أسانيد الخطبة الفدكيّة في كتاب السّقيفة!! مقدّمات فدك المذهبيّة

15 يناير 2019
105
ميثاق العسر

#رويت الخطبة المسمّاة بالفدكيّة أو الكبرى عن طريق عدّة أسانيد في كتاب السّقيفة المنسوب لأحمد بن عبد العزيز الجوهري الّذي قيل إنّه توفّي سنة: “322هـ”، لكنّ ثمّة مشاكل أساسيّة وجوهريّة عميقة تقف أمام هذا الكتاب فضلاً عن أسانيده، ويمكن إيجازها في نقاط: #الأولى: لم يصلنا كتاب السّقيفة المزعوم، وإنّما وصل إلى ابن أبي الحديد المعتزلي […]


#رويت الخطبة المسمّاة بالفدكيّة أو الكبرى عن طريق عدّة أسانيد في كتاب السّقيفة المنسوب لأحمد بن عبد العزيز الجوهري الّذي قيل إنّه توفّي سنة: “322هـ”، لكنّ ثمّة مشاكل أساسيّة وجوهريّة عميقة تقف أمام هذا الكتاب فضلاً عن أسانيده، ويمكن إيجازها في نقاط:
#الأولى: لم يصلنا كتاب السّقيفة المزعوم، وإنّما وصل إلى ابن أبي الحديد المعتزلي شارح نهج البلاغة المتوفّى سنة: “656هـ”، كما وقع بين يديّ الأربلي المتوفّى سنة: 692هـ” صاحب كتاب كشف الغمّة، وهذا يعني: إنّ الفاصلة بين لحظة وفاة مؤلّفه المُدّعى وبين ابن ابي الحديد والأربلي هي قرابة الأربعة قرون، ولم يكشف لنا ابن أبي الحديد طريقه إليه، كما صرّح الأربلي على إنّ ما ينقله من هذا الكتاب إنّما هو من «نسخة قديمة مقروءة على مُؤلّفها المذكور، قُرئت عليه في ربيع الآخر سنة اثنين وعشرين وثلاثمائة»، أي في السّنة نفسها الّتي ذُكرت كتاريخ لوفاة الجوهريّ!!، وأفاد أيضاً إنّ النّسخة الّتي اعتمدها مع قدمها مغلوطة، وقد قام بتحقيقها من مواضع أخر»، وبالتّالي: فالنّسختان فاقدتان للاعتبار.
#الثّانية: عقد ابن أبي الحديد في شرح النّهج فصلاً حمل عنوان: «فيما ورد من الأخبار والسّير المنقولة من أفواه أهل الحديث وكتبهم لا من كتب الشيعة ورجالهم»، وقد برّر ذلك باشتراطه على نفسه ألّا يحفل بذلك، وعلى هذا الأساس قرّر: إنّ جميع ما يورده في هذا الفصل مأخوذ «من كتاب أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في السّقيفة وفدك، وما وقع من الاختلاف والاضطراب عقب وفاة النبي “ص”، وأبو بكر الجوهري هذا عالم، محدّث، كثير الأدب، ثقة، ورع، أثنى عليه المحدّثون، ورووا عنه مصنّفاته». [ج16، ص210].
#الثّالثة: علّق المرحوم الخوئي على كلام ابن أبي الحديد قائلاً: إنّ صريح كلامه يفيد: «أنّ الرجل من أهل السنّة، ولكن ذكر الشيخ له في الفهرست كاشف عن كونه شيعيّاً»،لينصّ أخيراً على: عدم ثبوت وثاقة الرّجل؛ «إذ لا اعتداد بتوثيق ابن أبي الحديد، ولا سيما مع الاطمئنان بأنّ توثيقه يُبنى على الحدس والاجتهاد، أو على توثيق من لا يُعتدّ بقوله». [معجم رجال الحديث: ج‏2، ص142].
#الرّابعة: إنّ النّقطة المتقدّمة الّتي أشار إليها المرحوم الخوئي مأخوذة من المرحوم محسن الأمين في أعيان الشّيعة؛ فقد نصّ الأخير في معرض ترجمته له على إنّ مقتضى ذكر الطّوسي له في كتابه الفهرست يعني إنّه إماميّ؛ وذلك لأنّ كتابه موضوع لذكر مصنّفي الإماميّة حسب كلام الأمين، لكنّه عاد ليذكّر بكلام ابن أبي الحديد الّذي عدّه كالصريح في نفي إماميّته، ومن هنا احتمل أن يكون قد خفي حاله على ابن أبي الحديد. [أعيان الشّيعة: ج9، ص3، ط1].
#الخامسة: نصّ الألباني ـ وهو الخبير الرّجالي السُنّي المتشدّد ـ على إنّ أحمد بن عبد العزيز الجوهري من رجال الشّيعة المجهولين، واستند في ذلك إلى إيراد الطّوسي ذكره في كتابه الفهرست مكتفياً بقوله: «له كتاب السقيفة»، الأمر الّذي فهم الألباني منه عدم معروفيّته لدى الشّيعة فضلاً عن غيرهم من أهل السُنّة؛ وذلك لأنّ الطّوسي ـ والكلام للألباني ـ نصّ في مقدّمة كتابه الفهرست قائلاً: «…فإذا ذكرت كلّ واحد من المصنّفين وأصحاب الأصول؛ فلا بد من أن أُشير إلى ما قيل فيه من التّعديل والتّجريح، وهل يعوّل على روايته أم لا…». [سلسلة الأحاديث الضّعيفة: ج10 ، ص719].
#السّادسة: إنّ فرضيّة إنّ كتاب الفهرست يختصّ بذكر المصنّفات الشّيعيّة هي ظاهر عبارة الطّوسي في مقدّمته، وهو ما استظهره جملة من الأعلام الإثني عشريّة كالمرحوم بحر العلوم في رجاله حيث قال: «أن جميع من ذكره الشّيخ في الفهرست من الشّيعة الإماميّة إلّا من نصّ فيه على خلاف ذلك من الرّجال: الزّيدية، والفطحيّة، والواقفيّة وغيرهم، كما يدلّ عليه وضع هذا الكتاب؛ فإنّه في فهرست كتب الإصحاب ومصنّفاتهم دون غيرهم من الفرق». [الفوائد الرجالية: ج‏4، ص114]. نعم؛ لم يفِ الطّوسي بشرطه في بعض الموارد، لكنّه حينما يذكر شخصاً ولا يذكر تفصيلاً بحقّه ولا معارض معتبر فالصّحيح إنّه شيعيّ بالمعنى العامّ.
#السّابعة: الأسانيد المذكورة في هذا الكتاب المنسوب ساقطة عن الاعتبار حتّى لو سلّمنا جدلاً بوثاقة أبي بكر الجوهري، وسلّمنا قبلها بصحّة انتساب نسخة الكتاب إليه أيضاً؛ إذ تشتمل على مجاهيل وضعاف وإرسال وانقطاع لا تخفى على من له أدنى خبرة رجاليّة؛ ومثل هذه الأسانيد حتّى لو تكثّرت فلا قيمة لها عندنا في رفع درجة احتمال صدور ألفاظها وصياغاتها على الإطلاق، إذ هي من قبيل وضع حجر إلى جنب حجر آخر، كما لا تكشف أيّ واحدة منها على توفّر هذه الخطبة في لحظة زمانيّة متقدّمة على لحظة الجاحظ وأبي العيناء لكي نفنّد احتمال وضعها من قبلهما كما هو الرّاجح والمحتمل جدّاً.
#الثّامنة: مما تقدّم يُعلم إنّ كتاب السّقيفة يُعدّ من الكتب الشّيعيّة لمصنّف شيعيّ مجهول؛ لذا لا ينبغي الاعتماد عليه في إثبات المقولات المذهبيّة الدّاخليّة؛ وذلك لعدم توفّره على أبسط مقوّمات الاعتبار، سواء في نسخته أو في مؤلّفه أو في طرقه ومضامينه، كما لا ينبغي الاعتماد عليه في محاججة الاتّجاه السُنّي في موضوعات خلافيّة عميقة كما هو الشّائع والمشهور للأسف الشّديد؛ لأنّ محاججتهم بكتاب شيعيّ لكاتب مجهول من الجهالات السّاذجة والمُركّبة، فليُتأمّل كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...