أسانيد الصّدوق إلى الخطبة الفدكيّة في ميزان النّقد “3”

24 أغسطس 2018
1047
ميثاق العسر

#الحلقة_الثّالثة #تحدّثنا في المقالين السّابقين عن سندين فرضيّين ذكرهما المرحوم الصّدوق لما نقله من مقاطع مّما يُصطلح عليها بالخطبة الفدكيّة أو الكبرى والمنسوبة للسيّدة فاطمة الزّهراء “ع”، وقد أوضحنا حين الحديث عن السّند الثّاني إنّ الرّاوي الأوّل له والّذي يدّعي الصّدوق إنّه قد أخبره بهذه المقاطع من الخطبة هو: شيخه المباشر “عليّ بن حاتم”، والّذي […]


#الحلقة_الثّالثة
#تحدّثنا في المقالين السّابقين عن سندين فرضيّين ذكرهما المرحوم الصّدوق لما نقله من مقاطع مّما يُصطلح عليها بالخطبة الفدكيّة أو الكبرى والمنسوبة للسيّدة فاطمة الزّهراء “ع”، وقد أوضحنا حين الحديث عن السّند الثّاني إنّ الرّاوي الأوّل له والّذي يدّعي الصّدوق إنّه قد أخبره بهذه المقاطع من الخطبة هو: شيخه المباشر “عليّ بن حاتم”، والّذي قلنا إنّه من صغار الطّبقة التّاسعة أو كبار العاشرة والّذي كان حيّاً في سنة: “350هـ”، وحينما نقرأ سند الصّدوق الثّالث إلى هذه الخطبة ـ ومن هنا يبدأ بحثنا الجديد ـ نجده يبدأ بعليّ بن حاتم أيضاً؛ وهو بالنّحو التّالي:
#أخبرني عليّ بن حاتم، قال: حدّثنا محمّد بن أسلم، قال: حدّثني عبد الجليل الباقلّاني، قال: حدّثني الحسن بن موسى الخشّاب، قال: حدّثني عبد الله بن محمّد العلويّ عن رجال من أهل بيته، عن زينب بنت عليّ، عن فاطمة “ع”…». [علل الشّرائع: ج1، ص248].
#وإذا ما أردنا أن نسبر الاحتمالات المعقولة في تحديد شخصيّة محمّد بن أسلم الوارد في هذا السّند فإنّ أشهر راو يُذكر بهذا الاسم في موروثنا هو: محمّد بن أسلم الطبري الجبلي، المُكنّى بأبي جعفر، أصله كوفيّ، وكان يتّجر إلى طبرستان، وقد نقل النّجاشي عن أحدهم ـ والظّاهر إنّه ابن الغضائريّ الإبن ـ قوله: كان غالياً فاسد الحديث، ويبدو إنّه ورد في إسناد تفسير القمّي وكامل الزّيارات لمرّة واحدة أيضاً.
#ومن خلال متابعة من روى عنه كثيراً كمحمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب مثلاً نستكشف كون محمّد بن أسلم من الطّبقة السّادسة؛ باعتبار إنّ ابن أبي الخطّاب قد توفّي في سنة: “260هـ” فهو من الطّبقة السّابعة، وعلى هذا الأساس نسأل: كيف تمكّن عليّ بن حاتم القزويني وهو من صغار الطّبقة التّاسعة أو كبار العاشرة والّذي كان حيّاً في أواسط القرن الرّابع الهجري أن يروي مباشرة عنه؟! مع إنّ نفس المرحوم الصّدوق نصّ في كتابه الفقيه على إنّ لديه طريقين إلى كتاب محمّد بن أسلم الجبلي، الأوّل يمرّ بأربع وسائط والثّاني يمرّ بثلاث وسائط، فلا أدري كيف سمح لنفسه أن يذكر في كتابه رواية عن محمّد بن أسلم الجبلي بتوسّط واسطة واحدة؟! كما إنّ النّجاشي ـ وهو من الطّبقة الثّانية عشر والمتوفّى سنة: “450 هـ” [كما هو المشهور] ـ قد روى كتابه عن طريق أربع وسائط [رجال النّجاشي: ص368]؛ وإنّ الطّوسي ـ وهو من الطّبقة الثّانية عشر أيضاً والمتوفّى سنة: “460هـ” ـ رواه عن طريق خمس وسائط [الفهرست: ص386].
#وإذا أردنا أن نتجاوز هذه الملاحظة العميقة ونفترض اتّصال عليّ بن حاتم بمحمّد بن أسلم بقدرة سماويّة فإنّ هناك ثمّة مشاكل أخرى في هذا السّند ومنها: إنّ ابن أسلم يروي عن راوٍ مجهول لا يُعرف أصله ولا فصله اسمه عبد الجليل الباقلّاني أو الباقطاني، وهذا الأخير يقول: حدّثني الحسن بن موسى الخشّاب، وإذا عدنا إلى طبقة الخشّاب نجده من أبناء الطّبقة السّابعة، فكيف يروي محمّد بن أسلم الّذي هو من أبناء الطّبقة السّادسة عن الحسن بن موسى الخشّاب الّذي هو من أبناء الطّبقة السّابعة وبواسطة مجهولة أيضاً؟!
#كلّ هذا يكشف عن إنّ محمّد بن أسلم الّذي جاء في هذا السّند ليس هو الطّبري الجبلي؛ لذا ربّما يُحتمل أن يكون محمّد بن أسلم في هذا السّند هو محمّد بن أسلم الطّبري السُنّي الّذي وصفه الذّهبي بشيخ المشرق وله مدح كثير عندهم، والّذي وظّفته الماكنة الحديثيّة الإثنا عشريّة كثيراً لتمرير أمثال هذه النّصوص؛ فركّبوا برأسه حديث سلسلة الذّهب المعروف، أو هو في أحسن الأحوال راو مجهول لا يُعرف أصله ولا فصله، وبالتّالي فلا دليل على وجود أثر لهذه الخطبة المزعومة في مرحلة ما قبل الجاحظ وأبي العيناء استناداً إلى مثل هذه الأسانيد المركّبة بعد الوقوع.
#فتحصّل ممّا تقدّم من مقالات ثلاث النّتائج التّالية:
#الأولى: لا صحّة ولا اعتبار لأيّ سند من أسانيد الصّدوق الثّلاثة المذكورة في كتبه لما يُصطلح عليها بالخطبة الفدكيّة أو الكبرى المنسوبة للسيّدة فاطمة الزّهراء ع عند جميع الاتّجاهات الرّجاليّة الإثني عشريّة؛ لا في نفسها باعتبارها: تحتوي على مجاهيل وضعاف وانقطاع أيضاً؛ ولا في غيرها باعتبار: إنّ تكثّر أسانيد من هذا القبيل وبهذه المواصفات لا يفضي إلى تحصيل تواتر أو استفاضة كما يتوهّمون؛ بل هو من قبيل وضع حجر إلى جنب حجر آخر.
#الثّانية: لا يمكن الاستناد إلى مثل هذه الأسانيد وبهذه المواصفات لاستكشاف تقدّم الّلحظة الزّمانيّة لهذه الخطبة على لحظة الجاحظ وابي العيناء الّذين روي وضعهم لهذه الخطبة؛ وذلك لانقطاع هذه الأسانيد وعدم ثبوت اتصالها بلحظة زمنيّة تتقدّم على أبي العيناء والجاحظ كما أوضحنا ذلك بالدّليل.
#أ أمل من الجيل الحوزويّ الجديد أن يلتفت إلى المخاطر الجمّة الّتي تترتّب لا على مثل هذه النّصوص فحسب، بل على توظيفهم مثل هذه المناهج الخاطئة في تصحيح ما شاء الله من المقولات العقائديّة المذهبيّة وتمريرها انطلاقاً من قاعدة: ضرورة تصحيح كلّ المقولات المذهبيّة الأساسيّة وإن أوصلنا الدّليل إلى خلافها، فتفطّن وانتبه، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر
#خطوات_على_طريق_التّنوير
#مرجعيّات_مجهول_المالك


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...