أسباب غياب زيارة أئمّة البقيع من الموروث الرّوائي!!

15 يونيو 2019
111
ميثاق العسر

#لو شاءت الأقدار وتوفّرت الظّروف لبناء قبور الأئمّة الأربعة المدفونين في البقيع “ع” في يوم من الأيّام فستبرز لنا مشكلة في آداب الزّيارة أعدّها كبيرة [وستظهر فائدة هذا القيد في آخر المقال]، وهي: ما هي الزّيارة الّتي سُتقرأ حينذاك لكلّ إمام منهم والمتداول والرّاكز: إنّ نصوص زيارات قبورهم “ع” من الأمور العباديّة المنصوصة الدّاخلة في […]


#لو شاءت الأقدار وتوفّرت الظّروف لبناء قبور الأئمّة الأربعة المدفونين في البقيع “ع” في يوم من الأيّام فستبرز لنا مشكلة في آداب الزّيارة أعدّها كبيرة [وستظهر فائدة هذا القيد في آخر المقال]، وهي: ما هي الزّيارة الّتي سُتقرأ حينذاك لكلّ إمام منهم والمتداول والرّاكز: إنّ نصوص زيارات قبورهم “ع” من الأمور العباديّة المنصوصة الدّاخلة في عمق الدّين، والّتي حثّ عليها الأئمّة ومارسوها عمليّاً هم وأصحابهم؛ أقول ذلك: لأنّ الموروث الرّوائي الإثني عشريّ رغم حرصه ومساعيه الوافرة لذكر كلّ شاردة وواردة في باب الزّيارات لكنّه لم يورد ولا زيارة واحدة لكلّ واحد منهم أصلاً بخصوصه، وما ورد عبارة عن زيارة تجمعهم معاً وتعاني من مشاكل إسناديّة عميقة، كما أنّ أصل ثبوت استحباب غسل خاصّ وزيارة مخصوصة لقبورهم بدليل خاصّ صحيح وإنّها من ضروريّات الدّين ـ كما ذكر بعضهم ـ محلّ تأمّلات كثيرة عندنا أيضاً.
#بيان ذلك: نقل الكلينيّ صاحب أهمّ كتاب حديثيّ إثني عشريّ معتبر والمتوفّى سنة: “329هـ” زيارة يتيمة ادرجها تحت باب سمّاه: «باب زيارة من بالبقيع»، لكن الطّريف في الأمر إنّها مُرسلة وموقوفة لا يُعرف من هو الإمام الّذي قالها، حيث جاء في بدايتها: «باب زيارة من بالبقيع، إذا أتيت القبر الّذي بالبقيع، فاجعله بين يديك، ثمّ تقول: السّلام عليكم أئمّة الهدى…». [الكافي: ج4، ص559]، ومن هنا احتمل المجلسيّان كونها تتمّة لرواية معاوية بن عمّار الّتي سبقتها، وهو احتمال لا شاهد عليه، خصوصاً والزّيارة تحتوي على فقرات مذهبيّة متأخّرة، وواضحة الوضع والمنحوليّة.
#وحينما وصلت النّوبة إلى ابن قولويه صاحب أهمّ كتاب إثني عشريّ في الزّيارات والمتوفّى سنة: “367هـ” عقد باباً في كتابه كامل الزّيارات حمل عنوان: «زيارة الحسن بن عليّ “ع” وقبور الأئمّة “ع” بالبقيع»، وأورد فيه رواية مرفوعة تتحدّث عن زيارة محمّد بن الحنفيّة لقبر أخيه الحسن بن عليّ “ع”، ولا أدري متى صار فعل محمّد بن الحنفيّة حجّة عند أصحابنا وهم يروون ادّعاءه للإمامة ونزاعه مع السجّاد “ع” واحتكامه للحجر الأسود؟! كما أورد الزّيارة المرسلة والموقوفة المتقدّم نقلها عن الكافي، لكنّه أسندها إلى راو مجهول عن بعض أصحابنا عن أحدهما “ع” ولا ندري من هو تحديداً أيضاً، الّلهم إلّا أن يُقال إنّ الباقر أو الصّادق “ع” يتحدّثان عن زيارة قبورهما مثلاً!! ونقل أيضاً: رواية ثالثة بتوسّط أحد الكوفيّين عن الصّادق “ع” جاء فيها: «تقول عند قبر عليّ بن الحسين “ع” ما أحببت»، ومن المحتمل أن يكون المقصود: عليّ بن الحسين المعروف بالأكبر المقتول في كربلاء. [كامل الزّيارات: ص117].
#أمّا الصّدوق المتوفّى سنة: “381هـ” فقد عمد في كتابه من لا يحضره الفقيه إلى: نقل الزّيارة المرسلة والموقوفة الّتي نقلها الكليني عينها بعد إسقاط بعض المقاطع الّتي قد لا تنسجم مع مبانيه الآيدلوجيّة، وادرجها تحت عنوان: «زيارة قبور الأئمّة الحسن بن عليّ بن أبي طالب وعليّ بن الحسين ومحمّد بن عليّ الباقر وجعفر بن محمّد الصّادق “ع” بالبقيع»، وأضاف لها: «ثمّ صلّ ثمان ركعات في المسجد الّذي هناك، وتقرأ ما أحببت، وتُسلّم في كلّ ركعتين، ويُقال إنّه مكان صلّت فيه فاطمة “ع”». [من لا يحضره الفقيه: ج2، ص577].
#أمّا شيخ الطّائفة الإثني عشريّة الطّوسي المتوفّى سنة: “460هـ” ، فقد ذكر روايتين تتحدّثان عن سؤال الحسن أو الحسين “ع” لجدّهما “ص” عن فضل من زارهما [!!]، وأعاد زيارة محمّد بن الحنفيّة لأخيه الحسن “ع” المتقدّمة نقلاً عن كامل الزّيارات أيضاً. كما عقد باباً حمل عنوان: «باب فضل زيارة عليّ بن الحسين ومحمّد بن عليّ وجعفر بن محمّد “ع”» وادرج فيه روايتين مُرسلتين عليهما علامات الوضع والمنحوليّة واضحة، الأولى عن الصّادق “ع” يقول فيها: «من زارني غُفرت له ذنوبه ولم يمت فقيراً»، والثّانية عن العسكريّ “ع” يقرّر فيها: «من زار جعفراً وأباه لم يشتك عينه ولم يصبه سقم ولم يمت مبتلى»، وروايات عامّة تتحدّث عن فضل وتحبيذ زيارة كلّ إمام، وعطف بعد ذلك الحديث لينقل الزّيارة الموقوفة والمُرسلة الّتي نقلها الكليني ومن ثمّ الصّدوق كما مرّ آنفاً، وأضاف إليهما وداعاً خاصّاً أيضاً، كما حمل مصباحه نصّاً واضح الوضع في زيارة الحسن بن عليّ “ع” من بعيد مع جدّه وأبيه وأمّه وأخيه أيضاً. [تهذيب الأحكام: ج6، ص40؛ 78ـ80، تحقيق: الخرسان؛ مصباح المتهجّد: ص288].
#أمّا وجود متن زيارة للسجّاد والباقر والصّادق “ع” بخصوصهم ـ وهذا قيد مهمّ لمن يعرف لغة القيود ـ فليس لها أيّ أثر في الموروث الرّوائي الإثني عشريّ، فلا الكليني عقد باباً تحت هذا العنوان بخصوصه، ولا ابن قولويه نبس ببنت شفة حول ذلك أيضاً، ولا المفيد والطّوسي أو غيرهما نصّا على ذلك، ولهذا لم يجد أصحابنا طريقاً غير التّمسّك بالزّيارات العامّة لملء الخلأ الموجود بسببه، وللاستزادة أكثر يمكن مراجعة ما جمعه شيخ المحدّثين الإثني عشريّة المجلسي المتوفّى سنة: “1110هـ” حول هذا الموضوع في مزار بحاره وأضاف إليها ما وجده في الكتب العتيقة الّتي عثر عليها في سوق الورّاقين أيضاً ومنها الزّيارة المختصرة الّتي نقلها الكفعمي المتوفّى سنة: “905هـ” وطبعت أخيراً في مزار المفيد. [بحار الأنوار: ج97، ص203]، أو ما كتبه المحدّث النّوري في مستدرك الوسائل. [ج10، ص350].
#أقول: ما تقدّم من حقائق ومعطيات وإثارات متواضعة وعاجلة ـ وغيرها الكثير ـ يؤكّد لنا ضرورة إعادة النّظر في أبواب الزّيارات والنّصوص الرّوائيّة الواردة فيها؛ وذلك لأنّ معظم الزّيارات الواردة للأئمّة “ع” المدفونين في العراق وإيران يتحمّل مسؤوليّة وضعها وإنشائها ومنحوليّتها أهل الكوفة وقم في أيّام صناعة المذاهب وإثبات الذّات، ولهذا لم يذهب أحد من الأئمّة “ع” إلى زيارة قبر أحدٍ من آبائه أو أجداده في العراق أو إيران بقصد الزّيارة ماشياً أو راجلاً ولم يوفّر دواعي نقل هذا الموضوع أيضاً، لكنّ الدّكاكين المذهبيّة عرفت: إنّ زيارة القبور وبناءها وتشييدها مكسب دارّ ووسيلة لاستقطاب عواطف النّاس وجيوبها، فركّزت عليه وأهملت الدّين وأساساته الحقيقيّة، فليُتفطّن كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...