أخطاء ابن حجر في ترجمة رجال الشّيعة!! الحلقة الرّابعة والأخيرة

14 أبريل 2019
150
ميثاق العسر

#بعد أن اتّضح ممّا تقدّم حجم الأخطاء الكبيرة الّتي احتواها كتاب لسان الميزان وهو يُترجم لبعض رجال الشّيعة على جميع المستويات الرّجاليّة، ولاح لنا أجنبيّة كثير من الإحالات عن مصادرها الأصليّة، يحسن بنا تقديم بعض الأمثلة الّتي تعمّق ما تقدّم من جوانب صحيحة في عموم المحاولات الّتي تقدّم نقلها وتؤكّد في الوقت نفسه وجهة نظرنا […]


#بعد أن اتّضح ممّا تقدّم حجم الأخطاء الكبيرة الّتي احتواها كتاب لسان الميزان وهو يُترجم لبعض رجال الشّيعة على جميع المستويات الرّجاليّة، ولاح لنا أجنبيّة كثير من الإحالات عن مصادرها الأصليّة، يحسن بنا تقديم بعض الأمثلة الّتي تعمّق ما تقدّم من جوانب صحيحة في عموم المحاولات الّتي تقدّم نقلها وتؤكّد في الوقت نفسه وجهة نظرنا المختارة؛ فإنّ كتاب الحاوي حاول أن يستقرئ بعض الآراء الرّجاليّة الشّيعيّة لا من خلال المصنّفات المعروفة فقط، بل ذهب إلى غيرها أيضاً، وربّما يكون لإبن حجر دور في إعادة صياغة مثل هذه الأفكار بقوالب رجاليّة احترافيّة، لكنّه وقع في أخطاء من جوانب أخرى، علماً: أنّ الطّريقة الرّسميّة المتّبعة في كتابة الأصول الرّجاليّة الإثني عشريّة لم تكن طريقة رجاليّة احترافيّة كما هي الطّريقة المعروفة في صنعة الرّجال بين أهل السُنّة؛ وذلك بأن يُذكر الرّاوي ويُذكر من روى عنهم وروى عنه بل إنّ ذكر روايات الرّاوي واسماء كتبه ليس من نهج الطّوسي في كتابه الرّجال أصلاً خلافاً لما نسب له ابن حجر.
#المثال الأوّل: أفاد ابن حجر في ترجمة الحسين بن أحمد المالكي قائلاً: «ذكره الطّوسيّ في رجال الشّيعة وقال: روى عن محمّد بن عيسى بن عبيد بن يقطين، روى عنه محمد بن همام، وأسند الطّوسي عنه بسند له إلى أبي عبد الله جعفر الصادق خبراً باطلاً مع كونه معضلاً قال: قال رسول الله “ص”: قال الله عزّ وجلّ: “لولا أنّي أستحيي من عبدي المؤمن ما تركت عليه خرقة يتوارى بها، ولا أكملت له الإيمان [إلّا] ابتليته بضعف في قوّته وقلّة في رزقه، فإن حرج [جزع] أعدت عليه، وإن صبر باهيت به ملائكتي، ألا وقد جعلت عليّاً علماً [للنّاس]، فمن تبعه كان هادياً، ومن تركه كان ضالاً». [لسان الميزان: ج3، ص138].
#ومن الواضح لمن راجع رجال الطّوسي وفهرسته أن لا ترجمة لهذا الاسم فيهما، نعم؛ هو من مشايخ المرحوم الصّدوق، كما جاء ذكره العابر أثناء ترجمة بعض الرّواة في رجال الكشّي وفهرست النّجاشي والطّوسي، وجاء أيضاً في رواية صوم شعبان والاغتسال في ليلة النّصف منه من التّهذيب، لكنّنا حينما نُراجع أمالي الطّوسي نجد أنّ الرّواية الّتي نقلها ابن حجر موجودة بعينها مع زيادة قصيرة وبعض الاختلافات اليسيرة، وإنّ التّفصيل الرّجالي الّذي نُسب إلى الطّوسي مستلّ من إسناد الرّواية الموجود في الأمالي؛ حيث جاء في إسنادها ما يلي: «… قال حدّثنا ابن همام، قال حدّثنا الحسين بن أحمد المالكيّ، قال حدّثنا: محمّد بن عيسى بن عبيد بن يقطين…» [ص305]، ومنه نعرف حقيقة القول المنسوب إلى الطّوسي فتدبّر.
#المثال الثّاني: نصّ النّجاشي المتوفّى كما هو المشهور في سنة: “450هـ” في ترجمة “إسماعيل بن عليّ بن عليّ بن رزين بن عثمان بن عبد الرحمن بن عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي ابن أخي دعبل” قائلاً: «كان بواسط مقامه، وولّي الحسبة بها، وكان مختلطاً يعرف منه وينكر، له كتاب تاريخ الأئمة، وكتاب النّكاح». [ص32]، لكنّا حينما نعود إلى لسان الميزان نجده ينقل عنه أشياءً مختلفة حيث قال: «وقال ابن النجاشي في كتاب مصنّفي الشّيعة: كان من رجال الشّيعة وعلمائها ومصنفيها، وكان مقامه بواسط، وولّي الحسبة بها، وكان مخلِّطاً، وكان سماعه من أبيه سنة: “272”، وسمع بصنعاء من إسحاق بن إبراهيم الدّبريّ، وأورد له من روايته، عن أبيه علي بن علي، عن أبيه علي بن رزين، عن أبيه رزين بن عثمان، عن أبيه عثمان بن عبد الرحمن، عن أبيه عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن بديل بن ورقاء، سمعت أبي بديل بن ورقاء يقول: لمّا كان يوم الفتح أوقفني العبّاس بين يدي رسول الله “ص” فقال: يا رسول الله هذا خالك قال: فرأى سوادًا بعارضي فقال: كم سنوك؟ فقلت: سبع وتسعون فقال: زادك الله جمالاً وسوادًا وأمتع بك ولدك … الحديث». [لسان الميزان: ج2، ص149].
#والاختلاف بين النصّ الأصلي والنصّ المنسوب إلى النّجاشي بيّنٌ، لكنّ الغريب: أنّ الرّواية الّتي أوردها ابن حجر ونسبها إلى النّجاشي هي موجودة بعينها في كتاب أمالي الطّوسي [ص376]، ومن يظهر الخلط بين الكتب في ترجمة الرّجال، ويؤكّد ما اخترناه من اشتمال كتاب الحاوي على أوهام وتحريفات كثيرة، والّذي كان المصدر الأصلي لإبن حجر حسب الظّاهر.
#المثال الثّالث: ادّعى المرحوم الصّدوق رؤيته في همَدان الإيرانيّة لراو سمّاه بأحمد بن زياد بن جعفر الهمداني ووثّقه أيضاً، وقد روى عنه كثيراً من الرّوايات كان معظمها عن عليّ بن إبراهيم بن هاشم القمّي، وهذا الأمر لم تتّضح لنا حقيقته؛ إذ إنّ دعوى انتساب مثل هذا العدد من الرّوايات إلى عليّ بن إبراهيم والّذي انتشر تراثه في قم وضواحيها خصوصاً وعدم معروفيّته بالنّسبة إلى المرحوم الصّدوق المولود والمتكوّن في قم أمر يصعب هضمه كما نبّهنا لذلك في بحوث تفرّدات الصّدوق، وكيف كان فإنّ هذا الرّجل مجهول الحال في كتب التّراجم والرّجال الإثني عشريّة المعروفة، لكنّا نجد إشارة له في تراث ابن حجر العسقلانيّ الّتي قد توهم بمعروفيّته؛ حيث قال في ترجمة جعفر بن أحمد العلويّ الرّقي المُكنّى بأبي القاسم العريضيّ ما يلي: «مصنّف كتاب الفتوح، روى عن علي بن أحمد العقيقي، روى عنه أحمد بن زياد بن جعفر، وقال: كان إماميّاً حسن المعارضة، كثير النّوادر». [لسان الميزان: ج2، ص444]، وهنا فقد يقال كما توهّم أيضاً: إنّ قول أبن حجر بأنّ أحمد بن زياد بن جعفر الهمدانيّ قد روى عن أبي القاسم العريضي يدلّ على معروفيّة الهمدانيّ لديه، بل واحتماليّة أن يكون له مصنّف قد اعتمد عليه ابن حجر وأخذ منه ما ذكره عنه!!
#لكن بعد أن عرفنا حقيقة نقولات ابن حجر العسقلاني عند المحقّقين من أعلام الإثني عشريّة ومن تابعهم أيضاً، وبعد أن أوضحنا وجهة نظرنا الموثّقة فيها، تتّضح حينذاك إجابة التّوهمات أعلاه، وإنّ ما نقله ابن حجر في هذا الصّدد لم يعتمد في نقله على مصادر غير معروفة بالنّسبة لنا أو غير واصلة، وإنّما استند على مصنَّف كان قد استقى معلوماته من كتب التّراجم والحديث الإثني عشريّة نفسها وهو كتاب الحاوي لإبن أبي طيّ، وقد تبيّنت حقيقته.
#أمّا خصوص ما نقله حول أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني فهو مأخوذ من الكتاب المطبوع تحت عنوان “كمال الدّين وتمام النّعمة” للمرحوم الصّدوق، ومن رواية أسطوريّة غريبة عجيبة نقلها الصّدوق عن الهمداني وغيره أيضاً وليس شيئاً جديداً، وهي: «حدّثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمدانيّ، قال: حدّثنا أبو القاسم جعفر بن أحمد العلويّ الرّقي العريضي، قال حدّثني أبو الحسن بن عليّ بن أحمد العقيقيّ، قال حدّثني أبو نُعيم الأنصاريّ الزّيديّ، قال: كنت بمكّة عند المستجار…إلخ» [ص420]، وبالتّالي: تفقد مثل هذه النّقولات قيمتها من رأس.
#أمّا قوله: «وقال: كان إماميّاً حسن المعارضة، كثير النّوادر» الظّاهرة بدواً في عودتها إلى الهمداني في وصف المُترجم له فهي من أخطاء ابن أبي طي أو اشتباهات ابن حجر دون شكّ وريب، وكم له من نظير كما تحدّثنا آنفاً، ولا يعني ذلك توفّر مصادر لدى ابن حجر قد استقى مثل هذه المعلومات الفريدة منها، وهذا من الواضحات.
#فتلخّص ممّا تقدّم من بحوث وتوثيقات وإيضاحات وتقريبات: عدم إمكان الاعتماد على التّفرّدات الّتي نقلها ابن حجر في خصوص توثيق أو تضعيف أيّ راو من رجال الشّيعة المذكورين؛ وذلك لاحتوائها على إرجاعات خاطئة ومعلومات غير سليمة، كما إنّ دعوى توفّر ابن حجر على نسخة من رجال الطّوسي تشتمل على الكثير من الزّيادات الّتي سقطت من النّسخ الواصلة إلينا [مقدّمة الفهرست: ص40ـ41] لا يمكن المساعدة عليها؛ وذلك لأنّ المراجعة الفاحصة لنصوص ابن حجر المتأخّر عنه بأربعة قرون تقريباً تكشف عن غير ذلك خصوصاً مع وصول نسخة بخطّ الطّوسي نفسه إلى ابن داوود، وإنّ دعوى امتلاك ابن حجر مكتبة كبيرة تشتمل على بعض كتب التّراجم الشّيعيّة ممّن لم تصلنا لا تمتلك أيّ دليل ملموس، وإنّما ترتكز على تصوّرات خاطئة ومرتكزات غير دقيقة، فليُتأمّل كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر
#أخطاء_ابن_حجر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...