أصابع السّارق ومناظرات الجواد “ع” المكذوبة!!

12 أغسطس 2019
70
ميثاق العسر

#هناك حكاية تُنسب ككرامة عظيمة لمحمّد بن عليّ بن موسى المُلقّب بالجواد “ع”، نتفاخر بها على غيرنا، وتكرّرها منابرنا مراراً، خلاصتها: إنّ سارقاً أقرّ على نفسه بالسّرقة وجيء به إلى مجلس المعتصم العبّاسي ليُقام حدّ السّرقة عليه، وقد اختلف فقهاء البلاط حينها في المقدار الّذي ينبغي أن يُقطع من اليد وقدّموا استدلالاتهم لذلك وكأنّ الخلفاء […]


#هناك حكاية تُنسب ككرامة عظيمة لمحمّد بن عليّ بن موسى المُلقّب بالجواد “ع”، نتفاخر بها على غيرنا، وتكرّرها منابرنا مراراً، خلاصتها: إنّ سارقاً أقرّ على نفسه بالسّرقة وجيء به إلى مجلس المعتصم العبّاسي ليُقام حدّ السّرقة عليه، وقد اختلف فقهاء البلاط حينها في المقدار الّذي ينبغي أن يُقطع من اليد وقدّموا استدلالاتهم لذلك وكأنّ الخلفاء السّابقين في القرنين الماضيين على هذه الحادثة لم يقطعوا يد سارق قطّ ولم يرد تحديد ذلك من فقيه أو عالم أو إمام أصلاً!!
#وبعد أن اختلف الفقهاء في ذلك تمنّى المعتصم على الجواد “ع” سماع رأيه الحاسم في هذا الفرع الفقهيّ، فتمنّع “ع” وطلب من أمير المؤمنين المعتصم ـ كما في الرّواية ـ أن يعفيه عن ذلك، لكنّه أجاب بعد أن أقسم عليه: بضرورة قطع أصابع اليد فقط، مستدلّاً على ذلك بـ: «قول رسول الله “ص” السّجود على سبعة أعضاء: الوجه واليدين والرّكبتين والرّجلين، فإذا قُطعت يده من الكرسوع أو المرفق [كما يقول قاضي القضاة وبقيّة علماء البلاط الحاضرين] لم يبق له يد يسجد عليها، وقال الله تبارك وتعالى: “وأنّ المساجد لله”، يعني به هذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليها، “فلا تدعوا مع الله أحداً”، وما كان لله لم يُقطع».
#فأعجب المعتصم ذلك، وأمر بقطع يد السّارق من مفصل الأصابع دون الكف، قال ابن أبي داود: قامت قيامتي، وتمنيت أنّي لم أك حياً…»، وبعد ذلك بادر قاضي القضاة ابن أبي دؤاد راوي الرّواية فأسرّ للمعتصم خطأ ما صنع بدعوى أنّ ذلك يُربك بلاطه، فآلت هذه النّصيحة إلى سمّ المعتصم للجواد “ع” عن طريق أحد وزرائه…إلخ. [تفسير العيّاشي: ج1، ص319].
#لكنّ هذه الحكاية من الأكاذيب والمنحولات الجزميّة، وهي ساقطة سنداً، وباطلة مضموناً أيضاً، وذلك لما يلي:
#أوّلاً: ولدت هذه الحكاية في إطار الرّأي الّذي استقرّ عليه الفقه الإثنا عشريّ الذّاهب إلى أنّ مقدار قطع يد السّارق هو: الأصابع فقط، في قبال رأي مشهور أهل السُنّة والذّاهب إلى أنّ محل قطعها هو مفصل الكفّ من كوعها أو كرسوعها، وفي قبال الرّأي المنسوب للخوارج والّذي يرى أنّ محلّ قطعها المنكب، أو المرفق كما نسب إليهم السيّد المرتضى ذلك، وهي أقوال جاءت في أصل المناظرة؛ حيث طرح قاضي القضاة رأي أهل السُنّة، وطرح جماعة آخرون رأي الخوارج بالصّيغة الّتي نسبها المرتضى إليهم، وطرح الجواد “ع” الّذي في الرّواية رأي الإثني عشريّة، وهي رواية مهندسة ومصمّمة لهذا الغرض لا غير.
#ثانياً: لم ترد هذه المناظرة في أيّ كتاب إثني عشريّ معتبر غير تفسير العيّاشي وبطريقة مُرسلة أو محتملة الإرسال؛ حيث نقلها بلا أسناد عن صديق قاضي القضاة في وقتها أحمد بن أبي دؤاد المتوفّى سنة: “240هـ” سمّاه بـ: زرقان، ووصفه بالصّديق الشّديد له، حيث أفاد الأخير بأنّه كان قد رأى ابن أبي دؤاد مغتمّاً، وسأله عن سبب ذلك فحدّثه بهذه الحكاية، مع أنّ حصول حادثة بهذا الحجم والأثر يوجب كثرة رواتها وناقليها.
#ثالثاً: بعد أن افترضنا اتّفاق مشهور أهل السُنّة على وجوب قطع اليد اليمنى للسّارق من مفصل الكف من كوعها أو كرسوعها؛ وذلك للآية المفسَّرة بفعل النّبيّ “ص” والخلفاء الرّاشدين، فلا معنى حينذاك لأنّ يحتاج المعتصم العبّاسي وفقهاء البلاط المنضوين فقهيّاً تحت هذا العنوان إلى إجراء مثل هذه المناظرة مكشوفة الأهداف سلفاً، كما أنّ من يقرأ التّاريخ ويعرف طبيعة علاقة المعتصم مع قاضي القضاة ابن أبي دؤاد، ويعرف ما يمتلكه من بيان وأدب وحكمة كما ينقل عنه ذلك ابن أبي العيناء واضع الخطبة الفدكيّة، فلا يشكّ في وضعها ومنحوليّتها، وبالتّالي: فدعوى عدم استطاعته ردّ الاستدلال المنسوب للجواد “ع” متهالكة والمعطيات خلافها.
#رابعاً: نصّ شيخ الطّائفة الإثني عشريّة الطّوسي المتوفّى سنة: “460هـ” في حكم ديّة من قطع إحدى اليدين من الكوع على وجوب نصف الدّيّة، وأفاد إنّ ذلك قال به جميع الفقهاء، وإنّ دليله على ذلك: «إجماع الفرقة، وأيضاً قوله تعالى: فاقطعوا أيديهما؛ حيث اطلق اسم اليد، وإنّ رسول الله “ص” قطع يد سارق رداء صفوان [بن أميّة] من الكوع». [الخلاف: ج5، ص247]، وهذا يعني: إنّ الطّوسي يتوافق في هذا الفرع الفقهيّ في هذا المكان تحديداً مع مشهور أهل السُنّة، ولا يؤمن باستدلال الجواد “ع” الّذي لم ينقله أصلاً، بغضّ الطّرف عن منافحات ومناكفات السيّد المرتضى في الاستدلال على رأي الإثني عشريّة ودعوى إنّ ما روي عن رسول الله “ص” مجرّد خبر واحد؛ لأنّنا ذكرنا فيما سبق بطلان فرية عدم جواز العمل بخبر الواحد، وإنّ هذه الشّماعة وظّفت للمناكفة مع الطّرف الآخر فقط، وعمل الطّوسي به خير دليل على ذلك.
#خامساً: لكلّ رأي من الآراء المطروحة شواهده واستظهاراته؛ وذلك لأنّ لليد على ما قرّر الفقه الإثنا عشريّ عدّة إطلاقات؛ حيث تُطلق تارة ويُراد منها الزّند إلى أطراف الأصابع كما في آية التّيمّم؛ وتُطلق أُخرى: ويُراد منها المُرفق إلى أطراف الأصابع كما في آية الوضوء، وتُطلق ثالثة: ويُراد منها أُصول الأصابع إلى أطرافها كما في آية السّرقة، وتُطلق رابعة: ويُراد منها: المنكب إلى رؤوس الأصابع كما هو الشّائع والمعروف [التّنقيح: ج10، ص273]، لكنّ لا معيّن لأيّ احتمال من هذه الاحتمالات غير الشّرع نفسه، أمّا الإرجاع إلى العرف فالمعيّن حينذاك الإطلاق الرّابع.
#سادساً: إذا كانت المساجد السّبعة لله جميعاً وبالتّالي فلا يجوز قطعها، فما بالهم يقطعون رجل من سرق ثانية مع أنّ إبهامي الرّجلين أحد المساجد السّبعة؟! فقد روى المشايخ الثّلاثة عن الصّادق “ع” صحيحاً وحسناً عندهم في رواية طويلة في تعليم الصّلاة قوله: «”وإنّ المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً”، وهي: الجبهة والكفّان والرّكبتان والإبهامان» [الكافي: ج3، ص312]، وروى الكليني والطّوسي صحيحاً عندهم والّتي أوردها العيّاشي نفسه أيضاً، عن سماعة عن الصّادق “ع” أنّه قال: «إذا أخذ السارق فقطع وسط الكف، فإن عاد قطعت رجله من وسط القدم…». [تفسير العيّاشي: ج1، ص318].
#سابعاً: إذا ما أردنا الانسياق مع المعطيات الإثني عشريّة فإنّ دعوى سمّ الجواد “ع” ممّا لم تثبت بدليل عند رئيس الطّائفة الإثني عشريّة المفيد المتوفّى سنة: “413هـ”، والتّمسّك بذيل هذه المناظرة وإنّ سمّه كان بسبب نصيحة من قبل راويها الحصريّ عملّ لا يمتّ للعلم والمعرفة بصلة.
#ثامناً: علّق المرحوم محي الدّين المامقاني نجل صاحب تنقيح المقال في وصف زرقان بعد أن وصف ابن أبي دؤاد بالنّاصبيّ الحقود قائلاً: «المعنون لصحبته الشديدة مع قاضي القضاة ابن أبي داود [دؤاد] الفاسق والمعروف بفعل عمل قوم لوط، يوجب عدّه من أضعف الضعفاء». [حاشية تنقيح المقال المطبوع حديثاً: ج5، ص262؛ ج28، ص165]، مع هذه الأوصاف المعاصرة فكيف يُريد أصحابنا الاعتماد على مثل هذه المناظرة المتهالكة سنداً ومضموناً أيضاً.
#تاسعاً: نصّ المفيد في الإرشاد على أنّ إشخاص المعتصم للجواد “ع” إلى بغداد من المدينة كان في سنة: “220هـ” وإنّ رحيله كان في السّنة نفسها، وبالتّالي: فإنّ هذه المناظرة المكذوبة لو فرضنا صحّتها فهي واقعة وعمره خمس وعشرون سنة، فما يُسمع من المنابر من دعوى أنّ عمره كان تسع سنوات ناتج من عدم القراءة والتّحصيل، لذا وجب التّنويه. [الإرشاد: ج2، ص295].
#وأخيراً: اعتقد إنّ الهنات العميقة في هذه المناظرة أوضح من أن تحتاج إلى بيان؛ وذلك لأنّ خلوّ جميع المصادر الإثني عشريّة منها وتفرّد العيّاشيّ بها خير دليل على ضرورة التّأمّل الشّديد فيها، وعلى المنابر الّتي تحترم نفسها أن تفكّر كثيراً قبل طرحها وتناولها؛ فإذا كان الوعيّ الإثنا عشريّ يسمح بطرحها في الماضي نظراً لظروفه وعدم اطّلاعه، فإنّ العولمة والتّكنولوجيا اليوم سلّحته بمتابعة واستقصاء لم يكن يتوقّعها في تلك الأيّام، ولا بدّ على المنابر الجادّة من أخذ الحيطة والحذر قبل طرح أيّ معلومة مذهبيّة مهلهلة، خصوصاً إذا كانت من أبرز مصاديق نحت الأدلّة ما بعد الوقوع كما في المناظرة محلّ البحث، فليُتأمّل كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.
ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...