أسباب عدم قتل السجّاد “ع” في كربلاء!!

15 سبتمبر 2019
60
ميثاق العسر

#أسئلة كثيرة تُقلق الباحث المحايد وتحيّر القارئ الجادّ عن أسباب عدم مشاركة عليّ بن الحسين الملقّب بالسجّاد “ع” في القتال إلى جنب أبيه وعمّه وبقيّة إخوانه وأولاد عمومته في كربلاء؛ إذ هل كان المرض الّذي ألمّ به مانعاً من الخروج وفداء نفسه من أجل أبيه كما فعل بعض أولاد عمومته ممّن هم أصغر سنّاً منه […]


#أسئلة كثيرة تُقلق الباحث المحايد وتحيّر القارئ الجادّ عن أسباب عدم مشاركة عليّ بن الحسين الملقّب بالسجّاد “ع” في القتال إلى جنب أبيه وعمّه وبقيّة إخوانه وأولاد عمومته في كربلاء؛ إذ هل كان المرض الّذي ألمّ به مانعاً من الخروج وفداء نفسه من أجل أبيه كما فعل بعض أولاد عمومته ممّن هم أصغر سنّاً منه كالقاسم بن الحسن مثلاً أو كأخيه عليّ الأكبر بناءً على القول الّذي يرى بأنّه أصغر منه كما هو مختار المفيد والطّوسي وغيرهم؟! أم أنّ استمراريّة وجوده ضرورة كلاميّة ولطف سماوي لديمومة الإمامة الإلهيّة الإثني عشريّة مع أنّ ولده محمّداً الملقّب بالباقر “ع” كان مولوداً ويمكنه ممارسة هذا الدّور لاحقاً؟!
#المطروح والمنقول في النّصوص الرّوائيّة: إنّه كان مبطوناً، والمبطون يعني من أصابه الإسهال بالاصطلاح الطّبّي المتعارف؛ وهو حالة مرضيّة عابرة مرّت بالسجّاد “ع” حسب الظّاهر ناتجة من تسمّم غذائي ربّما؛ إذ لو كانت كاشفة عن حالة مرضيّة باطنيّة عميقة لما قدّر له المشي والحركة والحديث بعد يوم، وما استمرّت حياته ما يقرب من خمس وثلاثين سنة بعد مقتل وشهادة أبيه، لكنّ دعونا نتجاوز الأسئلة المرتبطة بطبيعة مرضه وأجوبتها الحقيقيّة أو الكلاميّة المذهبيّة المرتبطة بالإمامة الإلهيّة الإثني عشريّة وضرورة استمرارها، نتجاوز ذلك لنعرف الأسباب المنقولة المؤدّية لعدم قتله.
#نقلنا في بحوث سابقة ما رواه أبو مخنف بواسطتين عن السجّاد “ع” من أنّ عمّته زينب كانت عنده ليلة العاشر تمرّضه، وسمعا معاً تلك الأبيات الشّعريّة المعروفة من الحسين “ع” والكاشفة عن نعيه نفسه، وحصل ما حصل بعدها من حالات وجدانيّة معروفة ومنقولة ومتداولة، وبعد أن وقعت الواقعة وانجلت المعركة نلاحظ مجموعة مشاهد ترتبط بعليّ بن الحسين السجّاد “ع” ربّما يكون عرضها مُسهماً في إجابة بعض الغامض والمسكوت عنه عن دوره في معركة كربلاء وطبيعة نظرة الأعداء له:
#المشهد الأوّل بعد نهاية واقعة كربلاء: «قال أبو مخنف: حدّثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قال: انتهيت إلى علي بن الحسين بن علي الأصغر [السجّاد “ع”]، وهو منبسط على فراش له، وهو مريض، وإذا شمر بن ذي الجوشن في رجّالة معه يقولون: ألا نقتل هذا؟ قال [حميد بن مسلم]: فقلت: سبحان الله! أنقتل الصبيان؟! إنّما هذا صبي، قال [حميد بن مسلم]: فما زال ذلك دأبي أدفع عنه كلّ من جاء حتّى جاء عمر بن سعد، فقال: ألا لا يدخلنّ بيت هؤلاء النّسوة أحد، ولا يعرضنّ لهذا الغلام المريض، ومن أخذ من متاعهم شيئاً فليردّه عليهم. قال [حميد بن مسلم]: فوالله ما ردّ أحد شيئاً. قال: فقال: علي بن الحسين [السجّاد “ع”]: جزيت من رجل خيراً؛ فوالله لقد دفع الله عنّي بمقالتك شرّاً»، وهذا يعني: إنّه “ع” كان يعتقد بأنّ القتل في تلك الّلحظات شرّ بالنّسبة إليه. [تاريخ الطّبريّ: ج5، ص453ـ454].
#المشهد الثّاني في مجلس ابن زياد في الكوفة: «قال أبو مخنف: عن المجالد بن سعيد: إنّ عبيدالله بن زياد لما نظر إلى علي بن الحسين [السجّاد “ع”]، قال لشرطي: انظر هل أدرك ما يدرك الرجال، فكشط إزاره عنه، فقال: نعم، قال [ابن زياد]: انطلقوا به فاضربوا عنقه. فقال له علي [السجّاد “ع”]: إن كان بينك وبين هؤلاء النّسوة قرابة فابعث معهنّ رجلاً يحافظ عليهنّ. فقال له ابن زياد: تعال أنت، فبعثه معهنّ». [المصدر السّابق: ص457].
#كما أضاف أبو مخنف رواية أخرى أكثر تفصيلاً حول هذا المشهد الثّاني الحاصل في مجلس ابن زياد حيث نقل عنه الطّبريّ فقال: «قال أبو مخنف: وأمّا سليمان بن أبي راشد، فحدّثني عن حميد بن مسلم، قال: إنّي لقائم عند ابن زياد حين عُرض عليه علي بن الحسين [السجّاد “ع”]، فقال له: ما اسمك؟ قال: أنا علي بن الحسين، قال: أو لم يقتل الله عليّ بن الحسين؟! فسكت، فقال له ابن زياد: ما لَكَ لا تتكلّم؟! قال [السجّاد “ع”]: قد كان لي أخ يقال له أيضاً عليّ، فقتله النّاس، قال [ابن زياد]: إنّ الله قد قتله، قال: فسكت عليّ [السجّاد “ع”]، فقال له [ابن زياد]: ما لَكَ لا تتكلم؟! قال [السجّاد “ع”]: “الله يتوفى الأنفس حين موتها”؛ “وما كان لنفس أن تموت إلّا بإذن الله”، قال [ابن زياد]: أنت والله منهم، ويحك! انظروا هل أدرك [مدرك الرّجال]، والله إنّي لأحسبه رجلاً؛ قال: فكشف عنه مري بن معاذ الأحمري، فقال: نعم قد أدرك، فقال [ابن زياد]: اقتله، فقال: علي بن الحسين [السجّاد “ع”]: من توكّل بهؤلاء النّسوة؟ وتعلّقت به زينب عمته، فقالت: يابن زياد، حسبك منّا، أما رَوِيتَ من دمائنا! وهل أبقيتَ منّا أحداً! قال [حميد بن مسلم]: فاعتنقته فقالت: اسألك بالله إن كنت مؤمناً إن قتلته لمّا قتلتني معه! قال [حميد بن مسلم: وناداه عليّ [السجّاد “ع”]: فقال يابن زياد، إن كانت بينك وبينهنّ قرابة فابعث معهنّ رجلاً تقياً؛ يصحبهنّ بصحبة الإسلام، قال [حميد بن مسلم]: فنظر إليها ساعة ثمّ نظر إلى القوم، فقال: عجباً للرحم! والله إنّي لأظنّها ودّت لو أنّي قتلتهُ أنّى قتلتها معه، دعوا الغلام؛ انطلق مع نسائك». [المصدر السّابق: نفس المعطيات].
#وموضوع كشف عانة أو عورة عليّ بن الحسين السجّاد “ع” معروف ومطروح ومتداول في نصوص المتقدّمين وإن عمد رئيس الطّائفة الإثني عشريّة المفيد المتوفّى سنة: “413هـ” ومقلّدته إلى بتره وتحريفه ممّا نقله عن أبي مخنف؛ حيث أورده الأخير عن طريقين كما لحظنا، ونقله جملة من المؤرّخين المتقدّمين أيضاً. [انظر على سبيل المثال: أنساب الأشراف: ج3، ص413؛ ط دار الفكر؛ تجارب الأمم: ج2، ص52، ط دار الكتب العلميّة].
#وما قام به ابن زياد هو تطبيق مؤسف لما قام به سعد بن معاذ مع يهود بني قريظة وأقرّه رسول الله “ص”؛ حيث عرضهم على العانات؛ فمن وجده أنبت الشّعر قتله، ومن لم يجده أنبت ألحقه بالذّراري، [تهذيب الأحكام: ج6، ص173، تحقيق: الخرسان]، وفي هذا السّياق قال ابن أبي الحديد المتوفّى سنة: “656هـ”: «وكشفوا عن عورة علي بن الحسين [السجّاد “ع”] حين أشكل عليهم بلوغه؛ كما يُصنع بذراري المشركين إذا دخلت دورهم عنوة». [شرح نهج البلاغة: ج15، ص236]، ولم يكن عدم بلوغه مبلغ الرّجال مقنعاً لإبن زياد أصلاً حيث الكبر الواضح على وجه السجّاد “ع”، لكنّ هذا السّبب هو ما طرحه حميد بن مسلم كمبرّر لعدم قتله بعد نهاية المعركة ودعاء السجّاد له “ع” على مقالته وتبريره، ومن هنا طالب ابن زياد الكشف عنه انسياقاً مع هذه الدّعوى المطروحة، وربّما تكون البنية الجسمانيّة للسجّاد “ع” عاملاً مساعداً في تداول هذا التّبرير، وكم له من نظير أيضاً في الأجسام البشريّة.
#فتلخّص ممّا تقدّم: إنّنا لا نتفاعل كثيراً مع تبرير المرض كمانع من مشاركة عليّ بن الحسين الملقّب بالسجّاد “ع” في القتال مع أبيه وعمّه وبقيّة إخوانه وأولاد عمومته في كربلاء، ولا نعدّ ذلك هو السّبب الّذي منع الأعداء من قتله أيضاً؛ وذلك: لأنّ الأعداء دخلوا عليه فور انتهاء المعركة وأرادوا قتله ولم تُطرح فكرة مرضه كمانع عن ذلك أصلاً، بل كان السّبب المطروح صغر سنّه، وهو الّذي سوّق في مجلس ابن زياد ولم يُقنعه أيضاً حتّى اضطرّ إلى الكشف عنه وحكم بعدها بضرورة قتله لولا تدخّل عمّته زينب، ومن هنا فنحن نرى والله العالم: إنّ عدم مشاركته “ع” في تلك الّلحظات العصيبة الّتي أخرجت حتّى الصّبية من المخيّم للدّفاع والقتال يعود لأسباب سايكلوجيّة نفسيّة تمظهرت بعد ذلك في مبانٍ فقهيّة تقرّر ضرورة المداهنة والتّقيّة، ولهذا قبل السجّاد “ع” أن يُكشف عن عانته أو عورته، وبايع يزيد بن معاوية، ومارس حياته الطّبيعيّة دون مواجهة ولا كفاح مسلّح أصلاً، فليُتأمّل كثيراً كثيراً بعيداً عن نظريّة الإمامة الإلهيّة المولودة لاحقاً وتطبيقاتها الإثني عشريّة، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...