أخلاق الرّسول “ص” تقدّر بقدرها!!

19 سبتمبر 2020
49
ميثاق العسر

#روى البخاري المتوفّى سنة: “256هـ”، ومسلم المتوفّى سنة: “261هـ”، وغيرهما أيضاً، بإسنادهم الصّحيح عندهم، عن عمر بن الخطاب قوله والّلفظ للبخاري: «قدم على النّبي “ص” سبيٌّ، فإذا امرأة من السّبي تحلب ثديها تسقي، إذا وجدت صبياً في السّبي أخذته، فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنّا النّبي “ص”: أترون هذه طارحة ولدها في النار، قلنا: لا، وهي […]


#روى البخاري المتوفّى سنة: “256هـ”، ومسلم المتوفّى سنة: “261هـ”، وغيرهما أيضاً، بإسنادهم الصّحيح عندهم، عن عمر بن الخطاب قوله والّلفظ للبخاري: «قدم على النّبي “ص” سبيٌّ، فإذا امرأة من السّبي تحلب ثديها تسقي، إذا وجدت صبياً في السّبي أخذته، فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنّا النّبي “ص”: أترون هذه طارحة ولدها في النار، قلنا: لا، وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال: لله أرحم بعباده من هذه بولدها». [صحيح البخاري: ج8، ص8، ط دار طوق النّجاة؛ صحيح مسلم: ج7، ص120، ط دار التّأصيل].
#وقد وقع الخلاف بين شرّاح هذا النصّ بسبب طريقة ضبطه الواصلة رغم اتّفاقهم على أصل الحادثة؛ فشدّد بعضهم مفردة «تحلَّب» ورفع «ثّديُها» ليكون فاعلاً، ونقلها بعضهم دون تشديد لتكون «تَحلُب» ونصب «ثَديَها» ليكون مفعولاً به، كما جاءت مفردة «تسقي» عند البخاري، ومفردة «تسعى» عند مسلم، والأمر سهل. [يُراجع في هذا الصّدد: فتح الباري: ج18، ص345ـ346، تحقيق: الأرنؤوط].
#وإذا ما أخذنا جميع هذه الاحتمالات بعين الاعتبار، فإنّ المتحصّل من ظاهر هذه الرّواية: أنّ هذه المرأة المسبيّة قد فقدت ولدها الرّضيع جرّاء سبيها، الأمر الّذي أفضى إلى امتلاء ثديها بالحليب وتقاطره منه أو تألّمها، ما دعاها للبحث عن طريق لإخراجه، ولهذا كانت تمسك أيّ طفل مسبيّ ـ والظّاهر أنّ الأطفال المسبيّين كُثر معها ـ وتلصقه ببطنها وترضعه، وفي الوقت نفسه كانت متلهّفة عطشة مشتاقة لولدها الّذي فقدته بسبب السّبي، وكان تبحث عن أيّ طريقة لاستذكار متعة إرضاعه واحتضانه، وهذه هي رحمة الأمّ وحنينها.
#لكن الغريب والّلافت: أنّ الرّسول “ص” ـ وفقاً لهذا النصّ ومشابهاته المبثوثة في تراث المسلمين الصّحيح ـ لم يُشفق على الحالة المأساويّة الّتي كانت تمرّ بها هذه الأمّ المسبيّة وهي تبحث عن ولدها، ولم يستنكر عليهم سبي هذه المرأة ولا أسباب فقدان ولدها، وإنّما وظّف هذا المشهد المؤلم لتقريب فكرة رحمة الله على عباده، بل كان ومعه المسلمون ينظرون لهذه المرأة المفجوعة وثديها بشكل طبيعي دون تحرّز.
#لا شكّ في أنّ هذه النّصوص ومشابهاتها المتوافرة بكثرة في صحاح المسلمين على اختلاف فرقهم ومذاهبهم تكشف بوضوح عن: أنّ الأخلاق الّتي يتّصف بها زعماء تلك المرحلة ينبغي أن تُقدّر بقدرها، بمعنى: أنّها قد تكون متميّزة عن السّمة الغالبة الّتي يتّسم أبناء تلك الّلحظة الزّمانيّة والرّقعة الجغرافيّة بها، ولا ينبغي أن نتوهّم: أنّ ما اتّفقت عليه الجماعة الإنسانيّة من قيم أخلاقيّة عُليا، أو ما اكتشفه عقلهم منها أو قرّره بخصوصها، هو عينه الّذي كان متواضعاً عليه من قبلهم أو مكتشفاً أو مقرّراً بعقولهم؛ فإنّ إثبات مثل هذا الأمر لا متعذّر فقط، بل متعسّر أيضاً.
#ولهذا تجد أنّ عواطف أهل الدّين ودموعهم تتفاعل مع قول الرّسول في وصف رحمة الله بعباده، ولا تهتمّ أو تكترث بالحالة المأساويّة الّتي تعيشها هذه المرأة المسبيّة، ولا المسبّب في وصولها إلى ما وصلت إليه أصلاً، بل يحكم بحسن ما وصلت إليه ولا يستقبحه بحال من الأحوال، وهذه واحدة من أكبر المفارقات الّتي يعيشها الفرد المسلم، فتأمّل كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر
#الرّسول_المذهبي


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...