أخلاق النّبيّ “ص” القرآنيّة وواقعة بني قريظة!!

22 نوفمبر 2019
375
ميثاق العسر

#سانساق مؤقتاً مع الّلغة الدّارجة والمؤسفة في تصحيح وتضعيف الأخبار لأقول: كم هو مسكين صاحب الميزان المرحوم محمّد حسين الطّباطبائي المتوفّى سنة: “1402هـ”؛ إذ يبدو أنّه لم يقرأ يوماً في حياته الآيات الّتي تخاطب النّبي الأكرم “ص” بالقول: “وإنّك لعلى خلق عظيم”، “وما أرسلناك إلّا رحمة للعالمين”، أقول ذلك: لأنّه آمن بحصول واقعة بني قريظة […]


#سانساق مؤقتاً مع الّلغة الدّارجة والمؤسفة في تصحيح وتضعيف الأخبار لأقول: كم هو مسكين صاحب الميزان المرحوم محمّد حسين الطّباطبائي المتوفّى سنة: “1402هـ”؛ إذ يبدو أنّه لم يقرأ يوماً في حياته الآيات الّتي تخاطب النّبي الأكرم “ص” بالقول: “وإنّك لعلى خلق عظيم”، “وما أرسلناك إلّا رحمة للعالمين”، أقول ذلك: لأنّه آمن بحصول واقعة بني قريظة وقال: إنّهم «نزلوا على حكم النبي “ص”، وكانوا موالي أوس، فكلّمته أوس في أمرهم مستشفعين، وآل الأمر إلى تحكيم سعد بن معاذ الأوسي في أمرهم، ورضوا ورضي به النّبي “ص”، فأُحضر سعد وكان جريحاً، ولمّا كلّم سعد “رحمه الله” في أمرهم قال: لقد آن لسعد أن لا يأخذه في الله لومة لائم، ثمّ حكم فيهم بقتل الرّجال، وسبي النّساء والذّراري، وأخذ الأموال، فأجري عليهم ما حكم به سعد، فضربت أعناقهم عن آخرهم، وكانوا ستمائة مقاتل أو سبعمائة، وقيل: أكثر، ولم ينج منهم إلّا نفر يسير آمنوا قبل تقتيلهم، وهرب عمرو بن سعدى منهم، ولم يكن داخلاً معهم في نقض العهد، وسُبيت النّساء إلّا امرأة واحدة ضربت عنقها، وهي التي طرحت على رأس خلّاد بن السويد بن الصامت رحى فقتلته‏». [الميزان: ج9، ص128].
#بلى؛ كم هو مسكين الطّباطبائي على حدّ وصفهم؛ لأنّه لم يقرأ يوماً في حياته آيات وصف النّبيّ بالرّحمة والخلق الرّفيع؛ فكيف يكون رسول بتلك المواصفات الإلهيّة العظيمة ويُقدم على قتل الرّجال وسبي الّذراري والنّساء وأخذ الأموال، وهذا الحكم يتنافى مع الأخلاق الّتي يُفترض أنّ النبيّ “ص” مُتّصف بها والرّحمة المُرسل لتعميدها!!
#والمؤسف أنّ لهذا المنطق رواج كبير، وهناك تعمّد حوزويّ منبريّ كبير على تمريره وتغرير البسطاء به، فتوهّموا أنّهم من خلاله يمكنهم إسقاط الأخبار المعتمدة لدى الفريقين والمتّفق عليها بينهم؛ لأنّهم يعلمون تماماً: إنّهم غير قادرين على دفع هنات هذه الأخبار وما يضاهيها من غير هذه الطّريقة وهم يواجهون سيلاً من الأسئلة المُقلقة الّتي تقف أمامهم وأمام منظومتهم الكلاميّة ومن ثمّ الأصوليّة الّتي وضعت جميع نصوص النّبيّ “ص” وأفعاله وأقاريره في دائرة الحجيّة ووجوب الاستنان.
#وبغية دفع هذه الطّريقة من التّفكير سأذهب إلى نصوص الطّباطبائي نفسه في مواطن متفرّقة من تفسيره الميزان المنطلقة من رؤية عرفانيّة، واستعين بها لردّ هذه الطّريقة من التّفكير من باب الاحتجاج، وأبدأ من الآية الأولى فأقول: أ لم يقل القرآن الكريم: “وما أرسلناك إلّا رحمة”، فأيّ رحمة أُرسل محمّد بها وهو يُقدم على قتل الرّجال وسبي النّساء والأطفال؟!
#يجيب الطّباطبائي قائلاً: «ليس مقتضى الرّحمة للعالمين أن يهمل مصلحة الدّين، ويسكت عن مظالم الظالمين و إن بلغ ما بلغ و أدى إلى شقاء الصّالحين واختلال نظام الدّنيا والدّين، وقد حكى الله سبحانه عن نفسه بقوله: “ورحمتي وسعت كُلّ شيء” ولم يمنع ذلك من حلول غضبه على من حلّ به من الأمم الماضية والقرون الخالية كما ذكره في كلامه، على أنّه تعالى سمّى ما وقع على كفّار قريش من القتل والهلاك في بدر وغيره عذاباً ولم يناف ذلك قوله: “وما أرسلناك إلّا رحمة للعالمين”، وهدّد هذه الأمّة بعذاب واقع قطعي في سور يونس والإسراء والأنبياء والقصص والروم والمعارج وغيرها، ولم يناف ذلك كونه “ص” رحمة للعالمين… مع أنّ من مقتضى الرحمة أن يوفّى لكلّ ذي حقّ حقّه، وأن يقتص للمظلوم من الظالم، وأن يؤخذ كلّ طاغية بطغيانه». [الميزان: ج9، ص69].
#وإذا قلت للطّباطبائي: ماذا عن آية “وإنّك لعلى خلق عظيم”، أ لا يتنافى ما فعله “ص” مع بني قريظة معها؟! فنراه يُجيب قائلاً: «والآية وإن كانت في نفسها تمدح حسن خلقه “ص” وتعظّمه، غير أنّها بالنّظر إلى خصوص السّياق ناظرة إلى أخلاقه الجميلة الاجتماعيّة المتعلّقة بالمعاشرة، كالثّبات على الحقّ، والصبر على أذى النّاس، وجفاء أجلافهم، والعفو والإغماض وسعة البذل والرفق والمداراة والتّواضع وغير ذلك…». [الميزان: ج19، ص369].
#أمّا إذا رجعنا إلى النّصوص الرّوائيّة في تفسير القمّي فنلاحظ ما يخرج هذه الآية عن محلّ الاستشهاد من رأس؛ حيث روى عن أبي الجارود، عن الباقر “ع” في قوله: وإنّك لعلى خلق عظيم، قال: “على دين عظيم”». [تفسير القمّي: ج2، ص382]، وجاء في تفسير التّبيان لشيخ الطّائفة الإثني عشريّة الطّوسي المتوفّى سنة: “460هـ” قوله في تفسير هذه الآية: «قال الحسن: على دين عظيم، وهو الإسلام. وقيل: أدب القرآن. و قال المؤرج: معناه على دين عظيم بلغة قريش. وقالت عائشة: كانت خلق النّبي “ص” ما تضمّنه العشر الأول من سورة المؤمنون، فالخلق المرور في الفعل على عادة، فالخلق الكريم الصّبر على الحقّ وسعة البذل، وتدبير الأمور على مقتضى العقل، وفي ذلك الرّفق والأناة والحلم والمداراة…». [التبيان: ج10، ص75].
#وإذا عدنا إلى نصوص الطّباطبائي في تفسير الآيتين محلّ الذّكر نجده ينصّ على أنّها «وإن كانت بحسب المعنى المطابقي ناظرة إلى أخلاقه “ص” الحسنة دون أدبه الذي هو أمر وراء الخلق إلا أنّ نوع الأدب… يستفاد من نوع الخلق» [الميزان: ج6، ص302]. وبعبارة أخرى: إنّ الأخلاق النّبويّة الّتي يتحدّث القرآن عنها لا تعني غير الانسجام التّام مع الأوامر الفوقانيّة الآمرة بقطع دابر الكافرين والمفسدين، والانسياق مع هذه الأوامر وإن كان في ظاهره يتنافى مع القيم الأخلاقيّة العقليّة المعروفة، لكنّه في واقعه ومحصّله ينسجم معها خير انسجام؛ لكنّنا نجهل الحكمة الكامنة وراء ذلك، بلى؛ هكذا يفكّر من هو داخل في المنظومة الإسلاميّة ولديه قواعد وضوابط في صدور الحديث وضرورة توجيهه.
#نعم؛ من الممكن أن توجّه اعتراضك على طبيعة الإله القرآني وتعترض على طريقة صبّه العذابات على الأمّم السّابقة بجريرة أنفار قليلة مع أنّ فيهم الأبرياء ممّن لا ذنب لهم أصلاً بحسب النّظر البدوي، لكنّ هذا خروج عن محلّ البحث، ونفي حادثة بني قريظة بشخصها لا يفضي أيضاً إلى حلّها لكي يُتوهّم ذلك؛ لأنّه ما هو أفظع منها منقولٌ في القرآن كما نوّه إلى ذلك الطّباطبائي آنفاً، والجواب عن هذا الموضوع يتطلّب عناية أخرى، فليُتأمّل جيّداً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...