أسانيد الصّدوق إلى الخطبة الفدكيّة في ميزان النّقد “2”

24 أغسطس 2018
1704
ميثاق العسر

#الحلقة_الثّانية #تحدّثنا فيما سبق عن أسناد المرحوم الصّدوق إلى الخطبة الفدكيّة أو الكبرى المنسوبة زوراً إلى السيّدة فاطمة الزّهراء “ع”، وقد أوضحنا هناك: إنّ للصّدوق ثلاثة أسانيد لها، أجملنا الحديث عن السّند الأوّل وبيّنا اشتماله على ضعاف ومجهولين عند ما يُصطلح عليهم بالعامّة والخاصّة، وبالتّالي فلا قيمة له في نفسه ولا قيمة له كمؤيّد لغيره […]


#الحلقة_الثّانية
#تحدّثنا فيما سبق عن أسناد المرحوم الصّدوق إلى الخطبة الفدكيّة أو الكبرى المنسوبة زوراً إلى السيّدة فاطمة الزّهراء “ع”، وقد أوضحنا هناك: إنّ للصّدوق ثلاثة أسانيد لها، أجملنا الحديث عن السّند الأوّل وبيّنا اشتماله على ضعاف ومجهولين عند ما يُصطلح عليهم بالعامّة والخاصّة، وبالتّالي فلا قيمة له في نفسه ولا قيمة له كمؤيّد لغيره أيضاً؛ إذ إنّ ضمّه إلى غيره كضمّ الحجر إلى الحجر… أمّا اليوم فسنتحدّث عن السّند الآخر لها؛ ليتجلّى لنا بدليل محكم عدم واقعيّته أيضاً، وكونه من أوضح مصاديق التّدليس وكبرى تركيب الأسانيد الّتي يُعرف المرحوم الصّدوق بها.
#وبغية وضع القارئ في سياق البحث كما هو عند المرحوم الصّدوق أقول: بعد أن نقل الصّدوق في كتابه العلل مقاطع من الخطبة بنفس السّند الّذي أورده في كتابه من لا يحضره الفقيه ورأينا ما رأينا فيه من اختلالات ومشاكل طويلة عريضة، عاد ليقرّر إنّ نفس هذه المقاطع من كلام فاطمة “ع” قد رويت له بسندين آخرين، سنتحدّث عن الثّاني ـ إذا ما أردنا أن نجعل السّند الّذي تقدّم في المقال السّابق أوّلاً ـ ونؤجّل الحديث عن السّند الثّالث إلى مقال لاحق.
#أمّا السّند الثّاني فهو: «أخبرني عليّ بن حاتم أيضاً، قال: حدّثني محمّد بن أبي عمير، قال حدّثني: محمّد بن عمارة، قال: حدّثني محمّد بن إبراهيم المصري، قال: حدّثني هارون بن يحيى النّاشب، قال: حدّثنا عبيد الله بن موسى العبسي، عن عبيد الله بن موسى العمري، عن حفص الأحمر، عن زيد بن عليّ، عن عمّته زينب بنت عليّ، عن فاطمة “ع”…».
#وقبل أن ندخل في تسجيل الملاحظات النّقديّة على هذا السّند يحسن بنا أن نتوقّف مع أستاذ وشيخ المرحوم الصّدوق، والّذي هو الرّاوي الأوّل الّذي نقل عنه هذه المقاطع من الخطبة والمعروف في بعض الكتب الرّجاليّة بـ: “عليّ بن حاتم القزويني”؛ لنعرف حاله من حيث الوثاقة ومن حيث الّلحظة الزّمنيّة أيضاً؛ فهو كما نصّ على ذلك النّجاشي في فهرسته: «عليّ بن أبي سهل حاتم بن أبي حاتم القزويني، أبو الحسن، ثقة، من أصحابنا في نفسه، يروي عن الضعفاء، سمع فأكثر…» [ص263]؛ والرّجل يُعدّ من مشايخ الصّدوق المباشرين والّذي أكثر من الرّواية عنه في كتابه العلل، وقد نصّ الطّوسي نقلاً عن أحدهم بأنّه كان حيّاً في سنة: “350هـ”. [الفهرست: ص285].
#وعلى هذا الأساس اتساءل: كيف يمكن أن نتعقّل قول علي بن حاتم القزويني في السّند الأوّل: أخبرني محمّد بن عمير…”، مع إنّ محمّد بن عمير هو من كبار الطّبقة السّادسة وقد توفّي في سنة: “217هـ”، وإنّ عليّ بن حاتم القزويني هو من صغار الطّبقة التّاسعة أو كبار العاشرة والّذي كان حيّاً في سنة: “350هـ”؟!
#يبدو إنّ الموقف المتقدّم يجعلنا أمام محتملات عديدة؛ فإمّا أن يكون الصّدوق كاذباً بالاصطلاح المنطقي في إخباره؛ وإمّا أن يكون شيخه عليّ بن حاتم القزويني كاذباً بالاصطلاح المنطقيّ أيضاً في إخباره، وإمّا أن يكون محمّد بن أبي عمير تصحيف محمّد بن عمر بن أبي عمير والّذي هو راو مجهول لا يُعرف أصله ولا فصله أيضاً، وكيف كان؛ فإنّ أيّ احتمال رجّحناه من هذه الاحتمالات فإنّ المقطوع به والّذي لا شكّ ولا غبار فيه هو عدم رواية هذه الرّواية عن محمّد بن أبي عمير، لكي يوسوس موسوس بأنّ ما يُسمّى بالخطبة الفدكيّة أو الكبرى المنسوبة للسيّدة فاطمة الزّهراء “ع” قد رويت من قبل ثقات الرّواة المتقدّمين على الّلحظة الزّمنيّة لأبي العيناء والجاحظ ويُستدلّ بمثل هذا الأسناد المقطوع الكذب والفساد.
#لنعود إلى محاكمة الرّواية وفقاً للمقاييس العاديّة المتوافرة عندهم لنقرّر ما يلي:
#أوّلاً: إنّ جميع الرّواة الّذين توسّطوا بين محمّد بن أبي عمير المزعوم وبين زيد الشّهيد هم مجهولو الحال، ولا يُعرف لهم أصل ولا فصل أيضاً، وأحدهم مهمل وفقاً لمقاييسهم.
#وثانياً: لا أدري كيف جاز أن يروي زيد الشّهيد عن عمّته زينب بنت عليّ “ع” مباشرة مع إنّه مولود بعد عشرين سنة من وفاتها؟! وهل إنّ زينب بنت عليّ بن أبي طالب “ع” عمّة مباشرة لزيد الّذي هو حفيد أخيها الحسين بن عليّ “ع” مثلاً؟!
#كلّ هذا يؤكّد على إنّ هذه الأسانيد من سنخ الأسانيد المركّبة ما بعد الوقوع، وكم لها نظير في تراث المرحوم الصّدوق وغيره للأسف الشّديد، والله من وراء القصد. [يُتبع].
#ميثاق_العسر
#خطوات_على_طريق_التّنوير


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...