أكذوبة إخراج السّهام من عليّ “ع” حال الصّلاة!!

4 يونيو 2019
455
ميثاق العسر

#ربّما طرق سمعك كثيراً حكاية انقطاع عليّ بن أبي طالب “ع” في صلاته إلى الله تعالى بحيث إنّهم كانوا يستغلّون وقت صلاته لاستخراج السّهام والنّصال العالقة في جسمه منه كي لا يشعر بألمها، وحينما رأى دعاة هذه الحكاية اصطدام هذا الموقف مع حادثة التفات عليّ “ع” إلى السّائل في صلاته ورفع إصبعه إليه ليستلّ منها […]


#ربّما طرق سمعك كثيراً حكاية انقطاع عليّ بن أبي طالب “ع” في صلاته إلى الله تعالى بحيث إنّهم كانوا يستغلّون وقت صلاته لاستخراج السّهام والنّصال العالقة في جسمه منه كي لا يشعر بألمها، وحينما رأى دعاة هذه الحكاية اصطدام هذا الموقف مع حادثة التفات عليّ “ع” إلى السّائل في صلاته ورفع إصبعه إليه ليستلّ منها الخاتم مع كونه سكراناً في العشق حسب تعبيرهم، عادوا ليقرّروا إنّ هذا من باب الإفاقة الّتي تعتري أهل الوله. [الأنوار النّعمانيّة: ج2، ص254].
#والواقع: إنّ هذه الحكاية أكذوبة لا أصل ولا فصل لها؛ إذ بعد التّتبع والاستقصاء الّذي قدّمه بعض الباحثين فإنّ أقدم مصدر عُثر عليه لها وبلا سند أيضاً هو: كتاب تفسيريّ صوفيّ عرفانيّ بالّلغة الفارسيّة حمل عنوان: “كشف الأسرار وعدّة الأبرار”، لأحد العرفاء السُنّة المُسمّى بـ: أحمد بن محمّد المبيديّ المتوفّى سنة: “530هـ” والّذي هو في حقيقته شرح لتفسير لم يصل إلينا للخواجة أبي إسماعيل عبد الله بن محمّد الأنصاريّ المتوفّى سنة: “481هـ” صاحب منازل السّائرين، وكتاب المبيديّ حُرّفت طبعاته وغيّرت للأسف الشّديد، وفيه من الأساطير والإسرائيليّات الكثير.
#كما جاءت هذه الحكاية بلا سند أيضاً في كتاب “الجواهر المضيئة في سلوك الطّالب ونصح البريّة” لشيخ الحرفة البرهاميّة المتصوّف الّذي نسبوا له ما شاء الله من الحكايات والأساطير والهلوسات: إبراهيم بن أبي المجد الدّسوقيّ الشّافعيّ المتوفّى سنة: “676هـ” حيث قال هناك: «وكان علي “كرّم اللّه وجهه” إذا أصابه نصل لا يقلع إلّا وقت صلاته من حضور قلبه مع ربه، وذلك أنّه أصابه نصل في أحد قدميه…، فلما صلّى أتوا أخرجوا النصل من قدميه، ولم يحس به ولا علم ولا وعى ولا عرف وأخرز مكان النبلة، ومضوا وخلوه ساجداً فلمّا فرغ لم يجد ألماً ولا وجعاً، فمكث أيّاماً وهو لا يشعر بذلك، فهو يتوضأ ذات يوم وإذا قد نظر تحت قدمه خرازة، فقال: يا فاطمة ما هذا تحت قدمي خرازة؟ فحكت فاطمة “رض” عنها له ما جرى». [ج1، ص168].
#ومن يعرف مباني العرفاء والصّوفيّة يتفهّم انسجام هذه الحكاية الأسطوريّة معها، ومن الطّبيعي أن يجدوا ضالّتهم لنشرها وترويجها خصوصاً في الأوساط الإيرانيّة الصّفويّة ما قبل قيام هذه الدّولة، لكنّ من يتحمّل مسؤولّية إدخالها إلى الجسم الإثني عشريّ تأثّراً بهذا النّمط من التّفكير هو: العلّامة الحلّي المتوفّى سنة: “726هـ” ومذهبيّته العميقة وعجلته في التأليف وخصومته الكلاميّة الشّديدة مع الطّرف الآخر أيضاً؛ حيث قال وهو يتحدّث عن عبادة عليّ “ع” وفي مواطن عدّة من كتبه المكرّرة: «لا خلاف أنّه “ع” كان أعبد النّاس، ومنه تعلم النّاس صلاة الّليل، والأدعية المأثورة، والمناجاة في الأوقات الشّريفة، والأماكن المقدّسة، وبلغ في العبادة إلى أنّه كان يُؤخذ النُّشاب [السّهام] من جسده عند الصّلاة؛ لانقطاع نظره عن غيره تعالى بالكليّة». [نهج الحقّ وكشف الصّدق: ص247؛ كشف اليقين: ص118؛ منهاج الكرامة: ص161].
#وقد انعكست هذه الأسطورة على الكتب العرفانيّة والأخلاقيّة والكلاميّة الإثني عشريّة الّلاحقة والمصنّفة أو المستنسخة في فترة الدّولة الصّفويّة وما بعدها بصياغات مختلفة ومواضع عدّة يمكن للمتتبّع الفاحص العثور عليها بسهولة، لكنّ ما لفت أنظارنا هو كلام المرحوم محمّد تقي المجلسي “الأب” المتوفّى سنة: “1070هـ”، حيث عمد لنقل رواية تناقض هذه الحكاية وبادر بعد ذلك لتأويلها وإضافة توابل مذهبيّة عميقة إليها، وأجد من المناسب جدّاً التّعرّض لها، حيث قال هناك:
#يروى: إنّ ناقتين أهديتا لرسول الله “ص” ذات يوم، فقال “ص”: «من يصلّي منكم صلاة لا يخطر بباله شي‏ء حتى أعطيه إحداهما؟ فلم يجتر أحدٌ إلا أمير المؤمنين [عليّ] “صلوات الله عليه”، فقام فصلّى، فخطر في باله “ع” عند التشهد إنّي ما عيّنت أنّها أيّة ناقة منهما، فحين فرغ قال له رسول الله “ص”: يا علي خطر ببالك كذا؟! فجاء جبرئيل عن الله عزّ وجلّ وقال: يقول الله تعالى إنّ خطور هذا المعنى في قلب عليّ كان لأجل أن يأخذ أنفسهما [أي أفضل النّاقتين]، ويجاهد في سبيلي، وليس لرضى نفسه، فأعطه أنفسهما، فأعطاهما رسول الله “ص”، فنحر واحدة وقسم بين المساكين، وأمسك الأخرى ليجاهد في سبيل الله». [روضة المتّقين: ج2، ص50].
#ولمّا رأى المجلسي “الأب” تنافي هذه الرّواية مع الصّورة الغارقة في المثاليّة المرسومة في الذّهن الإثني عشريّ والصّوفي عن عليّ بن أبي طالب “ع” بادر مباشرة إلى توجيهها وتأويلها وتمييعها قائلاً: «الظّاهر من هذا الخبر أنّه كان هذا الشرط لبيان أفضلية عليّ “صلوات الله عليه” على الصحابة، ولظهور أنّ ما يخطر بباله كلّه لله، ولتعليم الأمة كيفية العبادات، وإلّا فروي أنّه أصاب أمير المؤمنين [عليّاً] “صلوات الله عليه” في [معركة] أُحد، سبعون ضربة من السّيف والرّمح والسّهام، وبقي من النّصل ورؤوس الرّماح في بدنه “صلوات الله عليه” كثير، فلما أرادوا أن يخرجوها قال رسول الله “ص”: “دعوه حتّى يشتغل بالصلاة”، فلما اشتغل بها أخرجت، وما شعر بالإخراج حتّى إذا فرغ رأى دماً كثيراً في مصلاه، فلمّا سأل عنه قالوا: أخرجنا هذه البقايا من بدنك، فحلف “صلوات الله عليه” برب الكعبة أنّه ما شعر بذلك [!!!]»، ولم يكتف المجلسيّ “الأب” بذلك، بل نصّ على أنّ هذا ما «رواه الخاصّة والعامّة، وأمثال هذا الخبر كثيرة متواترة عند الخاصّة والعامّة ولا ينكره أحد من المسلمين وكذا سائر الأئمة المعصومين “صلوات الله عليهم أجمعين”، ولولا خوف الإطالة لذكرنا بعض أحوالهم في الصلاة». [روضة المتّقين: ج2، ص50].
#والمؤسف إنّ هذه الحكاية ترسّخت في الأذهان الإثني عشريّة المعاصرة بشكل كبير جدّاً ببركة جهود الدّولة الصّفويّة وخلفيّاتها الصّوفيّة من جهة، وبتظافر تنظيرات مدرسة الحكمة المتعالية والمتأثّرين بها من جهة أخرى، حتّى وصل الحال بصاحب العروة الوثقى المرحوم كاظم اليزديّ المتوفّى سنة: “1337هـ” ليقرّر قائلاً في حديثه عن الإقبال في الصّلاة: «وللإقبال وحضور القلب مراتب ودرجات، وأعلاها ما كان لأمير المؤمنين “صلوات الله عليه”؛ حيث كان يخرج السهم من بدنه حين الصلاة ولا يحسّ به» [العروة الوثقى: ج1، ص612]، وهكذا ليقرّها الفقهاء الإثنا عشريّة الّلاحقون له والمعلّقون على كتابة دون تسجيل أيّ تحفّظ أو ملاحظة على الأساس الخرافي لمثل هذا التّنظير، وكم له من نّظير للأسف الشّديد، ولم يقتصر الأمر على ذلك بل أدرجت في المناهج الدّراسيّة للصفّ الرّابع الثّانوي في المدارس الإيرانيّة كما نبّه لذلك المرحوم نعمت الله الصّالحي النجف آبادي المتوفّى سنة: “1427هـ”.
#وأخيراً: أتمنّى أن يصل الحال بوعينا لمرحلة بحيث يتمكّن من اكتشاف الأكاذيب المذهبيّة بمجرّد سماعها، ويعي أيضاً: إنّ من نقلوا هذه النّصوص وروّجوها لا يختلفون عن الملالي والوعّاظ الّذين يعتاشون في أعصارنا عليها، وإنّ جملة وافرة من أجزاء الصّورة النّمطيّة الغارقة في المثاليّة المكوّنة في أذهاننا عن عليّ بن أبي طالب “ع” ما هي إلّا وليد مباشر لأمثال هذه الأكاذيب الصّوفيّة والمنحولات المذهبيّة، والّتي تتعمّق يوماً بعد يوم ببركة فرص العمل الكبيرة والعظيمة الّتي توفّرها لدعاتها، فليُتأمّل كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...