أسانيد المرتضى إلى الخطبة الفدكيّة في ميزان النّقد!! الحلقة الثّالثة

29 يناير 2019
684
ميثاق العسر

#لم يكتف السيّد المرتضى بما أفاده آنفاً، بل عمد في سياق تعزيز حقّانيّة هذه الخطبة ـ كما هو مدّعاه ـ إلى نقل الكلام الّتي ذكره ابن طيفور البغدادي في بلاغات النّساء والمشير إلى الجوّ العامّ الحاكم في بغداد آنذاك والصّريح في وضعها من قبل أبي العيناء محاولاً دفع ذلك، وقد نقلنا هذا الكلام فيما سبق […]


#لم يكتف السيّد المرتضى بما أفاده آنفاً، بل عمد في سياق تعزيز حقّانيّة هذه الخطبة ـ كما هو مدّعاه ـ إلى نقل الكلام الّتي ذكره ابن طيفور البغدادي في بلاغات النّساء والمشير إلى الجوّ العامّ الحاكم في بغداد آنذاك والصّريح في وضعها من قبل أبي العيناء محاولاً دفع ذلك، وقد نقلنا هذا الكلام فيما سبق من بحوث لكنّا سنعيد نقله هنا من نسخة الشّافي الّتي كانت عند ابن أبي الحديد المتوفّى سنة: “656هـ”؛ للإشارة إلى مشكلة سنديّة كنّا قد عمدنا لتصحيحها انسياقاً مع تصحيح المجلسيّ وبعض المعاصرين له، لكن يبدو إنّ هذا التّصحيح محلّ تأمّل، نُشير لذلك ونعطف الحديث بعدها لتسجيل بعض الملاحظات على المدّعيات الواردة فيها:
#جاء في شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد قوله: «قال المرتضى: وأخبرنا أبو عبد الله المرزباني، قال: حدّثني علي بن هارون، قال: أخبرني عبيد الله بن أحمد بن أبي طاهر، عن أبيه [ابن طيفور]، قال: ذكرت لأبي الحسين زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب “ع” كلام فاطمة “ع” عند منع أبي بكر إيّاها فدك، وقلت له: إنّ هؤلاء يزعمون أنّه مصنوع، وأنّه من كلام أبي العيناء؛ لأن الكلام منسوق البلاغة؟ فقال لي: رأيت مشايخ آل أبي طالب يروونه عن آبائهم، ويعلّمونه أولادهم، وقد حدّثني به أبي عن جدّي يبلغ به فاطمة “ع” على هذه الحكاية. وقد رواه مشايخ الشّيعة وتدارسوه قبل أن يوجد جدّ أبي العيناء، وقد حدّث الحسين بن علوان عن عطية العوفي أنّه سمع عبد الله بن الحسن بن الحسن يذكر عن أبيه هذا الكلام…».[شرح نهج البلاغة: ج16، ص252].
#ويلاحظ عليه:
#أوّلاً: إنّ الرّواية المباشرة لأحمد بن أبي طاهر المعروف بـ ابن طيفور البغدادي المتوفى سنة: “280هـ” عن زيد الشّهيد ممتنعة؛ وذلك لأنّ لقاءهما غير متعقّل ولا متصوّر؛ باعتبار إنّ الأخير مولود بعد شهادة زيد بما ينيف على ثمانين سنة، من هنا بادر المجلسي وبعض المعاصرين إلى تصحيح السّند ليصبح الشّخص الّذي سأله ابن طيفور هو: زيد بن عليّ بن الحسين بن زيد بن عليّ بن الحسين بن أبي طالب “ع” وليس زيد الشّهيد مباشرة، مع ملاحظة عبارة: “وقد حدّثني به أبي عن جدّي يبلغ به فاطمة “ع” على هذه الحكاية”، ولكنّ من البعيد أن يبادر ابن أبي الحديد المتوفّى سنة: “656هـ” لنقل عبارة عن السيّد المرتضى من كتابه الشّافي ويسقط منها هذا التّصحيح خصوصاً وهي متطابقة مع النّسخة المطبوعة من كتاب بلاغات النّساء، بل ومتطابقة مع النّسخة المطبوعة من تخليص الشّافي للطّوسي أيضاً. [تخليص الشّافي: ج3، ص144]، وهذا يضع علامة استفهام حقيقيّة أمام خبرويّة المرتضى وشيخه المرزباني في هذا المجال.
#ثانياً: أوضحنا فيما تقدّم من بحوث عدم وجود قيمة علميّة أو دينيّة لإبن طيفور عند رجاليّي أهل السُنّة بحيث يمكن من خلالها الاحتجاج عليهم بنقولاته ورواياته؛ وذلك لأنّ الرّجل أديب كغيره من الأدباء الّذين لا يُنظر لطبيعة مذهبهم ولا يُهتمّ برواياتهم في الأمور الفقهيّة والعقائديّة لكي يتفاخر بعض جهلتنا إنّ الخطبة الفدكيّة وردت في الكتب السُنيّة؛ بل نُقل الذمّ والقدح فيه أيضاً، وبالتّالي: لا وثوق بنقولاته.
#ثالثاً: لم يُذكر ابن طيفور من قبل معاصريه والّذين تلوه من الرّواة والمحدّثين والرّجاليّين الإثني عشريّة، واكتفى النّجاشي بإشارة عابرة ـ كما نوّهنا ـ إلى كتابه تاريخ بغداد دون أن يذكر ترجمة أو تقييماً له أصلاً؛ وبالتّالي فالرّجل مهمل في أحسن الأحوال، ولا أدري كيف أصبحت نقولات مثل هذا الشّخص حجّة يمكن الرّكون إليها في قضيّة تعتبر أحد أساسات الخلاف السّني الإثني عشريّ؟!
#رابعاً: إنّ رواية الحسين بن علوان بن قُدامة الكلبي المتوفّى سنة: “201 أو 210هـ” عن عطيّة العوفي المتوفّى سنة: “111هـ” غير معقولة [الطّبقات: ج6، ص305]، كما إنّّ رواية الأخير عن عبد الله بن الحسن المثنّى المقتول سنة: “145هـ” غير متصوّرة عادة، وعليه: فلا ندري ما هو الطّريق الّذي سلكه حفيد زيد الشّهيد ـ كما هو التّصحيح الّذي نقلناه ـ إلى الحسين بن علوان؛ لينصّ على إنّه قد حدّث بهذا الموضوع نقلاً عن عطيّة العوفي الّذي سمع عبد الله بن الحسن يحدّث بالخطبة؟!
#خامساً: نصّت كتب التّراجم السُنيّة على إنّ الحسين بن علوان الكلبي: كذّاب؛ خبيث؛ رجل سوء؛ ضعيف جدّاً؛ متروك الحديث؛ كان يضع الحديث على هشام بن عروة؛ ولا يحلّ كتابة حديثه إلّا على جهة التّعجب…، كما نصّت هذه الكتب على رواية أبي عصيدة عنه، ولا يفوتنا أن نذكّر بأنّ أبي عصيدة هو الوارد في الطّريق الأوّل للسيّد المرتضى للخطبة الفدكيّة أعني: أحمد بن عبيد بن ناصح النّحوي المتوفّى سنة: “273، أو 278هـ”.
#سادساً: أمّا كتب التّراجم الإثني عشريّة فقد صرّح النّجاشي بسنّيّته وإنّ أخاه أخصّ بنا وأولى، وقد نصّ بوضوح أثناء ترجمته على توثيق أخاه الحسن دون أن يوثّقه، لكنّ المرحوم الخوئي لم يقبل ذلك ووصفه بالزّعم الفاسد، مؤكّداً: إنّ عبارة النّجاشي تُشير إلى إنّ «التّوثيق راجع إلى الحسين نفسه؛ لأنه المقصود في الترجمة، و كثيراً ما جرت عادة النجاشي أن يذكر شخصاً من أقارب المترجَم في ضمن ترجمة الشخص الذي عنونه». [مستند العروة: ج26، ص306].
#سابعاً: لم يكتف الخوئي باستظهار وثاقة الحسين بن علوان الكلبي من عبارة النّجاشي الصّريحة والواضحة في العودة إلى أخيه، وإنّما ركن إلى ما نقله العلّامة الحلّي عن ابن عقدة في قوله إنّ الحسن بن علوان «أوثق من أخيه وأحمد عند أصحابنا» ليستظهر منها الوثاقة، مع إنّه ذهب إلى مجهوليّة طريق العلّامة إلى ابن عقدة [المعجم: ج‏17، ص294]، على إنّ الحسين بن علوان من رجال تفسير القمّي، وهذا المقدار كافٍ لدى المرحوم الخوئي في الوثاقة. ونحن لم يثبت لدينا لا توثيق النّجاشي له، ولا صحّة صدور الكلام عن أبي عقدة أو دلالته على الوثاقة أيضاً، كما لم يثبت لدينا وثاقة رجال تفسير القمّي أيضاً.
#ثامناً: من المحتمل أن يكون الحسين بن علوان الكلبي زيديّ؛ وذلك لإكثاره من الرّاوية عن عمرو بن خالد الّذي يُقال إنّه بتريّ من شيوخ رؤساء الزّيديّة؛ وبقرينة توثيقه من قبل ابن عقدة لمن آمن بسلامة طريق العلّامة إليه، وهناك كلام كثير حوله في الاعتماد على عبارة الكشّي يُرجع إليه في محلّه.
#تاسعاً: الحديث عن عبد الله بن الحسن الملقّب بالمحض نحيله إلى سلسلة بحوث “آل الحسن وأسباب إخراجهم عن ساحة المنافسة”، لكنّي أذكّر في مقام الاحتجاج بما نصّ عليه المرحوم الخوئي في حقّه حيث قال: «أنّ عبد الله بن الحسن مجروح مذموم، ولا أقل من أنّه لم يثبت وثاقته أو حسنه، والله العالم» [معجم رجال الحديث: ج11، ص175]، وبالتّالي: فكيف يمكن الرّكون إلى روايته لو سلّمنا اتّصال السّند به ولا نسلّم؟!
#عاشراً: نصّ السيّد المرتضى في آخر مناقشته للقاضي عبد الجبّار قائلاً: «وقد روي هذا الكلام على هذا الوجه من طرق مختلفة ووجوه كثيرة، فمن أرادها أخذها من مواضعها فقد طوّلنا بذكرنا ما ذكرناه منها لحاجة مسّت إليه، فكيف يدّعى [أي القاضي عبد الجبّار] أنّها كفّت راضية، وأمسكت قانعة، لولا البهت وقلّة الحياء؟!». [الشّافي: ج4، ص78].
#الحادي عشر: إنّ صدور الكلام أعلاه عن السيّد المرتضى غريب جّدّاً؛ إذ رأينا قيمة أهمّ طُرقه الّتي أوردها لهذه الخطبة، وشاهدنا مشاكل الإرسال والانقطاع والوجادات والإهمال والضّعف والوضع البيّنة والواضحة فيها، ولا ندري كيف سمح لقلمه الشريف أن يقرّر ورودها من طُرق مختلفة ووجوه كثيرة، لكن يبدو لي إنّ حمّى المنافحة الكلاميّة والجدل المذهبي كانتا وراء أمثال هذه المدّعيات.
#فتحصّل ممّا تقدّم: إنّ شيئاً من أسانيد الشّريف المرتضى ومدّعياته من ورود الخطبة الفدكيّة من طرق مختلفة ووجوه كثيرة لم يصحّ أصلاً، وبالتّالي: فإنّ تكثير هذه الطُرق المرسلة والمنقطعة والمجهولة والمهملة بمثابة وضع حجرٍ إلى جنب حجر آخر، فكيف إذا كانت معلومة الوضع، فليُتأمّل كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...