أسانيد الأدعية والزّيارات والأخلاقيّات ضرورة بحثيّة!!

26 سبتمبر 2019
46
ميثاق العسر

#كثيراً ما نسمع من هنا وهناك دعوات تحمل ظاهراً دينيّاً وإيمانيّاً لطيفاً تهدف إلى منع التّعرّض السّنديّ أو المضمونيّ لعموم الأدعية والزّيارات والخطب والكلمات القصار وما شابهها من روايات ومضامين أخلاقيّة متداولة؛ ويبرّرون دعوتهم هذه ببيان: إنّ هذه الأمور لا ضرر فيها ما دامت تقوّي علاقة الإنسان بربّه وتصقل ذاته أيضاً!! خصوصاً والفقهاء الإثنا عشريّة […]


#كثيراً ما نسمع من هنا وهناك دعوات تحمل ظاهراً دينيّاً وإيمانيّاً لطيفاً تهدف إلى منع التّعرّض السّنديّ أو المضمونيّ لعموم الأدعية والزّيارات والخطب والكلمات القصار وما شابهها من روايات ومضامين أخلاقيّة متداولة؛ ويبرّرون دعوتهم هذه ببيان: إنّ هذه الأمور لا ضرر فيها ما دامت تقوّي علاقة الإنسان بربّه وتصقل ذاته أيضاً!! خصوصاً والفقهاء الإثنا عشريّة قد وضعوا تخريجات أصوليّة من قبيل قاعدة التّسامح أو رجاء المطلوبيّة لتخريج جواز قراءتها والامتثال لها!! ومن ثمّ: فإنّ الشّخص الّذي يتعرّض لها ويُشكّك فيها إمّا مريض نفسي أو مأجور حتّى وإن كانت تشكيكاته علميّة ودقيقة!!
#وهذا البيان رغم سلامة نوايا بعض طارحيه أو جهالة بعضهم، لكنّه ليس بياناً موفّقاً بالمرّة؛ وذلك:
#أوّلاً: إنّ جملة من هذه الأدعية والزّيارات والخطب وأضرابها تحتوي على مضامين مذهبيّة عميقة لا تتّفق مع الواقع التّاريخيّ المجزوم بثبوته عمّن تُنسب لهم هذه النّصوص، وبالتّالي: فإنّ التحقّق من واقعيّة صدورها ضرورة بحثيّة هامّة؛ فإنّنا وإن قلنا بجواز قراءة مثل هذه النّصوص الأخلاقيّة أو الأدعية والزّيارات بما هي كذلك مثلاً مع خلوّها عن المعاني الشّركيّة، وتوسّلنا بمثل هذه القواعد الأصوليّة لتبرير ذلك، لكنّ هذا لا ينتج سوى السّماح بقراءتها فقط دون صحّة نسبتها حقيقة إلى المنسوبة إليه.
#ثانياً: إنّ ما لا يُراد الالتفات إليه بقصد أو من دون قصد هو: إنّ اختيار صحّة انتساب هذه النّصوص الأخلاقيّة والأدعية والزّيارات وأضرابها إلى الشّخص “سين” سيؤدّي إلى منحه مكانة مذهبيّة عميقة في الوعي النّخبوي والجماهيريّ تعملقه على عموم معاصريه، ولعلّ أبرز دليل على ذلك إنّك حينما تُثبت انتساب هذه النّصوص إلى الشخص “صاد” مثلاً ممّن توجد تحفّظات مذهبيّة عميقة تجاهه فسوف لا تجد لهذه الدّعوى ذات الظّاهر الإيمانيّ أيّ حضور، بل تلاحظ حرمة قراءتها أيضاً، ولعلّ أوضح مثال على ذلك: صلاة التّراويح.
#ثالثاً: تعميقاً للنّقطة أعلاه سنستعين بكتابي نهج البلاغة والصّحيفة السجّاديّة مثلاً، فإنّ ما لا يُراد الالتفات إليه هو: إنّ ثبوت انتساب “نهج البلاغة” إلى عليّ بن أبي طالب “ع” شكّل ويشكّل في الوعي الجماهيريّ بطبيعة الحال صورة نمطيّة غارقة في المثاليّة عنه “ع” تفضي إلى إسقاط جميع أقرانه عن الاعتبار؛ لأنّ معظم المضامين الواردة فيه مضامين عالية وكبيرة، وبالتّالي: فإنّنا إذا تمكّنا بعد الفحص السّنديّ والمضمونيّ من إثبات نسبة بعض هذه الخطب إلى غير عليّ “ع” مثلاً أو جزمنا بعدم نسبتها له فإنّ هذه الصّورة النّمطيّة المرسومة عنه وعن غيره ستتزعزع جزماً حسب الفرض، ولا شكّ في أنّ نهج البلاغة يعاني من مشكلة حديثيّة عميقة جدّاً وهي الإرسال، بل أنّ جملة من خطبه ثبت عدم انتسابها إليه جزماً.
#رابعاً: أرسل جملة من الفقهاء الإثني عشريّة المتأخّرين ومتأخّري المتأخّرين والمعاصرين نسبة الكتاب المُسمّى بالصّحيفة السجّاديّة إلى عليّ بن الحسين المعروف بالسجّاد “ع” إرسال المسلّمات، ناصّين على تواترها ويقينيّتها، وسمّوها إنجيل آل محمّد وزبورهم، وولّدوا صحفاً ثانية وثالثة ورابعة وخامسة…إلخ، بل ووضعت آلاف الأسانيد لها، وبغض الطّرف عن مرتكزاتهم المنهجيّة والحديثيّة والمذهبيّة في تسويغ هذا الكلام حيث يأتي محلّ ذكره حتّى ما قيل عنها في تراث الزّيديّة إن شاء الله تعالى، لكنّنا إذا أردنا الانسياق مع المنهج السّندي المدرسي المتعارف في الأوساط الحوزويّة وهذه قيود مهمّة لمن يعرف لغة القيود، وتجاوزنا كلّ المعضلات الموجودة في طريق هذه الصّحيفة أيضاً، فإنّ الرّاوي الأوّل الّذي يُدّعى نقله لشخص هذه الصّحيفة بمجموعها عن يحيى بن زيد: مجهول الحال في الكتب الرّجاليّة الإثني عشريّة، وبالتّالي: فهي خبر آحاد مجهول الحال.
#خامساً: إنّ من يقرأ أدعية كتاب “الصّحيفة السجّاديّة” سوف تتشكّل عنده بطبيعة الحال صورة غارقة في المثاليّة ونكران الذّات والعبادة عن عليّ بن الحسين الملقّب بالسجّاد “ع”، ولعلّ أبرز تجلّيات هذه الصّورة النّمطيّة بالأوصاف الّتي ذكرناها نجدها على لسان المرحوم محمّد باقر الصّدر المستشهد عام: “1400هـ”، حيث يقرّر في توصيف الصّحيفة السجّاديّة في مقدّمة له عليها قائلاً: «وكانت الصحيفة السجّاديّة التي بين يديك من نتائج ذلك؛ فقد استطاع هذا الإمام العظيم بما اوتي من بلاغة فريدة وقدرة فائقة على أساليب التعبير العربي وذهنيّة ربّانيّة تتفتّق عن أروع المعاني وأدقّها في تصوير صلة الإنسان بربّه ووجده بخالقه وتعلّقه بمبدئه ومعاده وتجسيد ما يعبّر عنه ذلك من قيم خلقيّة وحقوق وواجبات…إلخ» [من مقدّمة له على إحدى طبعات الصّحيفة]، وعلى هذا الأساس: فإذا ذهب باحث إلى عدم ثبوت نسبة عموم آحاد وفقرات هذه الأدعية إلى السجّاد “ع” أصلاً ـ كما هو المختار ـ فإنّ بقاء هذه الصّورة النّمطيّة الغارقة في المثاليّة على ما هي عليه لا معنى له أصلاً حتّى وإن جوّزنا قراءتها رغم ما قد يُلاحظ على بعض مضامينها المولودة لاحقاً عن عصره “ع”.
#وفي الخاتمة: ما نتمنّاه على القرّاء الجادّين ـ ولا يعنينا غيرهم ـ أن يتفطّنوا إلى أهداف ومرامي هذه البحوث والإثارات بعناية وعمق، وإنّ توجيه سهام النّقد السّنديّ أو المضموني إلى نصّ روائيّ يحمل أدعية أو زيارة أو مواعظ أخلاقيّة سليمة المضمون لا يستهدف في الأعمّ الأغلب منع الجماهير من قراءتها، وإنّما من أجل بيان الّلا مفكَّر فيه من حيثيّاتها، وهي: إسهامها في عملقة المنسوبة إليهم على حساب تقزيم الآخرين، وهذه خطوة مذهبيّة محسوبة بدقّة وامتياز من قبل واضعي هذه النّصوص أو المتصرّفين والمعدّلين في بعضها مثلاً، فليُتأمّل كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...