أخطاء ابن حجر في ترجمة رجال الشّيعة!! الحلقة الأولى

11 أبريل 2019
131
ميثاق العسر

#ثمّة نقولات كثيرة جدّاً نقلها ابن حجر العسقلانيّ المتوفّى سنة: “852هـ” عن الكشّي والنّجاشي والطّوسي وغيرهم… وهو يُترجم لرجال الشّيعة في كتابه لسان الميزان، لكنّنا حينما نعود إلى النّسخ الواصلة من هذه الكتب فلا نجد لهذه النّقولات عيناً ولا أثراً فيها، كما لا يمكن طرح احتمال سقوطها من النّسخ الواصلة؛ وذلك لكثرتها، ولعدم تسجيل أيّ […]


#ثمّة نقولات كثيرة جدّاً نقلها ابن حجر العسقلانيّ المتوفّى سنة: “852هـ” عن الكشّي والنّجاشي والطّوسي وغيرهم… وهو يُترجم لرجال الشّيعة في كتابه لسان الميزان، لكنّنا حينما نعود إلى النّسخ الواصلة من هذه الكتب فلا نجد لهذه النّقولات عيناً ولا أثراً فيها، كما لا يمكن طرح احتمال سقوطها من النّسخ الواصلة؛ وذلك لكثرتها، ولعدم تسجيل أيّ واحد من الإثني عشريّة المتقدّمين زماناً على ابن حجر لها أيضاً، كما لا يُحتمل أن تكون من وضع ابن حجرّ أيضاً؛ لعدم معقوليّة ذلك، لكن مع هذا فربّما يتوهّم متوهّم: إنّ ابن حجر كان يمتلك نسخاً أصليّة لهذه الكتب أو إنّ لديه مصادر أخرى اشتملت على هذه الأوصاف دون أن تصل إلينا!!
#وقبل أن نعرض لحقيقة هذه النّقولات وبغية أن نضع القارئ في السّياق الحسّي لها يحسن بنا أن نقدّم بعض الأمثلة لذلك، بيد أنّ الأمثلة لهذا الخلط كثيرة جدّاً وموزّعة بكثرة في الجزء الأوّل والثّاني ونصف الثّالث من كتابه لسان الميزان في طبعته المحقّقة ذات العشرة أجزاء، ويمكن للباحث أخذ عيّنات منها للمقارنة والمطابقة وسيكتشف الفارق الكبير بوضوح، وهناك دراسة نُشرت مؤخّراً استخرجت بشكل سردي جميع هذه الفوارق وقارنت بين ما هو منقول في لسان الميزان وما بين كتب الرّجال الشّيعيّة يمكن مراجعتها في مجلّة تُراثنا الأعداد: “129؛ 133؛ 134”.
#المثال الأوّل: عدّ الطّوسي: “إبراهيم بن أبي حفصة” كأحد أصحاب عليّ بن الحسين المعروف بالسجّاد “ع” ولم يزد على ذلك شيئاً سوى وصفه بمولى بني عجل، لكنّنا حينما نعود إلى لسان الميزان نراه يقرّر ما يلي: « إبراهيم بن أبي حفصة العجلي مولاهم، ذكره الطّوسي في رجال الشيعة الرواة عن أبي جعفر الباقر وقال : كان من العبّاد الثّقات». [لسان الميزان: ج1، ص267].
#المثال الثّاني: عدّ الطّوسي: “إبراهيم بن ضمرة الغفاري” من أصحاب الصّادق “ع” في كتابه الرّجال، مقتصراً في ترجمته على قوله: «مدنيّ، وهو ابن عمرو، مولاهم»، لكنّنا حينما نُراجع لسان الميزان نراه يقرّر في ترجمته ما يلي: «ذكره الطوسيّ في رجال جعفر الصادق من الشّيعة، ونقل عنه طعناً في الإمام الشافعيّ، ووصفه بالزّهد والورع، لا بارك الله فيه». [لسان الميزان: ج1، ص300].
#المثال الثّالث: لا يوجد في مصادرنا الإثني عشريّة أيّ توثيق صريح لثابت بن أبي سعيد، لكنّنا حينما نعود إلى لسان الميزان لإبن حجر العسقلانيّ نجده ينقل خلاف ذلك ويقرّر قائلاً: «ثابت بن أبي سعيد البجلي الكوفي، ذكره الكشّي في رجال الشيعة وقال: “كان ثقة كثير الفقه روى عنه الأعمش”» [لسان الميزان: ج2، ص387]، وحينما نعود إلى كتاب اختيار معرفة الرّجال المُنتقى من رجال الكشّي لا نجد للعبارة ذكراً.
#في ضوء هذه الأمثلة اليسيرة ـ والأمثلة المشابهة كثيرة جدّاً ـ يُطرح تساؤلان مفادهما: هل كان لإبن أبي حجر نسخ أصليّة من هذه الكتب وخصوصاً رجال الكشّي الأمر الّذي استوجب صدور هذا الكمّ الهائل من الاختلافات ما بين نقله وما بين النّسخ الواصلة بل والمعتمدة لدى من تقدّم على ابن حجر من الأعلام الإثني عشريّة والّتي كان بعضها بخطّ مصنّفيها أيضاً؟! وهل كانت عند ابن أبي حجر كتب أخرى من قبيل رجال الصّدوق ورجال عليّ بن الحكم كما هو ظاهر عبائره حين نقله منها والّتي لم تصلنا نسخها بطبيعة الحال؟!
#والجواب: يبدو إنّ هناك شبه اتّفاق بين بعض المحقّقين ومن تبعهم من الباحثين الإثني عشريّة المعاصرين على عدم توفّر ابن حجر على نسخ أصليّة لهذه الأصول الرّجاليّة خصوصاً رجال الكشّي، وإن حصل اختلاف بينهم على توفّره على نسخٍ من كتب أخرى لم تصل إلينا، وفي هذا السّياق طُرحت عدّة محاولات:
#الأولى: عزا السيّد شُبيريّ الزّنجاني “حفظه الله” هذه الأخطاء الكثيرة إلى عوامل عدّة أهمّها: عجلة ابن حجر في التأليف وعدم توفّر فرصة لديه للمراجعة، بالإضافة إلى ذوقه الخاصّ في النّقل بالمعنى الواسع جدّاً، لكنّه مع هذا ذهب إلى امتلاك ابن حجر لمكتبة هامّة تضمّنت العديد من كتب الشّيعة الّتي لا خبر لنا بها من قبيل: تاريخ الرّي لمنتجب الدّين وتاريخ ابن أبي طيّ ورجال عليّ بن الحكم ورجال أبي جعفر الصّدوق، وسنتوقّف مع رأي الزّنجاني عرضاً ونقداً في القادم من البحث.
#الثّانية: في سياق إيضاح هذا الرأي وتطويره ذهب نجله إلى احتماليّة أن يكون ابن حجر قد اعتمد على مصنّفٍ لم يقتصر مصنّفه فيه على ذكر الآراء الرّجاليّة الإثني عشريّة من خلال نصوص ما جاء في كتب مصنّفيها الرّجاليّة حصراً، وإنّما قرأ الآراء في ضوء مجموعة مؤلّفاتهم، محتملاً أن يكون هذا الكتاب هو رجال عليّ بن الحكم والّذي احتمل أن يكون شرحاً على رجال الطّوسي بنحو من الأنحاء، ومن المحتمل جدّاً أن تكون بعض نقولات ابن حجر عن الكشّي مأخوذة من رجال عليّ بن الحكم، والتي اختلطت مع المطالب الّتي جاءت في أصل رجال الكشّي لا ممّا استخلصه الطّوسي منه، وهكذا ليبادر ابن حجر إلى نقل الآراء ونسبتها إلى الأشخاص اعتماداً على هذا الكتاب من دون أن يذكر الكتاب الواسطة الّذي استقى منه هذه الآراء. [زنجاني، محمّد جواد، رجال الطّوسي، مقالة نُشرت في دانشنامه جهان اسلام: ج19، ص55، بالفارسيّة].
#الثّالثة: وفي سياق هذا وذاك ذهب باحث آخر إلى أنّ الأقرب في النّظر أنّه لم يكن لديه الأصول الرّجاليّة المذكورة، بل لم يكن لديه حتّى كتاب عليّ بن الحكم أيضاً، بل كان يعتمد فيما ينسبه إليها على ما ألّفه بعض المتأخّرين في تراجم أصحابنا، لكنّ حيث إنّه لم يكن مأنوساً بطريقة هذا المتأخّر في نقل كلمات الكشّي والنّجاشي والطّوسي وأمثالهم فوقع فيما يلاحظ من الاشتباه؛ ومن المحتمل جدّاً: إنّ ذلك المؤلّف لمّا كان يُترجم لشخص ويذكر ما لديه من معلومات بشأنه يُشير ضمناً إلى أنّه قد ذكره الطّوسي في رجال الشّيعة أو في مصنّفي الإماميّة قاصداً التّنبيه على بعض مصادر ترجمته، لكن كان ابن حجر يفهم منه أنّ ما ورد في ترجمته من التّعريف به إنّما هو مقتبس من كلام الطّوسي، فيبادر لنسبته إليه مباشرة دون ذكر الواسطة، واحتمل أن يكون الكتاب الّذي استند إليه هو كتاب: “الحاوي في طبقات الإماميّة” حسب تسميته له، ليحيى بن أبي طيّ الحلبي؛ وذلك: لنقله منه في عدّة موارد بالإسم، وتصريحه بموجوديّته عنده بخطّه في بعض الموارد الأخر. [السّيستاني، محمّد رضا، قبسات من علم الرّجال: ج1، ص173ـ174].
#وفي قناعتي إنّ أصل هذه المحاولات وما طُرح من تفسيرات وإيضاحات وتعميقات لها يحمل بعض جوانب الصّحة وفيه جوانب أخرى من الأخطاء، وإيضاح هذه الأمور يستلزم ذكر الرّاجح عندنا في تفسير أسباب وقوع هذه الأخطاء الكثيرة الّتي حملها كتاب لسان الميزان؛ علّنا نوفّق بذلك لتقديم إسهامات إيضاحيّة في طريق المهتمّين، والظّاهر إنّ ابن حجر لا يتحمّل مسؤوليّتها بالجملة وإنّما وقع ضحيّة غيره. [يُتبع].
#ميثاق_العسر
#أخطاء_ابن_حجر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...