإثني عشريّة تفسير أُطلق عليه تفسير العسكري انتساباً إلى الحسن بن عليّ العسكري “ع”، ولعلّ أشهر مقولة روائيّة دّائرة على الألسن العرفيّة في خصوص التّقليد الفقهيّ المتداول ومشروعيّته تعود إلى هذا التّفسير، أعني مقولة: “فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مُطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه”. [تفسير العسكري: ص300]، وكان أوّل حضور لهذا التّفسير في التّراث الإثني عشريّ هو في أيّام المرحوم الصّدوق أي بعد وفاة المنسوب إليه بقرن ونصف تقريباً؛ حيث يُعتبر الرّاوي الأوّل له عن راويه الثّالث حسب الفرض؛ ويدّعي الصّدوق إنّ محدّثاً ومفسّراً يُسمّى بـ: “محمّد بن القاسم الجرجاني الاسترابادي” هو من نقل له هذا التّفسير، وقد نقل الصّدوق بعض نّصوصه في تراثه الواصل وادّعى إنّه نقله بالكامل في كتابه تفسير القرآن الّذي لم يتمّه ولم يصل إلينا أيضاً، لكن روي هذا التّفسير كاملاً عن نفس الصّدوق مباشرة بتوسّط طريقين كما قالوا، وهو التّفسير المطبوع والمتداول في أوساطنا تحت عنوان: “تفسير العسكري”.
#لا يهمّني الحديث فعلاً عن هذا التّفسير وقيمته المعرفيّة والاتّجاهات المتعاكسة جدّاً في تقييمه ولا عن طُرق وصوله إلينا وتعدادها بما في ذلك الإجازات؛ فهذا ما سنؤجّل الحديث عنه إلى وقت آخر، لكنّي اضطررت لتقديم هذه المقدّمة العاجلة كي أضع القارئ النّابه في سياق التّدليل على الكبرى الّتي طرحناها فيما مضى وهي: عدم وثاقة المرحوم الصّدوق في خصوص تفرّداته؛ وذلك لأنّه لا ينقل النّصوص بأمانة علميّة كاملة، بل يبادر إلى التّصرّف فيها بالزّيادة والنّقيصة والتّطبيق استناداً إلى منطلقاته الآيدلوجيّة ورؤيته العقائديّة المذهبيّة، وقد ذكرنا فيما مضى شواهد عدّة على هذا المدّعى ونهتمّ اليوم بذكر شاهد آخر يعزّز هذه الفكرة ومن التّفسير المنسوب للعسكري “ع” والّذي يُعتبر الصّدوق الرّاوي الحصريّ له؛ حيث لا مجال لادّعاء تعدّد النّسخ ولا الطّرق في البين؛ كما هي الشّماعة الدّائميّة الّتي يستخدمها لتبرير هذه الأمور خطأً حتّى الكبار للأسف الشّديد كما نوّهنا لذلك مراراً.
#وردت في التّفسير المنسوب للعسكري مناجاة بين نبيّ الله موسى وربّه تضمّنت عدّة فقرات للمفاضلة بين موسى وأمّته من جانب ونبيّنا محمّد “ص” وأمّته من جانب آخر، ومن ضمن هذه الفقرات هي المفاضلة بين صحابة موسى وصحابة نبيّنا “ص” جاء فيها:
#فقال موسى: يا رب فإن كان آل محمّد كذلك فهل في أصحاب الأنبياء أكرم عندك من صحابتي؟! قال الله: يا موسى أما علمت أنّ فضل صحابة محمّد على جميع صحابة المُرسلين كفضل آل محمّد على جميع آل النّبيّين وفضل محمّد على جميع المرسلين» [تفسير العسكري، ص: 32].
#لكنّ المرحوم الصّدوق حينما نقل هذه المناجاة في ثلاثة من كتبه وهي: “الفقيه؛ العلل؛ والعيون” بادر لحذف جميع السّطور آنفة الذّكر، كما قام بتقصيص وتعديل الفقرة الّتي تلي هذه السّطور لكي يحفظ من خلال ذلك الانسجام المضموني مع الفقرة الّتي قبلها بعد الحذف المتعمّد؛ كلّ ذلك انطلاقاً من منطلقاته الآيدلوجيّة ومرتكزاته العقائديّة وافراطيّته المذهبيّة، فجاءت الفقرة الأخيرة من المناجاة بالنّحو التّالي:
#فقال يا ربّ: فإن كان آل محمّد كذلك فهل في أمم الأنبياء أفضل عندك من أمّتي، ظللت عليهم الغمام…إلخ» [الفقيه: ج2، ص327؛ العلل: ج2، ص417؛ العيون: ج1، ص283]، مع إنّ هذه الفقرة من المناجاة الأصليّة كما رويت عنه في التّفسير المتداول كانت بالنّحو التّالي: «فقال موسى يا ربّ: فإن كان محمّد وأصحابه كما وصفت فهل في أمم الأنبياء أفضل عندك من أمّتي ظللت عليهم الغمام…إلخ» [تفسير العسكري: ص32].
#وربّما يُحتمل أن تكون هذه الإضافة من قبل الرّواة الّذين رووا هذا التّفسير عن الصّدوق، لكنّ مثل هذا الاحتمال يفتقد مبرّراته؛ لأنّ دواعي إضافة مثل هذه الإضافة في مدح صحابة الرّسول محمّد “ص” من قبل رواة المفروض إنّهم إثنا عشريّة ولديهم موقف سلبي من معظم الصّحابة مستبعدة جدّاً، خصوصاً وإنّ هذا الأمر خلاف ظاهر كونهم مشايخ إجازة وليس لهم دور سوى نقل الحديث كما يقولون؛ فإذا ما موضعنا هذا الأمر في سياق الشّواهد الّتي تقدّمت والّتي ستأتي أيضاً من المرحوم الصّدوق يتّضح بجلاء إنّه من بادر لذلك، ومن يلتزم بكون رواة هذا التّفسير هم من قاموا بإقحام هذا النّوع من الفقرة فيه فعليه أن يلتزم باحتماليّة الزّيادة والنّقيصة في جميع التّفسير، ولا اعتقد إنّ أحداً من دعاته ومؤيّديه يذهب إلى ذلك، بل يراه ذا مضامين عالية لا مجال للنّقاش فيها، فتدبّر وتذكّر مبنانا في تفرّدات المرحوم الصّدوق.
#وفي الختام يهمّني أن أسجّل أسفي البالغ؛ حيث كنت أحسن الظّن بعمل محقّقي مؤسّسة آل البيت “ع” لأحياء التّراث بإشراف الحجّة جواد الشّهرستاني “دامت توفيقاته”؛ إذ قد أسهمت مؤسّستهم الكريمة في إحياء جملة من التّراث الرّوائي والفقهي والأصولي والرّجالي لمدرسة أهل البيت “ع” فلله درّهم وعليه أجرهم، لكنّي حينما عدت إلى هذا الموضع من تحقيقهم المطبوع عام: “1431هـ” لكتاب “عيون أخبار الرّضا “ع”” لم أجد في الهامش أيّ إشارة إلى توافر سقط في البين، وكأنّهم يتابعون في ذلك إهمال الطّبعات الّتي سبقتهم، مع إنّ تفسير العسكري وبقيّة المصادر الّتي أوردت هذه الفقرة موجود بين أيديهم دون شكّ وريب، ومقتضى بدهيّات علم تحقيق المخطوطات هو الإشارة إلى هذا الفارق البيّن والواضح لا الصمّت حياله وكأنّ على رؤوسهم الطّير… أتمنّى عليهم أن يتحفونا بتفسير معقول لهذا الإغفال؛ إذ قد يكون لهم عذر غير المذهبيّة ونحن نلوم، والله من وراء القصد.
#المهدويّة_الإثنا_عشريّة
#ميثاق_العسر
#إلماع: لرؤية المصادر إنظر التّعليق الأوّل.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...