أخطاء نهج البلاغة بعيون الصّادق “ع”!!

21 مارس 2019
217
ميثاق العسر

#ثمّة إشكاليّة عميقة طرحها بعض المحقّقين الإثني عشريّة المعاصرين على طريقة تصنيف المرحوم الشّريف الرّضي المتوفّى سنة: “406هـ” لنهج البلاغة، وخلاصتها: إنّه “عفا الله عنه” كان يراجع كتب أهل السُنّة ورواياتهم فقط، فينسب لعليّ “ع” روايات تكذّبها كتب الشّيعة الإثني عشريّة ورواياتهم، بل كان يهتمّ بذكر النّصوص الجميلة لا النّصوص الصّحيحة، ومثال ذلك: ما نسبه […]


#ثمّة إشكاليّة عميقة طرحها بعض المحقّقين الإثني عشريّة المعاصرين على طريقة تصنيف المرحوم الشّريف الرّضي المتوفّى سنة: “406هـ” لنهج البلاغة، وخلاصتها: إنّه “عفا الله عنه” كان يراجع كتب أهل السُنّة ورواياتهم فقط، فينسب لعليّ “ع” روايات تكذّبها كتب الشّيعة الإثني عشريّة ورواياتهم، بل كان يهتمّ بذكر النّصوص الجميلة لا النّصوص الصّحيحة، ومثال ذلك: ما نسبه إلى عليّ “ع” من القول: «ومن كلام له “ع” في صفة رجل مذموم ثمّ في فضله هو “ع”: “أمّا إنّه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم، مندحق البطن، يأكل ما يجد ويطلب ما لا يجد، فاقتلوه ولن تقتلوه، ألّا وإنّه سيأمركم بسبّي والبراءة منّي؛ فأمّا السبّ فسبّوني؛ فإنّه لي زكاة ولكم نجاة، وأمّا البراءة فلا تتبرءوا منّي؛ فإنّي ولدت على الفطرة وسبقت إلى الإيمان والهجرة”» [نهج البلاغة: ص92].
#ومن الواضح: إنّ النصّ أعلاه يكذّبه الصّادق “ع” على ما جاء في نصّ رواه الكليني بإسناده الصّحيح أو الموثّق أو الضّعيف عندهم عن مسعدة بن صدقة حيث قال: «قيل لأبي عبد الله [الصّادق] “ع”: إنّ النّاس يروون أنّ عليّاً “ع” قال على منبر الكوفة: أيّها النّاس، إنّكم ستدعون إلى سبّي، فسبّوني، ثمّ تُدعون إلى البراءة منّي، فلا تبرّؤوا منّي؟ فقال [الصّادق “ع”]: ما أكثر ما يكذب النّاس على عليّ “ع”! ثمّ قال: إنّما قال: إنّكم ستُدعون إلى سبّي، فسبّوني، ثمّ تُدعون إلى البراءة منّي، وإنّي لعلى دين محمّد “ص”، ولم يقل لا تبرَّءوا منّي». [الكافي: ج2، ص219]، وأين هذا النّقل من دعوى عدم جواز اختيار التّقيّة في حالة ما إذا أجبر الشّخص على البراءة منه؟!
#ولكي نستوعب البحث في المشاكل المضمونيّة الّتي حملها النصّ الّذي جاء في نهج البلاغة وغيره أيضاً يحسن بنا تقديم بعض الإيضاحات العاجلة:
#الأول: لم يكتف المرحوم الشّوشتري بتسجيل هذا الاعتراض السيّال على الشّريف الرّضي في مقدّمة شرحه لنهج البلاغة المسمّى بـ: “بهج الصّباغة”، بل عاد وشدّد النّكير كثيراً على ابن أبي الحديد فقال: «وأمّا قوله فتروي الإماميّة عنه “ع”: “إذا عرضتم على البراءة منّا فمدّوا الأعناق” فبهتانٌ؛ فالأصل في الرّواية العامّة، وتبعهم المصنّف وقبله شيخه المفيد غفلة فقال في إرشاده: ما استفاض عنه “ع” من قوله: “إنّكم ستعرضون من بعدي على سبّي فسبّوني، فإن عرض عليكم البراءة منّي فلا تبرأوا منّي؛ فإنّي ولدت على الاسلام، فمن عرض عليه البراءة منّي فليمدّد عنقه؛ فمن تبرّأ منّي فلا دنيا له ولا آخرة”. وأمّا الإماميّة فرووا تكذيب ما نسبوا إليه من أنّه “ع” قال: لا تتبرءوا منّي؛ [فقد] روى الكليني في باب تقية كافيه، والحميري في قرب إسناده عن مسعدة بن صدقة… وروى إبراهيم الثّقفي في غاراته ـ وقد نقله ابن أبي الحديد نفسه ـ … فهذه ثلاثة أخبار: خبران عن الصادق “ع” وخبر عن الباقر “ع” أنّ أمير المؤمنين “ع” لم ينههم عن اظهار البراءة وإن نسبة النّهي إليه “ع” من العامّة». [بهج الصّباغة: ج5، ص581ـ582].
#الثّاني: حينما نسأل ابن أبي الحديد المتوفّى سنة: “656هـ” عن ماهيّة هذا الرّجل الّذي عناه النّص أعلاه يجيبنا بأنّ النّاس اختلفت في ذلك، والأشبه عندي إنّه معاوية بن أبي سفيان [شرح نهج البلاغة: ج4، ص54]، ولكن: أ لم يسأل ابن أبي الحديد نفسه: لماذا يتحدّث الأمير “ع” عن رجل سيظهر بعده وهو بهذه المواصفات، مع إنّ معاوية معاصر له وقد دخل في حرب ضروس معه طالت عدّة شهور وقتل فيها من الطّرفين ما يقرب من سبعين ألف مقاتل، فأيّ إعجاز هذا الّذي يتحدّث عنه الأمير مثلاً؟!
#الثّالث: أنا لا أدري ما هو الفرق بين أن تسبّ مرجع تقليدك أمام الملأ وبين أن تتبرأ من توجّهاته وفتاواه وقناعاته؟! بل ربّما لا يستسيغ المجتمع الإنسانيّ الحالة الثانية ويستسيغ الأوّلى، فكيف إذا كان الإنسان مجبراً ومضطراً ومكرهاً على ذلك؟! نعم تختلف هذه الحالة من شخص إلى آخر؛ ومن هنا نصّ بعض المعاصرين على عدم جواز التّقيّة في أمثال هذه المواطن لمن كان في مقام المرجعيّة وأضرابه؛ لأنّ تقيّته تستلزم فساداً أكبر.
#الرّابع: نصّ المرحوم الشّوشتري في مقام التّفريق بين السبّ والبراءة قائلاً: «وبالجملة: المُحقّق من الفرق بين السبّ والبراءة أنّه “ع” في السبّ قال: “فسبّوني”، وأمّا في البراءة فلم يقل: “فتبرّءوا منّي”، وإنّما اقتصر على قوله “ع”: “فإنّي على دين محمّد “ص”” فتوهّموا أنّه نهي، فدفع عترته “ع” التوهّم بأنّه اقتصر على ذاك، وهو أعمّ من النّهي، وقد كان النّبيّ “ص” قال له: “الإيمان مخالط لحمك ودمك كما خالط لحمي ودمي»، «ووجه تفريقه “ع” أنّ من يأمرهم بالسبّ يأمرهم لهوى نفسه فلا يقبل جوابه، وأمّا من يأمرهم بالتبرّي فإنّما يأمرهم بالتبرّي منه “ع” أي من دينه، فعلّمهم “ع” كيف يجيبونهم بأنّ دين عليّ “ع” دين محمّد “ص”، وهم كانوا في الظاهر مقرّين به ولا يمكنهم انكاره».[بهج الصّباغة، مصدر سابق].
#الخامس: يتناول الفقهاء الإثنا عشريّة هذه المشكلة من زاوية فقهيّة في المسألة السّابعة والثّلاثين من فصل أفعال الوضوء من كتاب العروة الوثقى، ويتعرّضون هناك للنّصوص الواردة في هذا المجال ويسعون جهد إمكانهم إلى فرضيّات للجمع بين النّصوص المتعارضة حسب تعبيرهم؛ وذلك لأنّهم ينطلقون من أصل كلاميّ أصوليّ فاسد عندنا وهو: التّعامل مع النّصوص الصّادرة من الأئمّة الإثني عشر “ع” وكأنّها صادرة من متكلّم واحد وفاعل فارد، ومن ثمّ يضعونها جميعاً في سلّة واحدة ليحيروا في طريقة الجمع بين متعارضاتها، فراجع ولا نعيد.
#وأخيراً: اعتقد إنّ أمام الجيل الحوزويّ القادم رهانات صعبة جدّاً ينبغي عليهم تجاوزها وبقوّة أيضاً؛ إذ ما لم نضع كتاب نهج البلاغة بعرضه العريض تحت سهام النّقد السّنديّ والمضمونيّ الجادّ لا يمكن لنا مواكبة مسيرة العلم، وبالتّالي: تضحى ادّعاءاتنا العلميّة مجرّد كلام لكسب الجماهير وعطفهم، وإلّا فالصّورة النّمطيّة الغارقة في المثاليّة عن عليّ “ع” والمرسومة في ذهن المتلقّي الإثني عشريّ بسبب الصّراعات المذهبيّة لا تستند إلى نصوص صحيحة في موروثنا؛ لذا يُشكل جدّاً التّمسّك بها فضلاً عن الامتثال لها، بل السّيرة العمليّة لشيعته وأتباعه على طول التّاريخ قائمة على التّأسّي بخلافها أيضاً، فليُتأمّل كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...